لاتسيو إنزاغي.. مصادفة للتاريخ على خُطى زانيتي

الزمان: أبريل/نيسان من العام 2016.

الحدث: ديربي العاصمة الإيطالية بين روما ولاتسيو.

المكان: مدرجات ملعب الأولمبيكو.

  

وبينما النتيجة تُشير إلى تقدُّم الذئاب بثلاثية على النسور، يُسجِّل دييجو بيروتي الهدف الرابع. جيانكارلو إنزاغي يجلس مع ابنه الشهير فيليبو ويهمس في أذنه: "إذن سيموني سيكون مدربا للاتسيو بداية من الغد"، وهو ما حدث بالفعل بعد إقالة ستيفانو بيولي عقب المباراة مباشرة، ليخرج سيموني من ظل بيبو لأول مرة. (1) بعيدا عن تلك الكوميديا التي جعلت من بيولي اليوم رجل المرحلة في ميلان التعيس، تولّى بالفعل سيموني إنزاغي وقتها منصب المدير الفني مؤقتا حتى نهاية الموسم، لشهرين فقط حتى تبدأ رحلة البحث عن المدرب الجديد، والذي كان مارسيلو بييلسا في النهاية. (2)

  

وفي حدث جنوني معتاد للرجل صاحب الأفكار الثورية والعقل الطفولي، قدّم بييلسا استقالته بعد تعيينه بـ 48 ساعة فقط لخلاف مع الإدارة، تلك التي طلبت من سيموني العودة بشكل مؤقت لمدة شهر واحد فقط حتى البحث عن مدرب آخر، ليرفض الرجل بداية بحجة أنه مرتبط باتفاق مبدئي لتدريب نادي ساليرنيتانا الذي عانيت للتو لنطق اسمه بشكل صحيح أو ربما لم تهتم لقراءته أصلا، وبعد فشل لاتسيو في العثور على مدرب، طلب رئيس النادي من إنزاغي تولّي تدريب الفريق قبل بداية موسم 2017، في رحلة محفوفة بالمخاطر لرجل درّب شباب النسور لمدة 6 سنوات، ولكنه لم يبدأ مسيرته الاحترافية في عالم التدريب بعد. (3)(4)(5)

    

سيموني إنزاغي (رويترز)

     

مصادفة؟

ربما مصادفة أولى هي ما جعل إنزاغي يتولّى تدريب لاتسيو خلفا لبيولي لمدة شهرين، ومصادفة ثانية جعلته خيارا مؤقتا بعد قرار جنوني من بييلسا. في هذه الحالات تختلف الأسماء ما بين الحظ والمصادفة وإنصاف القدر. المشكلة أن الجميع يتوقف عند هذه اللحظة التي تختلف فيها الأسماء وينسى ما حدث بعدها، بالأحرى ما برهن على أحقية أحدهم بالحصول على الفرصة.

 

قبل الحديث عن المصادفات قم بالبحث عن المدربين الذين جاؤوا بشكل مؤقت، والذين حمل لهم القدر مصادفات أجمل بكثير من إنزاغي وفي ظروف أفضل، في الدوري الإيطالي فقط ستجد العشرات، ولكن بالسير مع قصصهم حتى النهاية ستجد أن أغلبها انتهى بشكل تقليدي، إما بأن تتم إقالتهم وإما بالاستغناء عن خدماتهم من أجل مدرب آخر، لأن أحدهم لم يُقدِّم ما يجعل من المصادفة فرصة حقيقية. إذن، ما يستحق الحديث عنه هو كيفية استغلال هذه الأحداث المفاجئة وليس الأحداث نفسها.

 

يحكي مالك نادي إنتر السابق ماسيمو موراتي عن قصة مشابهة، حين قدّم له كشّافو النادي شريطا لمهارات المهاجم الأرجنتيني أورييل أورتيغا من أجل التعاقد معه، يقول موراتي إنه لم يقتنع تماما بأورتيغا، فقط ما لفت انتباهه هو هذا الظهير الشاب الذي يقوم بأشياء لم يرها في حياته من قبل. تخيَّل أن هذه المصادفة هي مَن قادت القائد التاريخي لإنتر إلى الفريق. بالطبع قد عرفت الآن أنه يتحدث عن خافيير زانيتي! (6)

    

خافيير زانيتي (رويترز)

    

مصادفة؟ انتظر لحظة، في هذا الوقت كان إنتر يمتلك 4 لاعبين لا يحملون جواز سفر أوروبي، وكان عليه التخلُّص من أحدهم. الأربعة كانوا سباستيان رامبيرت وروبيرتو كارلوس وبول آينس وخافيير زانيتي، كان أصغرهم وأقلّهم صيتا هو زانيتي، لذا فكان من البديهي أن يخرج هو على سبيل الإعارة، لأن القانون لم يكن يسمح وقتها لنادٍ في القارة العجوز بوجود أكثر من 3 لاعبين لا يحملون جواز سفر أوروبيا. هنا جاءت اللحظة التي تُبرهن على أحقية أحدهم بالفرصة، حين ذهب الشاب زانيتي بنفسه إلى رئيس النادي وأخبره: "سيدي الرئيس، أرجوك لا أريد أن أخرج على سبيل الإعارة، أريد أن أُقيّد بقائمة الفريق وأعدك أنني سوف أصنع كل ما بوسعي وأُثبت لك صحة هذا القرار مستقبلا". (7)

  

ما قاد زانيتي لذلك هو كلمات ذكرها في كتابه لاحقا، حيث قال: "في هذا الوقت كان الجميع يتغنّى برامبيرت بسبب هدفه الشهير في الدوري الأرجنتيني، روبيرتو كارلوس كان إحدى أهم المواهب على الإطلاق، بول آينس يعرفه الجميع منذ أن كان في مانشستر يونايتد، أما خافيير زانيتي فلا أحد يعرفه تماما"، هذا ما قاد نائب رئيس إنتر الحالي إلى التفوّه بهذه الكلمات لموراتي، الرجل الذي تحدّث عن ذهوله بثقة هذا الشاب الذي يبلغه بلهجة إيطالية مهتزة برغبته في البقاء وصناعة فرصته بنفسه. (8)(9)

  

النتيجة؟ مصادفة جديدة من تلك التي يسمّونها كذلك، رامبيرت يتعرّض لإصابة بالغة في ركبته تُطيح به خارج القائمة، ليُقيّد زانيتي بدلا منه، وتبدأ مسيرته مع النيراتزوري، تلك التي تعرفها جيدا، خليط من الموهبة والعمل الجاد وهوس منقطع النظير بالحفاظ على اللياقة البدنية طوال 18 عاما، الأمر الذي تحدّثت عنه زوجته باولا حين قالت إنه تدرّب في يوم زفافه، بل وإنه استخدمها هي لممارسة تمارين القرفصاء على أحد شواطئ تركيا ذات مرة، فقط لعدم وجود صالة رياضية في الفندق الذي قضوا فيه إحدى إجازات أعياد الميلاد! (10)(11)

  

المصادفة التي منحت زانيتي فرصة البداية لم تساعده في أي شيء إلا في أن يُقيَّد في قائمة النادي موسم 1996، ما حدث على مدار 18 عاما بعدها كانت خيوطا نسجها هو بفضل الموهبة والجهد المستمر، وهو ما حوّله إلى أسطورة بينما كان النسيان مصيرا للآلاف من أصحاب البدايات المشابهة، فقط لأنهم لم يُظهِروا قدرة على استغلال الفرص. الآن يمكننا أن نبدأ الحديث عن سيموني إنزاغي.

    

   

نحو لاتسيو الرهيب

سنضطر أن نبدأ باستخدام بعض الكلمات المكررة، تلك التي تؤكد اهتمام الجميع بلاتسيو اليوم لأنه بات منافسا حقيقيا على الدوري الإيطالي، وبعدما نجح في هزيمة يوفنتوس مرتين في أقل من شهر، بينما لم يهتم أحد بالنظر إلى الخطوات التي أدّت إلى ذلك، وفي حال لم ينجح إنزاغي في إسقاط اليوفي مرتين غالبا لم يكن الكثيرون ليلاحظوا قصته تلك، ولا جودة كرة القدم التي يُقدِّمها.

 

في 2016، أنهى لاتسيو موسمه في المركز الثامن، وفي الصيف التالي والذي شهد مشكلة بييلسا رحل أحد أبرز نجوم الفريق أنطونيو كاندريفا إلى إنتر مقابل 22 مليون يورو، ليتعاقد نسور العاصمة مع ثنائي آخر كلّف النادي 13 مليون يورو فقط، يومها ربما انهالت الانتقادات على هاتين الصفقتين، إذ جاء أحدهما من إشبيلية، والآخر من ليفربول بعد تجربتين فاشلتين، لكن أحدهما اليوم هو هدّاف الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى، والثاني هو الأكثر صناعة في الدوريات ذاتها. الحديث عن تشيرو إيموبيلي ولويس ألبيرتو، بذلك نكتشف أنه علينا مراجعة مهد كل القصص التي نُشيد بنهايتها فقط. (12)(13)(14)

  

موسم إنزاغي الأول شهد الترقي إلى المركز الخامس، طفرة مميزة مع أداء فاجأ الجميع، ولكن الحدث كالعادة كان ما حدث في الصيف التالي، حين أثبت النادي بإدارته ومدربه أن ما حدث مع إيموبيلي وألبيرتو كان أمرا مخططا له، حيث إنه بمجرد رحيل أحد نجوم الفريق تتفاجأ بتعويضه بلاعب أقل بريقا، ولكنه يتحوّل إلى حديث إيطاليا وربما العالم مع الوقت، وكأن إنزاغي يعلم جيدا كيف سيستخدم هؤلاء الذين يتعاقد معهم النادي. (15)

   

لوكاس ليفا (رويترز)

   

في صيف 2017، فقد لاتسيو كيتا بالدي ولوكاس بيليا اللذين أدخلا خزائنه قرابة 50 مليون يورو، ليتعاقد مع متوسط الميدان الذي لفظه ليفربول لوكاس ليفا مقابل أقل من 6 ملايين يورو مع بعض الإعارات الأخرى، ليحافظ في نهاية الموسم على مركزه الخامس ويتأهل إلى نهائي كأس إيطاليا ويخسره، ولكنه يُتوَّج بالسوبر الإيطالي على حساب يوفنتوس ويحصل على أولى بطولاته في عهد إنزاغي. الجدير بالذكر أنه بنهاية الموسم كان إيموبيلي هدّافا للدوري برصيد 29 هدفا، وكان لويس ألبيرتو الأكثر صناعة بـ 13 هدفا، تماما كما يفعلان في الموسم الحالي. (16)(17)

  

في الصيف كالعادة استمرت سياسة النادي في تعويض نجومه، ليغادر فيليبي أندرسون نحو ويستهام وسباستيان دي فري نحو إنتر، ويتخلّص النادي بذلك من كل نجوم الحرس القديم، لنكتشف أنه بنهاية الموسم الماضي وخلال سنوات قليلة لم يفقد لاتسيو لاعبا إلا وعوّضه بآخر وفق خطة موضوعة بعناية، حيث عوّض أتشيربي القادم من ساسولو دي فري، وحلّ لوكاس ليفا محلّ لوكاس بيليا، ووصل لاتزاري ليملأ الفراغ الذي خلّفه رحيل كاندريفا، وحلّت ثنائية خواكين كوريا ولويس ألبيرتو بدلا من كيتا بالدي وفيليبي أندرسون، مع بزوغ نجم ميلينكوفيتش سافيتش الذي كان موجودا في النادي منذ 2015، ولكنه لم ينفجر إلا مع الدور الجديد الذي أعطاه له إنزاغي، وكأن النادي كان يضع خطة لمرحلة ما بعد رحيل هذا النجم أو ذاك. في المشاريع الحقيقية لا مجال لرفع الراية البيضاء بمجرد مغادرة أحدهم، ولا مجال للبحث عن الأرباح الضخمة فقط دون نجاحات رياضية وإنجازات تتحقق في الملعب. (18)

  

موسم 2018 شهد ضربة من تلك التي تُعلن معها نهاية القصص المشابهة، حيث ظلّ لاتسيو محتفظا بالمركز الرابع المؤهل لدوري أبطال أوروبا حتى الجولة الأخيرة، وبفارق 3 نقاط عن صاحب المركز الخامس إنتر، ليلعب الفريقان مباراة الجولة الأخيرة كنهائي يحسم فيه الفائز بطاقة العبور لدوري الأبطال، مع وجود ميزة للاتسيو بأن التعادل سيُحافظ له على البطاقة ويُطيح بإنتر. المباراة شهدت تقدُّم لاتسيو بهدف أول ثم تعادل إنتر ثم هدفا ثانيا ثم تعادل إنتر، وسيطرة واضحة للنسور على كل شيء، قبل أن يخطف النيراتزوري بطاقة الصعود في الأنفاس الأخيرة برأسية فيتسينو. تلك النهاية مع رحيل ما تبقّى من نجوم الحرس القديم كانت كفيلة بالعودة إلى نقطة الصفر بالطبع، ولكن إنزاغي انتظر أن تُشرق الشمس لكي يحاول مرة أخرى، وفي النهاية؟ أشرقت. (19)

  

لاتسيو الرهيب

  

إنزاغي ليس مجرد مُحفِّز نفسي، بالطبع لا نحتاج إلى إخبارك أن التحفيز أداة مُكمِّلة للتخطيط فقط، وأنه يأتي في النهاية ليُجدِّد الشغف بداخل الأفراد لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. كلوب وكونتي مثلا يقضيان مئات الساعات من أجل العمل في الغرف المغلقة قبل تلك الصور التي تُلتقط لهما وهما يصرخان خارج الخطوط.

 

اليوم يُعَدُّ إنزاغي أحد أبرز مُجدِّدي الخطط التي تتضمّن وجود 3 مدافعين في الخلف، وربما هو الأكثر مرونة مِن بين مَن يستخدمونها على الإطلاق، الرجل يعتمد على رسم 3/5/2 والذي يتحوّل إلى 3/4/1/2 أو 3/5/1/1 أو أيٍّ من هذه المشتقات، القصة كالعادة ليست في هذه الأرقام وترتيبها ولكن في آلية التنفيذ. إنزاغي رجل مرن للغاية، يدافع ويلعب على المرتدات عندما يواجه فريقا يهاجمه، ويصعد للهجوم والمبادرة في مواجهة الفِرَق المتكتّلة في الخلف، وجود ثلاثي في الخلف يُتيح الفرصة لتلك المرونة مع إمكانية تحوُّل الظهيرين إلى مدافعين إضافيين أو أجنحة هجومية، وبينهما إمكانية الانضمام إلى وسط الملعب لصناعة الكثافة. تذكَّر أن كل ذلك من الممكن أن يحدث في ظرف 30 ثانية فقط.

 

التعاقد مع النشيط لاتزاري قبل بداية الموسم الحالي كظهير أيمن، ونقل لاعب الوسط وقائد الفريق سيناد لوليتش إلى مركز الظهير الأيسر أعطى حلا مثاليا لتلك المعادلة؛ ظهير يُجيد اللعب على طول الخط في الأمام والخلف على اليمين، ولاعب وسط مخضرم على اليسار يميل إلى العمق في أحيان كثيرة مما يُعطي القدرة على اللجوء إلى كل الحلول المذكورة وتطبيق كل هذه الوضعيات داخل المباراة الواحدة.

 

ثلاثي في الوسط غالبا ما يتكوّن من لوكاس ليفا على الدائرة وأمامه سافيتش المتحرّك ولويس ألبيرتو الأكثر حركية، سافيتش يؤدي أدوارا مماثلة لتلك التي شاهدها العالم مع فان دي بيك، إضافة إلى قوته الجسمانية الهائلة وقامته الطويلة التي تساعده في الكرات الهوائية، ولويس ألبيرتو تشاهده جناحا تارة وصانع ألعاب تارة أخرى، ارتكازا مساندا في الحالات الدفاعية وصانع ألعاب إذا قضت الحاجة. مهاجما ثانيا؟ لا مانع أيضا.

    

   

مزيد من الحركية والتكتيك

حركية ألبيرتو تلك خلف الثنائي المتحرك أيضا تشيرو إيموبيلي وخواكين كوريا تُضيف مزيدا من اللا مركزية في الملعب كله، ما يساعد على تغيير الرسم أكثر من مرة أثناء المباراة الواحدة فضلا عن تغييره من مباراة لأخرى. بداية قلنا إن السر في آلية التنفيذ وليس في ترتيب الأرقام، أليس كذلك؟ هذه اللا مركزية لا تُفيد هجوميا فقط، بل إنها تمنح الحرية لأكثر من لاعب من أجل الضغط المبكر والعكسي، الدور الذي يقوم به المثلث الأمامي من أجل استعادة الكرة سريعا ومباغتة الخصم في حالة غير منظمة دفاعيا. لهذا السبب لا يمكنك وصف لاتسيو إنزاغي بذلك الفريق الذي يدافع وينتظر المرتدات، بل هو الفريق الذي يُجيد التحولات بأشكالها كافة.

 

تشكيل لاتسيو لا يتضمّن وجود مهاجم صريح، بل إن إيموبيلي اعتاد أن يكون مهاجما ثانيا، وكوريا يلعب كجناح ولويس ألبيرتو كان صانع ألعاب متقدما، ولكن جميعهم يتحركون وفق ماكينة إنزاغي في كل هذه الأقطار ويعطون الحلول في أية وضعية. لعل قدرة لويس ألبيرتو على أن يكون أكثر لاعبي أوروبا صناعة للأهداف على الإطلاق في الدوريات الكبرى حتى الآن ليست وحدها هي مَن تخبرك عن السر، بل في تنوع صناعته للأهداف تلك ما بين العرضيات والتمريرات العمودية والكرات الأرضية القصيرة والضربات الثابتة. الآن باتت الأمور أكثر وضوحا. (20)

  

في تحليل نيكي باندياني الذي نشرته الغارديان لمباراتي لاتسيو أمام روما في الموسم الماضي وأمام يوفنتوس هذا الموسم يمكن الاقتراب أكثر من الصورة، حيث إن الموسم الماضي شهد تألُّقا رهيبا لزانيولو متوسط ميدان روما الشاب، الفريق الذي يعتمد على كثافة وسط الملعب والذي تم خنقه تكتيكيا بانضمام ظهيري لاتسيو إلى الوسط وتكوين شبكة خماسية قادرة على تعطيل أي وسط ملعب منافس، خاصة إذا اعتمد في وصوله إلى المرمى على فردية أحد لاعبي وسطه هؤلاء. (21)(22)

    

نيكولو زانيولو لاعب روما (رويترز)

  

أمام يوفنتوس سارّي هذا الموسم ظهر الأمر ذاته، ونجح اليوفي في مواجهة الدوري أمام لاتسيو في تسجيل هدف عبر كرة عرضية، أما مَن تناقل الكرة في الوسط ففي كل مرة كان فريق إنزاغي يخبرهم: "عليكم المحاولة مرة أخرى، ولتستعدوا لتلك المرتدة التي سنُسجِّل منها الآن". هذا الفريق صاحب الهجوم الأقوى في إيطاليا هذا الموسم هو مَن لجأ إلى الغلق والمرتدات، وهو ما يُقرِّب الصورة أكثر من قدرة إنزاغي على تغيير خططه وإستراتيجيته وفقا لنوعية الخصم. (23)

 

في هذه المباراة كان يُعاب على سارّي أنه لم يفتح الملعب عرضيا ويبحث عن مباغتة أطراف لاتسيو في ظل انضمامهما للعُمق، خاصة أن هذه المشكلة هي أبرز ما يواجه النسور دفاعيا حتى الآن، وهو ما لعب عليه كونتي مثلا في مواجهته أمام إنزاغي ونجح في الفوز بهدف سجّله من كرة عرضية، وسنحت له العديد من الفرص لإضافة المزيد عبر السلاح ذاته. (24)

  

رغم هذه الأزمة فإن الأمور ليست كارثية للدرجة، حيث استقبل لاتسيو 11 هدفا فقط هذا الموسم حتى الآن من لعب مفتوح، إذ تُطبّق المصيدة عبر لاعب الوسط المائل للطرف والظهير من أجل تعطيل الانطلاقات على الأطراف، ولكن في تلك الحالات التي يمتلك فيها خصم لاتسيو عُمقا قويا أو تُتاح الفرصة لإرسال الكرات الطولية خلف الأظهرة تتبعثر بعض من أوراق إنزاغي، بعض منها فقط. (25)

  

 

جودة إدارة أم جودة مدرب؟

في أغلب الحالات ينسب المحللون والنقاد والجماهير الفضل للمدرب فقط، أو للإدارة فقط، وكأن كلًّا منهما يعمل بشكل منفصل عن الآخر، أو ربما طغى مشهد كرة القدم الحديثة الذي يعجّ بالخلافات بين الإدارات والمدربين على الصورة، فبات البعض يتصوّر أنهما عنصران متنافران لا يمكن أن يتفقا.

 

إدارة لاتسيو تُعَدُّ إحدى أفضل الإدارات في أوروبا فيما يتعلّق بجلب المواهب، ولكن تذكَّر أن رحلة إنزاغي مع الفريق الأول والتي بدأت في صيف 2016 سبقها رحلة أخرى استمرت لـ 6 سنوات مع فريق الشباب، ما يُرجع الفضل في استقطاب المواهب وتطويرها خلال العقد الأخير إلى الثنائي معا، وما يُبرز دور إنزاغي في تطوير المواهب الشابة وإرسالها للفريق الأول، قبل أن يقوم بالدور ذاته مع الفريق الأول نفسه فيما بعد.

 

تلك الإدارة نجحت في الحفاظ على ميلينكوفيتش سافيتش رغم أنه كان مطلوبا من كل كبار أوروبا تقريبا منذ 2018، وتوقَّع الجميع أن يتم بيعه بالسعر الأعلى عقب انتهاء كأس العالم، ولكن هذا لم يحدث. لم ينتبه أحد لمزاجية فيليبي أندرسون وإصابات كيتا بالدي المستمرة إلا بعدما تخلّص منهما النادي، قبل أن يعوّضهما بأسماء أقل فردية وأكثر قدرة على الانخراط داخل المنظومة، أسماء تعطيك الجودة المطلوبة كل يوم، الأمر الذي يُعَدُّ نواة رئيسية في نجاح أي مشروع رياضي أيًّا كانت أهدافه. (26)

   

  

نحو استنساخ غوارديولا وزيدان

في الفترة بين 2008 و2012، قدّم بيب غوارديولا أنجح حقبة في تاريخ كرة القدم الحديث على مستوى الأرقام والثورة على أساليب اللعب المعتادة، بعدها بـ 6 سنوات حقَّق زين الدين زيدان مع ريال مدريد 3 بطولات متتالية لدوري أبطال أوروبا، ليصبح أكثر المدربين فوزا بالبطولة مناصفة مع كارلو أنشيلوتي وبوب بيزلي. (27)

  

بالنسبة لمسيرتهما فقد تدرّجا من اللعب إلى الاعتزال ثم الإشراف على فِرَق الشباب ثم تدريب الفريق الأول، وفي النهاية تحقيق النجاح الباهر، الأمر الذي اعتقد البعض أنه دورة الحياة الطبيعية لممارس كرة القدم، فباتت أساطير جيل بداية الألفية مُرشَّحة لتدريب الأندية الكبرى اقتداء بزيدان، واللاعبين الجيدين كذلك على خُطى غوارديولا، دون وجود أي شيء يضمن نجاح هذه التجربة إلا أنها حدثت من قبل مع أحدهم، فلِمَ لا تحدث مع الآخر!

  

في الفترة التي تولّى فيها فيليبو إنزاغي قيادة ميلان لم يكن أحد ليعطي اهتماما لشقيقه سيموني، رغم مسيرة الأخير مع شباب لاتسيو، ورغم عدم وجود أي علاقة لفيليبو بعالم التدريب. اليوم فيليبو يقود تجربة مميزة في الدرجة الثانية مع بينيفينتو، حيث يتصدّر السيري بي بفارق 12 نقطة عن أقرب ملاحقيه، ليصعد درجات السلّم من بدايته، وهذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية في حال امتلك فيليبو أفكارا في عالم التدريب، أما أن يحلّ محلّ سيدورف في ميلان صيف 2014 فقط لأنه كان هدّافا بارزا في الجيل الذهبي للروسونيري فإنه لم يكن حدثا يستحق حتى أن يُناقش على طاولة العقلاء. (28)

    

"فيليبو إنزاغي" شقيق "سيموني" (رويترز)

  

كان لسيموني إنزاغي مسيرة متواضعة كلاعب، وصنع قصته التدريبية الفريدة اعتمادا على أفكاره لا على أي شيء آخر، لم يكن لدوره كلاعب أي وجود في صناعة رحلته التدريبية، ولم يعبأ أحدهم حتى بكونه شقيق فيليبو، الأمر الذي يبدو بديهيا ولكن لا أحد يعلم لماذا لا يراه صُنّاع القرار كذلك. نودّ أن نخبرهم أن لهم فيما حدث مع الأخوين إنزاغي عبرة، إذا كانوا فقط يعتمدون على تكرار القصص التي نجح أبطالها من قبل.

  

في النهاية، لم تصنع المصادفة قصة سيموني بقدر ما أعطته الفرصة فقط، تماما كما لم تمنح زانيتي إلا ما أثبت أنه كان يستحقه، هكذا يكون دور المصادفة فقط في أغلب القصص الملحمية في كرة القدم وخارجها، وهذه الرسالة يجب أن تُوجَّه للأندية التي تظن أن ما حدث مع زيدان وغوارديولا سيتكرر إذا تولّى لاعبون سابقون مسؤولية تدريب أيٍّ من الأندية. نهاية؟ السطحية تُقلِّل من احترام اللعبة وتستخفّ بعقول متابعيها والقائمين عليها، وتُنذر باقتراب تحوُّلها إلى مسرحية كبرى مع استمرار تسفيه الأفكار والتعالي على المنطق، وظن البعض أن نجاحه كلاعب يُعطيه الحق في قول ما يريده مدى الحياة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الرجل الذي صنّفه مورينيو بأنه أصعب مدرب واجهه في مسيرته تكتيكيا وأشاد به غوارديولا في مرات عدة.. يأخذك "ميدان" برحلة مع صاحب الشعر الأبيض والابتسامة الخجولة جيان بييرو غاسبريني.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة