من كرة القدم إلى الـ "NBA".. كيف تآمر العالم على الرقم 10؟

تخيَّل أنك في عام 2030 وما زلت محافظا على شغفك بكرة القدم، بل وانتقلت العدوى إلى طفلك الصغير، الذي نشأ وقمصان الرقم 10 تُحيطه من كل جانب، فأنت ما زلت كلاسيكيا، مُتعهِّدا بالولاء للسحرة القدامى؛ زيدان، رونالدينيو، ريكيلمي.

 

ثم قررت أن تصطحبه إلى اختبارات أحد الأندية المجاورة، وبمجرد أن وصلتم، ركض الطفل إلى منتصف الملعب حيث يقف المدرب، الذي لاحظ الصغير فاقترب منه ليسأله عن مركزه المفضل، ليجيبه الطفل سريعا بالمركز 10. لم يفهم الرجل شيئا، ليُكرِّر سؤاله، فأوضح الصغير أنه صانع ألعاب. سرعان ما أدرك المدرب أنه يُحاور طفلا، ليُنهي الحوار سريعا، آمرا إياه بالتوجُّه إلى منتصف الملعب.

 

هل يبدو لك هذا المشهد التخيلي مبالغا بعض الشيء؟ إن كنت تظن ذلك، فعُدْ حالا إلى عام 2020، واجلس على أريكتك، كما هي عاداتك يومَيْ السبت والأحد من كل أسبوع، لتشاهد كل أصحاب الرقم 10 وهم يعانون بعد أن لفظتهم كل الأنظمة التكتيكية، تاركة إياهم أمام فوهة مدفع الجماهير. وإن كنت واحدا ممّن يترحمون على زمن الكرة الجميل، وتظن أنها مؤامرة على الكلاسيكية، فأهلا بك معنا.

   

    

بداية الانقراض

بدأت عملية الانقراض بشكل مفاجئ، لأن بداية العقد الماضي، وتحديدا كأس العالم 2010، كان يُنبئ بازدهار وليس انقراضا. فقد كانت البطولة بمنزلة إعلان لطريقة 4-2-3-1 بزعامة منتخبي ألمانيا والبرازيل، أضف إلى ذلك عددا لا بأس به من أندية القمة في ذلك الوقت، على رأسها إنتر ميلانو – مورينيو، بروسيا دورتموند – يورغن كلوب، بايرن ميونيخ – فان غال، وتبعهم ريال مدريد فيما بعد. (1)

  

يمكن القول إن هذه الطريقة، بغض النظر عن الأفكار، كانت تُعَدُّ حلما لأصحاب المركز 10، حيث تجعله بمنزلة مركز الدائرة، أمامه وعلى جانبيه مهاجم وجناحان، وخلفه ثنائي ارتكاز لإزاحة معظم المهام الدفاعية عن كاهله، وقد تزيد الرفاهية أحيانا بوجود صانع لعب متأخر (ريجيستا) ضمن الثنائي، لتصبح مهام الرقم 10 أكثر تركيزا على الثلث الهجومي. وعلى هدي ذلك، وجود ريكاردو كاكا، وويسلي شنايدر، والصاعدين مسعود أوزيل ودافيد سيلفا كبداية، في انتظار البقية.

  

لكن من دون مقدمات، وفي موسم 2014-2015، بدأت ملامح الانقراض في الظهور. بمقارنة ذلك الموسم بموسم 2018-2019، سنجد أن عدد الدقائق الممنوحة للاعبي المركز 10 قد قلّ بنسب 64%، 39% في الليغا والبريميرليغ على الترتيب، بينما ظل الكالتشيو متمسكا بكلاسيكياته بمنح الرقم 10 مكانا كصانع ألعاب أو مهاجم ثانٍ في طريقتي 4-3-1-2 و3-5-2 كأكثر طرق اللعب المستخدمة في تلك الفترة. (2)

    

     

وبعد أن توقَّع الكاتب الرياضي الشهير جوناثان ويلسون أن تحل طريقة 4-2-3-1 محل 4-3-3، حدث العكس تقريبا، وبدأ الجميع يتخلى عن مركزية الفريق حول الرقم 10 نحو المركزية حول الفريق نفسه، وعليه اكتشف الجميع أن هؤلاء الموهوبين الكسالى أصبحوا عبئا. (1)(3)

     

   

مَن هو الرقم 10؟

أعتقد الآن أنك تعرف ما يلي سابقا، حديث آخر عن الجانب البدني والواجبات الدفاعية، يتبعه شرح وافٍ لتطويع بعض الفرق للاعبي المركز 10 إلى لاعبي محاور الوسط أو "Box-to-Box" (المركز 8)، إضافة إلى التحوُّل إلى جانبي الملعب عوضا عن المنطقة رقم 14، لكننا سنصدمك بعدم سرد هذه الأشياء، وبدلا عنها سنطرح معا أسئلة وجودية كروية؛ مَن هو صانع الألعاب؟ ولماذا ارتبطت كلاسيكية صناعة اللعب بالمركز 10؟

   

تشكَّل لدى معظمنا انطباع يربط اللاعب رقم 10 بصناعة الفرص فقط، وتحديدا تمريرة ما قبل الهدف (assist). لكن يظل التوصيف الأدق لمهمته طوال تاريخ اللعبة هو الربط بين خطَيْ الوسط والهجوم، سواء بدأ مهاجما واضطر للنزول إلى الوسط أو العكس، أو حتى بدأ مدافعا ثم تقدَّم للأمام كالأسطورة الألمانية "فرانز بيكنباور". وبناء على هذا التوصيف، كانت الرحلة. (4)   

     

   

في بدايات اللعبة، كانت الفرق تلعب بستة أو سبعة لاعبين في خط الهجوم، حتى صار التعرُّف على صاحب مهمة صناعة اللعب شبه مستحيل، لأن التكتيك كان بدائيا، والتمرير بحد ذاته لم يكن شائعا، مما قادنا في النهاية إلى اعتبار القادرين على التمرير هم أصحاب الرقم 10، وتمثَّلوا في "كوثبرت أوتواي" و"أرنولد كيركي سميث"، الثنائي الهجومي لإنجلترا في طريقة 1-2-7. ولأنهم سبعة مهاجمين، وحتى نوفِّر عليك وعلى أنفسنا هذه الحيرة، استعنا بكتاب "الهرم المقلوب"، موضحا أنهما كانا المهاجمين الداخليين الموجودين في عمق الملعب. (5) (6)

   

استمرّت محاولات تطوير اللعبة، حتى قام مدرب أرسنال التاريخي "هربرت تشابمان" بإضافة مدافع ثالث في طريقته 3-2-2-3 المعروفة بالـ "W-M"، في أعقاب تعديل قانون التسلل في عام 1925 ليصبح على صورته الحالية. حينها كان الفريق يميل للاعتماد على المرتدات، وكان أحد ثنائي الوسط المتقدم "أليكس جيمس" نقطة انطلاقها، عبر الحصول على الكرة من الدفاع، وإطلاق التمريرات البينية باتجاه الجناحين. (7) (8)

      

   

الصناعة وفقا للمنظومة

ثم انتقلت هذه الطريقة إلى أميركا الجنوبية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، ليجري عليها تعديل بسيط، حيث تحول مربع وسط الملعب إلى مُعيَّن، لتصبح الطريقة 3-1-2-1-3، حاملة أقرب صورة لأذهاننا للاعب رقم 10، وأُطلق عليه بالبرتغالية اسم "ponta da lança"، أي رأس الحربة.

   

بالطبع لم يستقر الأمر، وظل العالم متأرجحا بين استخدام لاعب وسط متقدم أو مهاجم متأخر في دور الصناعة، ليظهر الجيل الذهبي للمجر وفوزهم الشهير بنتيجة 6-3 ضد إنجلترا على ملعب ويمبلي في عام 1953، حين لعبت المجر بطريقة أقرب إلى 4-2-4، مع توظيف "هيديكوتي" كمهاجم وهمي "deep-lying centre-forward"، قبل شيوع مصطلح "وهمي" من الأساس. ثم لمع هذا الاستخدام أكثر في كأس العالم 1958، عندما لعب الجوهرة السمراء "بيليه" دورا مُركّبا بين الصناعة والتسجيل من مركز المهاجم الثاني.

   

ومع مرور الوقت، بدأت طرق اللعب تتغيّر لتصبح أكثر توازنا، مع ظهور 4-3-3 و4-4-2 و4-3-1-2 التي قدّستها الأرجنتين لعقدين من الزمن، بداية من كأس العالم 1966. لكن في الحقيقة، كان الهاجس الأكبر وراء كل تغيير هو استيعاب الرقم 10 وسط النظام.

      

   

ويظل أبرز هذه التغييرات هو ما قام به "كارلوس بيلاردو" مدرب الأرجنتين ضد إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 1986، حين قرّر تقديم "مارادونا" بضع خطوات للأمام ليلعب مهاجما ثانيا بجوار "خورخي فالدانو". علّل "بيلاردو" ذلك بعدم قدرة مهاجمه الآخر "بيدرو باسكولي" على مجاراة الإنجليز بدنيا، لكنه لم يُدرك أن تحويل صانع الألعاب رقم 10 إلى مهاجم ثانٍ سيترك أثره على كثير من لاعبي الحقبة القادمة، أبرزهم: "روبيرتو بادجيو"، و"دينيس بيركامب"، و"جيانفرانكو زولا". (6)

   

لكن يظل الشاهد مما سبق أن الرقم 10 الكلاسيكي لم يعرف الاستقرار على شكل معين طوال تاريخ كرة القدم، وحصره في زيدان وريكيلمي وما شابههما سببه فقط أننا نعيش في الحقبة التالية لهم. وإذا كانت طرق اللعب في الماضي تمكّنت من استيعابهم، فإن النظام الحالي أقل قدرة على ذلك، بسبب التداخل الحادث في مهام كل خط، فالهجوم يشارك في الدفاع، والدفاع يشارك في البناء، والأظهرة باتت تصنع الأهداف بغزارة، وغيرها من التفاصيل التي تُشير بوضوح إلى أن المستقبل يُفضِّل التنوع لا التخصص، وليس في كرة القدم فقط، لأن العدوى انتقلت إلى كرة السلة، وكان ضحيتها أيضا الرقم 10.

     

   

لا أحد يبقى على حاله

فكما ارتبط الرقم 10 باللاعب المبدع الكسول في كرة القدم، ارتبط في الـ "NBA" باللاعب القصير أو الأصغر حجما، والذي يلعب بمركز "Point Guard". ذلك المركز المنوط به قيادة هجمات الفريق، حتى اعتبره الكثيرون امتدادا للمدرب وأفكاره على أرض الملعب، وكانت مهمته الأولى صناعة الفرص لزملائه.

   

ووفقا لهذه المهمة المحددة، كان "مارك جاكسون"، نجم فريق نيويورك نيكس، أحد أبرز لاعبي هذا المركز في تسعينيات القرن الماضي. طوال مسيرته التي امتدت لـ 17 عاما، حقّق في موسم وحيد معدل نقاط يتجاوز الـ 15 نقطة. والأدهى من ذلك أنه في 14 عاما، لم يتجاوز متوسط عدد تسديداته للمباراة الواحدة 10 تسديدات، لكنه صنع في المقابل 10334 سلة. (9)

   

إن كنت متابعا للـ "NBA" هذه الأيام فإنك ستندهش من محاولات التسديد القليلة لـ "جاكسون"، لأن لاعبي هذا المركز باتوا يُسجِّلون ويخترقون تجاه السلة بقدر صناعتهم للفرص، أو يزيد، وهذا التغير الذي حدث لهم كان تدريجيا على مدار 30 موسما سابقا.

      

   

لرصد التغير الحادث، علينا التعرف أولا على إحصائية الـ "Usage Rate"، والتي تعني بالترجمة الحرفية "معدل الاستخدام"، وهي إحصائية تُعبِّر عن نسبة مساهمة اللاعب عند استحواذ الفريق على الكرة. مثلا، إذا فرضنا أن "جاكسون" حقق نسبة 20% كمعدل استخدام، فذلك يعني أن 20% من محاولات فريقه الهجومية تنتهي عنده بإحراز سلة أو رمية حرة أو فقد الكرة، وبما أن محاولات الـ "Point Guard" الكلاسيكي للتسديد كانت قليلة، فستكون هذه النسبة كذلك. (10)

       

لنكن محددين أكثر، فالأرقام التالية تخص لاعبي هذا المركز (أقل من 1.9 متر) الذين خاضوا أكثر من 1000 دقيقة في الموسم: من 1989 حتى 1999، تحقق معدل استخدام أكثر من 30% في 3 مواسم فردية، من 1999 حتى 2009، تحققت النسبة نفسها في 17 موسما فرديا، بينما من 2009 إلى 2019، تحقق في 36 موسما فرديا. (9)

   

وبناء على ذلك، تغيّرت طبيعة الرقم 10 ومهامه في كرة السلة، ومع تغيُّر خريطة التسديد وزيادة الاعتماد على التسديدات الثلاثية من خارج القوس، تصدَّر المشهد ستيف كيري (جولدن ستيت واريورز)، وداميان ليلارد (بورتلاند بليزرز)، وتراي يونغ (أتالانتا هوكس)، ومن خلفهم راسيل ويستبروك (هيوستن روكيتس)، حتى إن الملك ليبرون جيمس تم الاستعانة به في هذا المركز في موسم 2019-2020، وبالطبع حقّق أرقاما هائلة في التسديد والصناعة. (11)

    

وبالطبع، لم يشتكِ أحد من عشاق الـ "NBA"، لأن التغيير الحادث يبدو أكثر متعة، فقد جعل مهمة صناعة اللعب مقترنة بإحراز الأهداف، وكأنك أجبرت أوزيل على أن يتحوّل إلى ميسي. لكن الحقيقة هي أن الرقم 10 لم يَعُد مركزا محددا، وسواء هنا أو هناك، فإن الأمر يدور حول تلك الجملة المقتبسة من كتاب "الهرم المقلوب": "ببساطة، لم يَعُد يكفي أن تكون جميلا، بل يجب أن تكون كذلك وسط المنظومة". فإذا تطلّبت المنظومة أن تحرز الأهداف، فعليك أن تفعل، وإذا طالبتك بالدفاع، فعليك أن تفعل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة