عرقلة = بطولة.. هل نحن بحاجة لتغيير قوانين كرة القدم؟

ميدان – عرقلة = بطولة.. هل نحن بحاجة لتغيير قوانين كرة القدم؟

مساء الخير أو صباحه حسب توقيت قراءتك لتلك الأسطر، يؤسفنا أن نقول لك إننا نكتب كلماتنا اليوم إليك ونحن ممتعضون وربما نكون مرغمين على ذلك، فأنت بمجيئك إلى هنا تعرف القصة كاملة سابقا، فالفيردي الشرير الذي قتل فرصة موراتا لتحقيق أحلام الروخي بلانكوس، وكل ما حدث بعد تلك اللقطة بين معارك اللاعبين والبطاقة الحمراء التي تحصّل عليها فيدريكو وهدوء سيميوني وتفهّمه لما حدث من قِبل متوسط الميدان الأوروغوياني. أنت تعرف القصة كلها بالفعل، ولم يكن هناك داعٍ لكتابة السطرين الماضيين، وبالتأكيد أنت تعرف أن الجميع هادئ الآن، ملعب الملك عبد الله الدولي بالسعودية صمت تماما، في الواقع فجميع أطراف النزاع رحلت من المملكة وعادوا أدراجهم إلى إسبانيا ليستعدوا لما تبقى من الموسم، الجميع هدأ وتخطّى الأمر إلا مكانا واحدا لم يتخطَّ الأمر بعد، المكان الذي لا يصمت روّاده أبدا وهو منصات التواصل الاجتماعي.

     

   

لحظة صراحة

كما سبق وقلنا لك، فحتى سيميوني نفسه، وهو رجل معروف عنه أنه لا يصمت، قد تقبّل ما فعله المنافس، بل قال له إنه لو كان مكانه في ذلك التوقيت لقام بالفعل نفسه لأنه الطريقة الوحيدة لإنقاذ الموقف. حسنا، هذا سيميوني وهذه كلماته التي اعتبرها البعض بمنزلة إنهاء لحرب قبل بدئها بلحظات. (1)

   

وهي كلمات بالمناسبة تجعلنا نُعيد نظرتنا من جديد نحو سيميوني، فعلى الرغم من أنه واحد من روّاد تلك المدرسة من الأفعال، وبالتأكيد أنت تتذكّر تلك الكرة التي أرسلها إلى الملعب قبل ثلاث سنوات من الآن في مباراة فريقه أمام ملقا أثناء قيام الأخير بهجمة مرتدة واعدة على الروخي بلانكوس، فإنه في غاية الاتساق مع ذاته وأفكاره للدرجة التي سمحت له تقبُّل ما فعله فالفيردي في حق فريقه.

     

   

وربما هذا الاتساق الذي يتحلّى به مع نفسه هو رصاصة في منطق هؤلاء الذين قضوا سنوات من النحيب على تلك الأفعال التي يقوم بها سيميوني وطريقته ورؤيته للعبة، وهم الآن يُهلِّلون لفالفيردي على الرغم من قيامه بشيء مماثل للأشياء التي ظلّوا طوال الوقت منزعجين منها، فقط لأنها الآن صبّت في مصلحة فريقهم، ولا تقلق، نحن لسنا هنا لكي نقول لك تلك الكلمات اليوم فحسب.

     

   

وكما قال العظماء دائما.. لماذا نحن هنا؟

فقط نريد إخبارك أن فالفيردي تاريخيا لم يكن أول لاعب يقوم بعرقلة كتلك التي قام بها في نهائي لبطولة ما، عُد معنا إلى الوراء قليلا، تحديدا مطلع ثمانينيات القرن الماضي، الآن تلعب مباراة أرسنال مع ويستهام على ملعب ويمبلي بنهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، وحينها كان لاعب ويستهام الصاعد صاحب السبعة عشرة عاما باول ألين منطلقا بهجمة مرتدة من وسط الملعب، أمامه لاعب واحد فقط واستطاع أن يتخطّاه ليجد نفسه الآن منفردا بمرمى الأيرلندي بات غينغز. (2)

    

أصبح باول قاب قوسين أو أدنى من تسجيل هدفه في نهائي الكأس، والقصة الجميلة بدأت في كتابة أسطرها، قبل أن يتدخّل مدافع أرسنال الصلب ويلي يونغ ليُدمِّر أحلام الصبي بعرقلة مماثلة لتلك التي قام بها فالفيردي، بل أسوأ منها، لأن ما حدث بعدها أن حكم اللقاء السيد جورج كورتني اكتفى بمنحه بطاقة صفراء واحتساب ركلة حرة لباول، كانت مفاجأة كبرى وقتها إذا أردت رأينا. (2)

     

"كان على وشك أن يُحرز هدفا في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي وهو في السابعة عشرة من عمره، قبل أن يتدخل مدافع أرسنال الضخم والأحمق ذو الشعر الأحمر ويلي يونج ليطرحه أرضا، وما زلت حتى الآن أتذكّر مشاهدتي لذلك الذي حدث بالتلفاز، الجميع كان مستاء، حتى المُعلِّق وقتها كان مستاء للغاية".

     

هكذا وصف سايمون كوبر تلك اللقطة التي نُحدّثك عنها، وبالمناسبة فسايمون يُعَدُّ واحدا من أهم الكُتّاب المختصين برياضة كرة القدم على مستوى العالم، فقط ذكّرنا أن نخبرك القليل عنه فيما بعد، المهم كما لاحظت؛ الجميع كان مستاء للغاية وقتها، ليس من اللقطة في حد ذاتها، بل من تبعياتها والعقوبات التي تلقاها يونغ على فعلته، فللوهلة الأولى ستعتقد أن كورتني حكم الساحة منحاز إلى أرسنال، لكن إذا أخبرناك أن وقتها لم يكن هناك وجود لقانون ينص على وجوب الطرد في هذه الحالة فستدرك أن الرجل قدّم أقصى ما بوسعه فعلا.

   

هذه اللقطة غيّرت من شكل كرة القدم تماما. سنتان بعد تلك الواقعة كانتا كفيلتين بتغيير القانون وفرض عقوبة الطرد المباشر لمثل تلك اللقطات المشابهة، وهو النص الذي تم تفعيله على أكمل وجه عندما عرقل فالفيردي ذلك المسكين موراتا وأنقذ بها فريقه من فرصة هدف مُحقّق واعد، لكن يبقى السؤال هنا: ما المانع من تغيير القانون مجددا؟ (3)

       

   

لحظة صراحة أخرى..

حسنا ربما يجب علينا أن نبدأ في مواجهة أنفسنا بالحقيقة الصادمة، ألا وهي أنه لا يوجد قانون بشري على وجه الأرض غير قابل للتعديل، وهو الأمر الذي يسري على قوانين كرة القدم بالتبعية أيضا، بمعنى أننا طالما قرّرنا كمجموعة من البشر أن نضع لأنفسنا مجموعة من الحدود لا يمكن تخطيها في شيء ما، ووضعنا في مقابلها مجموعة من العقوبات لأي شخص سيتخطى تلك الحدود التي فرضناها، بالتأكيد سيجب علينا جميعا الالتزام بكل ما تقبّلناه سابقا، لكن ماذا إذا كانت العقوبات غير مُرضية لنا جميعا، أو أصبحت تلك الحدود التي فرضناها على أنفسنا غير مجدية، هل يوجد ما يمنعنا من تعديلها؟

   

لذلك بالتأكيد الآن فهمت لماذا أخبرناك أننا ممتعضون ونحن نكتب لك تلك الكلمات، ببساطة لأننا لا نفهم لماذا يتعامل بعض الأشخاص مع قوانين كرة القدم كما لو أنها مُنزّلة من السماء وغير قابلة للمس، للدرجة التي تجعلهم يقولون لنا: "كفاكم عبثا واقبلوا الكرة كما وجدناها"، حسنا إذا كان الأمر كذلك، فهيا بنا نعود لكي نحسم مصائر الفِرَق في البطولات الإقصائية مثلما كان أجدادنا يفعلون قديما حتى سبعينيات القرن الماضي بالعُملة ولعبة "ملك وكتابة" قبل أن تتدخّل قاعدة الهدف الذهبي والأوقات الإضافية وضربات الترجيح إلى آخره، وهيا بنا نتوغّل في الماضي أكثر ونلعب كرة القدم مثلما كان يلعبها الإنجليزيون والأيرلنديون قديما حتى أن يُصيب أحدهم الآخر في بداية اللعبة قبل أن تتشكّل كل تكتيكات وقوانين اللعبة التي نعرفها الآن، لأن كل ذلك هو ما وجدنا عليه اللعبة في الأصل قبل أن يضيف بشر مثلنا أي شيء آخر.(4)

    

فقط فكِّر في الأمر، قديما، ما دفع يونغ إلى ارتكاب تلك العرقلة كان أنه لا يوجد شيء يستحق التفكير حوله، مجرد بطاقة صفراء سيأخذها كأي واحدة أخرى كان من الممكن أن يتحصّل عليها في وضع أبسط من ذلك الذي وجد نفسه فيه، الآن بعد أن وضع القانون فبالتأكيد فكّر فالفيردي قليلا ولو جزءا من الثانية قبل أن يرتكب عرقلته في حق موراتا والذي يعرف سابقا أنها ستكلّفه بطاقة حمراء بجانب حرمانه من اللعب لمبارتين كأي طرد مباشر آخر كان سيأخذه في أي حالة أخرى أبسط من التي فعلها.

    

مدافع أرسنال "ويلي يونغ" (رويترز)

    

لكن الآن وبعد أن حدثت تلك العرقلة، طُرِد فالفيردي وأكمل ريال مدريد الخمس دقائق المتبقين من المباراة ناقصين العدد، وفي المقابل حُرِم أتليتيكو من فرصة إنفراد سانحة للتسجيل -بعيداً عن قدرة موراتا نفسه عن تسجيلها من عدمه بالطبع- وتحصلوا مكانها على كرة ثابتة من خارج منطقة الجزاء.

  

والسؤال هنا، هل تلك العقوبة عادلة؟ فهنا فالفيردي قام بحرمان موراتا من إنفراد، عوقب عليه وفقاً للقانون بشكل سليم للغاية، لكن في المقابل أنت هنا كقانون استبدلت فرصة إنفراد نسب إحرازها مرتفعة للغاية بالنسبة لأتليتيكو، بمجرد كرة ثابتة فرص وضعها بالشباك بالتأكيد أقل من الإنفراد، وفي النهاية أصبحت العرقلة عقوبتها بدلاً من أن تكون في صالح الفريق الذي تعرض لها، وقفت في جانب من ارتكبها، كأن يقوم شخص ما بسرقة أموال شخص آخر ويقوم بوضعها في مكان ما، ثم يحكم عليه بالسجن لمدة، كل ذلك والشخص المسروق لم ترد له أمواله أصلاً، مجدداً؛ هل هذا عدل؟

   

لذلك، إذا فرضنا أنه كان هناك قانون ينص على أن مَن يقوم بمخالفة مشابهة سيدفع غرامة ضخمة مثلا، أو سيُحرم من اللعب لست مباريات، أليس من المنطقي أن فالفيردي كان سيُفكِّر لبضعة أجزاء إضافية قبل أن يرتكب عرقلته تلك؟ لأنه حينها سيكون على علم أنه سيُكلِّف فريقه خسارته لفترة طويلة، مثلما كان سيُفكِّر راموس أكثر قليلا قبل أن يُنفِّذ عرقلته الشهيرة على كاراسكو في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2016، فقط إذا كانت عقوبته ستُكلِّفه حرمانه من تمثيل منتخبه ببطولة اليورو التي أُقيمت في العام نفسه لعدة مباريات.

     

   

القوانين وُضعت في الأساس ونحن على علم أننا سنكسرها وسنتخطاها، فتلك طبيعة النفس البشرية، لذلك وضعنا العقوبات، فما بالك إذا كان هنالك وجود لثغرات في العقوبات الموجودة؟ فقط الأحمق هو الذي لن يستغلها، لذلك نحن لا نلوم فالفيردي، فالرجل لعب في حدود القانون، لم يتدخّل ليؤذي موراتا مثلا، وتقبَّل البطاقة الحمراء بصدر رحب، مثلما تقبَّل ويلي يونغ بطاقته الصفراء التي تحصٍل عليها قبل أربعين عاما من الآن، أزمتنا كلها تدور حول شيء بسيط؛ إذا كان أمامك فرصة للتعديل، فلماذا لا تستغلّها؟

   

"جزء مني استمتع حقا بتلك المخالفة، على الرغم من كونها كوميدية وساخرة للغاية".

(نيك هورنبي، أحد مشجعي أرسنال الذين كانوا حاضرين للمباراة من الملعب)

     

وبالتبعية، نحن لا نلوم مشجعي ريال مدريد المحتفين بلاعبهم، مثلما لم نلم نيك على ما قاله، فأحمق وحده هو الذي يرفض أن يأخذ بطولة بتلك الطريقة طالما القانون يسمح لك بذلك، ونحن لا نطالب الجميع أن يكونوا متسقين مع ذاتهم ومبادئهم مثلما يفعل سيميوني، لأن جمهور كرة القدم ينفعل بتلقائية مع اللحظة التي تحدث أمامه دون تفكير حتى لو خالف كل الشعارات الرنانة التي يرددها طوال الوقت بانفعاله، لكن أليس أحمق وحده هو الذي يرى شيئا خطأ يحدث أمامه ولا يؤيّد تعديله؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة