حكيم زياش ينتقل إلى أرسنال؟.. أشك

هناك لعبة شهيرة من ألعاب الورق (الكوتشينة كما تُعرف في بعض البلاد) تُعرف باسم "أشك". تقوم هذه اللعبة على مبدأ الشك، تُلقى ورقة وحيدة مكشوفة أمام الجميع، ثم يقوم كل لاعب بخداع الآخرين بإلقاء ورقة مخفية مؤكدا للبقية أنها مُتماثلة مع الورقة المكشوفة. يتعمد اللاعب خداع الآخرين للتخلُّص من أوراقه، على أمل ألا يصيح أحدهم "أشك" فينكشف أمره، أما إذا كان صادقا فعقاب هذا الذي صاح هو زيادة حصيلته من الأوراق. (1)

  

هكذا تتعامل الكثير من المواقع الرياضية مع متابعيها خلال سوق انتقالات اللاعبين؛ خبر وحيد صحيح ثم سيل من الأخبار الخادعة التي تؤكد اقتراب لاعب معين من أحد الأندية. الفارق الوحيد هنا أن تلك المواقع تخرج دوما فائزة، فلا يهم مدى مصداقية الخبر، ففي كل الأحوال ستقرأ محتوى الخبر لتتأكد بنفسك، وهو المطلوب ببساطة. هل ترى الربط بين لعبة الأوراق وأخبار انتقالات اللاعبين غير دقيق؟ حسنا يبدو انتقال حكيم زياش إلى نادي أرسنال الإنجليزي مثالا جيدا.

  

حكيم زياش وأرسنال: الانتقال الوشيك الذي لن يتم أبدا
حكيم زياش (رويترز)

    

لقد قرأت حتما العديد من الأخبار التي تؤكد قرب انتقال لاعب أياكس أمستردام المغربي حكيم زياش إلى فريق أرسنال الإنجليزي، ومن المؤكد أيضا أنك تتساءل: لماذا لم تتم تلك الصفقة المنطقية إلى الآن؟

  

اهتم أرسنال فعليا بالمغربي زياش خلال الصيف الماضي، بعد تألُّق الأخير رفقة فريق أياكس أوروبيا، وكانت تلك هي الورقة الوحيدة الحقيقية والمكشوفة للجميع لتبدأ اللعبة. كان أول مَن صاح "أشك" هو ديفيد أورنستين الصحفي الموثوق حيال أخبار أرسنال، حيث أكّد أن إدارة أرسنال وضعت عينها على اللاعب لكنه ببساطة ليس على جدول أعمال أرسنال في سوق الانتقالات. لم يمنع هذا المواقع الرياضية من إلقاء عشرات الأوراق الخادعة، أو بمعنى أدق نشر الأخبار المزيفة حول انتقال زياش الوشيك إلى أرسنال.

    

  

انتهت فترة الانتقالات الصيفية وبقي زياش داخل أروقة النادي الهولندي. صدق تشكيك أورنستين، إلا أن أصحاب الأخبار الزائفة لم يخسروا كما تقتضي قواعد لعبة الورق التي تبدو أكثر عدالة من الواقع.

  

بمجرد بداية فترة الانتقالات الشتوية تذكَّر فجأة الجميع كومة الأوراق المُلقاة بخصوص انتقال زياش المزعوم، لتبدأ اللعبة مرة أخرى. في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري، بدأ موقع كالتشيو ميركاتو بإلقاء الورقة الأولى عن طريق خبر من 29 كلمة فقط يؤكد اهتمام أرسنال بإنهاء صفقة زياش خلال الميركاتو الشتوي الحالي. كان هذا الخبر الساذج هو بداية اللعبة مرة أخرى، العديد من المواقع بدأت في ترديد الخبر رغم علمهم التام بعدم مصداقيته، لكنها لعبة الخداع مضمونة النجاح. المثير هنا أن تلك الأخبار المزيفة قد تلعب دورا أكثر تأثيرا في سوق الانتقالات مُكوِّنة بما يُعرف بالصفقات الجماهيرية.(2)

    

  

الصفقات الجماهيرية: عندما يصبح رضا الجماهير أولوية مطلقة

تخلق أخبار الانتقالات الخادعة تلك هالة ما حول لاعبين بأعينهم. يزداد اهتمام الجماهير بالصفقة المحتملة بشكل طردي مع زيادة الأخبار المتعلقة بتلك الصفقة، فالأمر لا ينتهي عند عاصفة الأخبار تلك، بل هي البداية.

  

بعد أن ينتشر الخبر بشكل هيستيري بين الجماهير نصل إلى مرحلة أخرى وهي التعايش مع الخبر على أنه واقع ملموس، حيث تبدأ الجماهير فورا في تداول مقاطع الفيديو الخاصة بهذا اللاعب مع تأكيدات على قدرته الاستثنائية في حل كل مشكلات الفريق بمجرد انضمامه. تنتشر التشكيلات المتنوعة التي يظهر بها اللاعب محتلا كل مراكز اللعب تقريبا، تكبر الهالة حول هذا اللاعب يوما بعد يوم حتى يصبح قدوم اللاعب مطلبا جماهيريا دونه الرقاب.

  

هنا يأتي الدور على مسؤولي الأندية الجماهيرية والذين يتعاملون مع هذا الاهتمام الجماهيري بمنزلة فرصة لإثبات قدرتهم على تحقيق رغبات الجماهير. ينتهي الأمر هنا بانتقال لاعب ما إلى نادٍ معين بمباركة جماهيرية وزهو إداري، هل لاحظت دورا ناقصا في تلك الصفقة المفترضة؟ نعم بالفعل، إنه دور المدير الفني الذي يُفتَرض به في الأساس اختيار اللاعبين المنضمين لقائمته!

  

كان أحد أسباب فشل البرازيلي فيليب كوتينهو مع فريق برشلونة هو قناعة الجماهير والإدارة على السواء بأنه التعويض المناسب لأيقونة خط الوسط أندريس إنييستا. كان انتقال اللاعب من صفوف فريق ليفربول متعثرا هو ما جعله مادة يومية للأخبار، ومع كل خبر تزداد قناعة الجماهير بضرورة مجيء كوتينهو بأي ثمن، وهو ما انتقل بالضرورة إلى إدارة النادي وكان الثمن باهظا للغاية.

    

البرازيلي فيليب كوتينهو (رويترز)

    

تعاقدت إدارة البرسا مع كوتينهو مع وعود باللعب في خط الوسط. لكن ما حدث عملا هو ارتباك في عقل المدير الفني للفريق حينئذ إرنستو فالفيردي، والذي حاول توظيف كوتينهو في العديد من الأدوار دون نفع، لدرجة أنه دفع به في مركز الجناح الأيمن أمام ريال مدريد.(3) (4)

    

ظهرت بعض الأصوات المنطقية قبل إتمام الصفقة لتؤكد عدم جدواها إطلاقا، فهل لاحظت الإدارة تلك الأصوات؟ ربما، لكن التراجع عن تلك الصفقة كان من شأنه إغضاب الجماهير المنتظرة لكوتينهو بالقميص الأحمر والأزرق، وهو ما لن تُخاطر به الإدارة بالطبع. تم الانتقال، وفشل كوتينهو، وغضبت الجماهير، ولم يخرج أحد سعيدا من تلك القصة. دعنا نتحدث عن نقطة أخرى ضرورية وهي مدى تأثر اللاعب نفسه بتلك الأخبار وردود أفعال الجماهير عليها.

   

الصحة النفسية للاعبين في مرمى التعليقات السلبية

خرجت بعض التقارير التي تؤكد قلق المسؤولين داخل فريق مانشستر يونايتد الإنجليزي إزاء التأثير المحتمل للتغريدات السلبية والتعليقات عبر موقع إنستغرام على الصحة العقلية لنجوم الفريق. وفقا لتلك التقارير، قامت إدارة الفريق باستشارة خبراء حول كيفية التعامل مع الإساءات الموجهة للاعبي الفريق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.(5)

  

حسنا، هذا ينقلنا لضرورة تأكيد أن الإرهاق الذهني له أثر بالغ على الأداء الفني للاعبي كرة القدم داخل أرض الملعب، حيث توصلت دراسة أجراها أكاديميون عن لاعبي كرة القدم البرازيليين المحترفين إلى نتيجة واضحة تماما، وهي أن التنقل بين شبكات التواصل الاجتماعي أو لعب ألعاب الفيديو قبل المباريات الرسمية مباشرة يُضعف قدرة اللاعبين على اتخاذ القرارات الصحيحة داخل أرض الملعب.(6)

      

   

تختص تلك الدراسة بالإرهاق الذهني الذي يُصيب اللاعبين لمجرد الوجود في منصات التواصل الاجتماعي، فتخيَّل ما إذا كان هذا الوجود هو عبارة عن قراءة للعديد من التعليقات ينتقد أصحابها أداءك داخل الملعب مُتمنّين ألا ترتدي قميص فريقهم المفضل. 

  

يتأثر اللاعبون بالطبع بتلك التعليقات السلبية التي تتزامن مع أخبار الانتقالات، ولذا تحاول إدارات الأندية دوما فصل اللاعبين عن الأخبار التي تتحدث عن انتقالهم المحتمل سواء داخل أو خارج النادي لمحاولة ضمان عدم تأثرهم بتلك التعليقات، بل إن إحدى شكاوى المديرين الفنيين المعتادة هي تأثر لاعبي فريقه إزاء شائعات الانتقالات خاصة في الميركاتو الشتوي.

  

إذا كنت ما زلت مهتما بفكرة انتقال زياش إلى أرسنال وتُمنِّي نفسك الآن باحتمالية تأثر إدارة فريق أرسنال بتلك الأخبار واعتبار زياش صفقة جماهيرية، فللأسف إدارة أرسنال هي من نوع آخر تماما، حيث يروق لها كثرة الإشاعات تلك التي تُلهي جماهيرها عن عدم وجود صفقات حقيقية للفريق، وهو ما يُفسِّر عدم خروج بعض إدارات الأندية بتصريحات تُوضِّح عدم اهتمامها بأحد اللاعبين في الوقت الحالي. ولذا قد تجد مشجعي أرسنال تحديدا يصرخون عقب كل خبر يفيد انتقال أحد اللاعبين إلى ناديهم: "أشك".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة