"لقد كان أفضل قرار اتخذته طوال حياتي".. الجانب الآخر لوظيفة الحكم في كرة القدم

لقد أُرغمت على حياة صعبة، تركض دون أن تتوقف، في فمك صافرة صفراء أو ربما سوداء، لا يهم لونها، غارق في عرقك كأنك خرجت لتوك من حمام بخار لأنك مُرغَم على متابعة الكرة التي تتأرجح بين أقدام اللاعبين بعينك وجسدك أينما حلّت، ودون عقلك، لأنه يجب أن يظل معك كي يُسجِّل ويُراجع ويأخذ القرار حسب ما رآه.

  

تودّ من أعماق قلبك أن تلامس أقدامك ذلك الجلد المدور مع باقي الـ 22 رجلا الذين يركضون حولك لكنك لا تستطيع، ببساطة لأن اللحظة التي ستلمس فيها الكرة -رغما عنك في أغلب الأحيان- سيتوقف الكوكب عن الدوران، لأنه وقتها سيتذكّر كل الجمهور الموجود في الملعب والدتك لأنك أفسدت هجمة واعدة لتوك.

   

   

بالرغم من كل ما تفعله، فأنت مُعرَّض للسباب والاستنكار طوال الوقت، أنت المُتحكِّم، وأداة تحكُّمك صافرتك، طاغية تفرض سطوتها على الجميع، دائما ملوم في نظر أحدهم، فهزيمة أحد الطرفين بالتأكيد أنت السبب بها، وفي نهاية الليلة يذهب الجميع رفقة بعضهم بعضا إلى منازلهم، إلا أنت تعود إلى منزلك وحدك، جسدك يُتعبك من كثرة الركض، وقلبك حاله من حال عقلك، مهموم بما حدث في تسعين دقيقة، وبما سيحدث في حقك إلى الأبد.

 

كيف يمكننا أن نصف معيشة شخص كهذا بالحياة من الأساس؟ فإن لم يكن هذا هو الجحيم ذاته، فماذا يكون؟ لكن دعنا نُعدِّل جملتنا الأصلية من "لقد أُرغمت أن تعيش حياة صعبة" إلى "لقد قرّرت أن تعيش حياة صعبة"، لأنه ببساطة لم يرغمك أحد على شيء، هذا قرارك النابع من إرادتك الحرة، لذلك عندما يسبّك أحدهم، أو ربما يُمارس عنصريته عليك، أو قد يصل الحال إلى الاعتداء الجسدي عليك أو قتلك، كل ذلك بسبب مجرد قرار سيئ اتخذته في ملعب اللقاء، فليس لديك مجال للاعتراض، ببساطة مَن سيكون له قدرة على الاعتراض بعد أن قرّر بمحض إرادته الحرة أن يُرسل نفسه إلى الجحيم؟

   

"أنا تعبت"

هكذا وصف كرايغ جاردين أحد مواقفه كحكم في اللعبة، في البداية نودّ أن نُعرّفك على كرايغ، هو لاعب كرة قدم سابق بدوري يوم الأحد باسكتلندا، وحكم لمنافسات الناشئين حاليا، وإذا كنت لا تعرف ما معنى أن تكون حكما بدوريات الناشئين، فكرايغ أخبر زميلنا بالغارديان سام فيبس أن المشكلة كلها بالنسبة للحكم تكون بسبب المدربين، لأنهم منذ لحظة السلام المتعارف عليها قبل المباريات وهم يحاولون إخراجك من اللعبة، ببساطة يريدون أن يتولوا السيطرة عليك وعلى زمام المباراة.

     

أحد الحكام بعد إلقاء المتفرجين بغرض ما عليه أثناء التحكيم في المباراة (رويترز)

  

"بدأ الأمر عندما كنت أُدير مباراة في نصف نهائي كأس اسكتلندا تحت الـ 17 عاما بحدائق ليث لينكس، بين فريق كبير من مدينة غلاسغو -فضَّل عدم إخبارنا باسمه- وبين فريق ليث أتليتك، بدأت المباراة بـ 100 مشجع فقط، ثم لاحقا تحوّلوا إلى مئات.

   

ليث أتليتك كان الفريق الأضعف حينها، لكنه بشكل ما كان مُتقدِّما بثلاثية نظيفة، سرعان ما حاول الفريق الآخر أن يُلغي المباراة بأي شكل، صراخ عليّ ودخول إلى ملعب اللقاء بين الحين والآخر للاعتراض، إلى أن قام أحد لاعبي ليث أتليتيك بتدخُّل قوي كان يتكلّف البطاقة الحمراء، وفي طريقي لإشهارها له وجدت مدرب فريق غلاسغو متوجها نحوي ويصرخ في وجهي، بعدها مرة واحدة وجدت الملعب عبارة عن سلسلة من الصراعات لا تنتهي، حاول مدرب ليث أتليتيك أن يحتوي الموقف معي ومساعدتي لإبقاء اللاعبين هادئين، بينما الفريق الآخر كله كانوا يقاتلون من أجل أن ألغي المباراة بأي شكل، في النهاية قاتلنا قتالا مريرا حتى نصل إلى صافرة النهاية، وطوال هذا الوقت لم أفكر في ذهني إلا أننا في ظهيرة يوم السبت، أريد العودة إلى المنزل، أنا تعبت".

   

ما أخبرناك به لتوّنا هو أكثر موقف مرعب خاضه كرايغ في الملاعب كحكم، وهي اللحظة التي أحسّ فيها أنه لا شيء يستحق كل ذلك الهراء، بإمكانك أن تتنبأ بما حدث بعد ذلك، قدّم فريق مدينة غلاسغو شكوى في كرايغ وفي مدرب ليث وادّعى أنه قام بالاعتداء على أحد لاعبي الفريق، فقامت الاتحاد الاسكتلندي لكرة القدم باستدعاء كرايغ طالبين منه أقواله حول ذلك الأمر، قائلين له إنهم في صدد أن يعاقبوا مدرب ليث أو أن يقوموا بإعادة المباراة، فقص عليهم كرايغ ما حدث، وأخبرهم أنه إذا كان قرارهم هو إعادة تلك المباراة، فسيترك رابطة التحكيم، لكن في النهاية اعتمدوا كلمته.

   

إدراك للواقع

بوصولك إلى هنا يجب عليك أن تُدرك شيئا مهما؛ أن الأمر ليس بكل تلك السلبية التي ظهرت في حوار كرايغ، نعم، قد يواجه المرء ظروفا عجيبة إبان عمله، لكن يجب عليه أن يتعلّم كيفية مواجهتها. وبعد أن طرحنا عليك تلك الكلمات السابقة، آن الوقت لتعريفك على ديريك هال، وهو شخص يمارس المهنة منذ أكثر من 40 عاما، ويقوم بتدريب الشباب على التحكيم منذ ما يقارب ثلاثة عقود، ديريك تحدث إلى فيبس من نظرة واقعية للأمور، وهي نظرة قد يتّخذها بعض الحُكّام كما لو كانت مرجعا لهم لكيفية التصرُّف عندما تتعقّد الأمور.

    

   

يرى ديريك قبل كل شيء أنه لا يجب على الحُكّام أن يقوموا بتأنيب أنفسهم طوال الوقت بسبب قرار خاطئ اتّخذوه، يجب أن يتخطّوا ذلك بسرعة لكي يظلّ تركيزهم على ما يحدث في المباراة، وإذا كان هناك أي اعتداء من أي نوع من قِبل الجمهور الحاضر، فيجب عليه أن يتحدث مباشرة إلى مسؤولي الفريق الذي ينتمي له ذلك المشجع، مخبرا إياهم أنه لن يُكمل المباراة طالما ذلك الشخص يفعل ما يفعله، وهو حقه تماما بالمناسبة، وإذا تطوّرت الأمور وحدث أي اعتداء جسدي يُهدِّد الحياة، يجب على الحكم أن يلجأ للشرطة مباشرة، دون الاكتراث لعمر أو مكانة الشخص الذي قام بهذا العمل.

   

وفي حقيقة الأمر، إن حديث ديريك على الرغم من أنه يظهر لنا على أنه نوع من الإرشادات العامة التي يجب أن يتّبعها كل الحُكّام، وعلى الرغم من أن اتّباعها قد يبدو سهلا نظريا، فإنه عندما يحدث الموقف الذي ينبغي عنده الإصغاء إلى ما قاله هال، بين الضغط الذي يفرضه الموجودون وبين قدرتك أنت نفسك على ضبط اتزانك وقراراتك، تبقى عملية صعبة للغاية.

   

والأصعب هو زرع ذلك الأمر في جيل الحُكّام الناشئ، هؤلاء الذين تتراوح أعمارهم بين الـ 16 والـ 17 عاما ويجدون أنفسهم يديرون مباريات الناشئين في الحدائق العامة، أنت هنا تتحدّث عن فتى مثله مثل الذين يلعبون أمامه، لذلك مسألة فرض ضغط نفسي عليه من البيئة المحيطة للعبة، سواء كان ولي أمر متحمسا، أو مدربا يريد الفوز بأي طريقة، أو لاعبا يُحرّكه حماس الشباب، أمر صعب ومرهق للغاية.

   

  

محاولات فاشلة

لكن وسط كل تلك الأزمات، ووسط كل ذلك العبث الذي يحدث في حق حُكّام المباريات، ظهر دوغ برينتيس، وإذا كنت لم تسمع عن الرجل قبل اليوم، فإليك نبذة عنه؛ وُلد وسط عائلة متوغّلة داخل الوسط الكروي الاسكتلندي منذ عقود، والده جون برينتس كان لاعبا في صفوف كلٍّ من أندية هارتس ورينجرز الاسكتلندية، وكان مدرب المنتخب عام 1966، بجانب أخيه آلان، الذي سبق له اللعب في صفوف نادي هاميلتون.

   

وعلى نهج عائلته، حاول دوغ أن يقتحم عالم اللعبة، لكن حاله كحال العديد منا، لم يستطع القيام بذلك كلاعب، لأنه ببساطة لم يكن جيدا بالكرة، فقرّر أن يحترف التحكيم، وبدأ بالفعل في التحكيم بالحدائق العامة بإيدينبرغ بعام 1977، ثم قضى سبعة مواسم على قائمة "scottish senior" بين عامَيْ 1986 و1992، قبل أن يُهاجر إلى مدينة بريزبن بأستراليا، منذ ما يقارب ثلاثة عقود من اليوم، والآن، وهو في عامه الـ 62، ما زال يُمارس عمله كحكم كرة قدم، ويقضي موسمه التاسع بدوري "A-League" وهو المستوى الأعلى من اللعبة بأستراليا.

   

واليوم، ونحن في عام 2020، وبعد كل تلك الأعوام كحكم للعبة، وبعد أن رأى كل السلبيات التي تُحيط بتلك الوظيفة، والتي تتعدّى بالطبع تلك الصورة البسيطة التي طرحناها عليك بداية، تحدّث دوغ إلى سام فيبس محرر الغارديان قائلا بضع كلمات مفاجئة نوعا ما، وتتنافى مع الصورة التي يخلقها ذهننا عن الوظيفة.

   

"لقد كان أفضل قرار اتخذته طوال حياتي"

(دوغ برينتيس للغارديان، وهو غالبا لا يمزح)

      

هناك بعض الأشخاص يذهبون إلى مباريات كرة القدم لهذا الهدف بالذات، وهو الصراخ والاعتداء على حُكّام المباريات
   
ماذا يدخنون باسكتلندا؟

في تفسيره لكلماته، قال دوغ إن عمله كحكم سمح له بتكوين صداقات مع أناس من جميع أنحاء العالم، منها صداقات ما زالت تزدهر وتتحسّن حتى اليوم، وإنه حتى رغم هجرته إلى أستراليا، فقد أُتيحت له الفرصة دائما أن يعود إلى المملكة المتحدة بسبب مناسبات لها علاقة بكرة القدم، وتكون في أغلبها نوعا من أنواع لمّ الشمل مع رفاقه القدامى من الحُكّام، الذين تظل ذكرياتهم رفقة بعضهم بعضا لا تُقدَّر بثمن. لكن حتى رجل مثل دوغ، ينظر للأمر نظرة حالمة بعض الشيء، ويصف قراره بأنه الأفضل طوال حياته، قد تكلّم مع فيبس عن الاعتداءات التي تحدث في حق الحُكّام، معتقدا أن هناك بعض الأشخاص يذهبون إلى مباريات كرة القدم لهذا الهدف بالذات، وهو الصراخ والاعتداء على حُكّام المباريات.

   

دوغ يرى أن أهالي اللاعبين الشباب هم الأسوأ على الإطلاق، لماذا؟ لأنهم لا يكفّون عن الصراخ على الحكم، كما لو كان ابنهم هو مارادونا نفسه لكن حكم المباراة القاسي هو مَن يمنعه من إظهار إمكاناته، لكن في نهاية المطاف، يرى دوغ أنه نال رصيدا من الاحترام في الملاعب أكبر بكثير من رصيد الكراهية. دوغ أكمل وصفه لظاهرة الاعتداء على الحُكّام بأنها موجودة منذ أن نشأت اللعبة، وفي حقيقة الأمر، فما اكتشفناه مع دوغ أن الأزمة لم تكن يوما في كرة القدم وحدها، بل الأزمة في وظيفة الحكم نفسها، ببساطة فكرة أن هناك شخصا ما قادر على التحكُّم بك في أي وقت من الأوقات وقادر على تحجيم حريتك هي فكرة مرفوضة تماما للنفس البشرية، والدليل على ذلك أن دوغ أكمل كلامه قائلا إن الرغبي، وهي اللعبة الأكثر شعبية في أستراليا، لا تخلو بدورها من الاعتداء على الحُكّام.

   

في نهاية الحديث، تمعن النظر في حُكّام هذه الأيام وهم يرتدون ساعة بكل يد، واحدة لمعرفة الوقت والأخرى لمعرفة ما إذا كانت الكرة قد تخطّت خط المرمى أم لا، معهم ذلك الرذاذ الأبيض المسؤول عن تحديد مواقع الكرات الثابتة، في أذنهم سماعات لا سلكية للتشاور السريع مع مساعديهم في قراراتهم، ومع حُكّام الفيديو المُستحدثين الذين يتدخّلون في كل تفصيلة لعينة من تفاصيل المباراة، ومع كل تلك المُعدّات التي تُثقل من وظيفته وحريته بالملعب، بهدف فقط ألا يُخطئ أخطاء فجّة تُكلِّفه سلامته، ستشعر بالشفقة على شخص لم تُكتب له الحرية يوما، وبالرغم من ذلك لا يستطيع الشكوى والبكاء مثل البقية رغم أنه بالفعل يستحق أن يُعبِّر عن غضبه، وعلى الرغم من كل ذلك الهراء، فإن هناك البعض منهم يعتبرون تلك الوظيفة هي أفضل قرار اتخذوه طوال حياتهم!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الرجل الذي صنّفه مورينيو بأنه أصعب مدرب واجهه في مسيرته تكتيكيا وأشاد به غوارديولا في مرات عدة.. يأخذك "ميدان" برحلة مع صاحب الشعر الأبيض والابتسامة الخجولة جيان بييرو غاسبريني.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة