دليل المتعصبين.. هذا ما لم يخبروك به عن توبيخ لاعبيك وإهانة خصمك

اضغط للاستماع

     

"منذ بضع سنوات، كنت في زيارة لجنوب لندن عندما مررت بصديقي "ألان". طوال حياته، كان "ألان" مشجعا لفريق "بلايماوث أرغايل" القابع بالدرجة الثالثة في إنجلترا. تبادلنا أطراف الحديث حتى وصلنا إلى تلك اللحظة التي سألته فيها عن موعد اصطحابه لابنه إلى ملعب "بلايماوث" للمرة الأولى، ليصدمني بإجابته؛ أفصح "ألان" عن رغبته الغريبة بألا يتبع ابنه خطواته في تشجيع الفريق نفسه، بل إنه سيحثّه على تشجيع تشيلسي أو مانشستر سيتي أو ليفربول أو أي فريق آخر يسهل متابعته عبر التلفاز". (1)

    

على الرغم من أن تشجيع فريق رياضي يُعتَبر نشاطا ثانويا لا تتوقف عليه حياة المشجع، فإنه يستهلك حيزا ليس بالضئيل من فكره ومشاعره وحالته المزاجية، وحتى أمواله. الموقف السابق الذي رواه "ديمون غرين" في مقاله بصحيفة الغارديان البريطانية يوضح رغبة أب في مستقبل تشجيعي أفضل لابنه، حتى لا يمر بالمآسي والصعوبات نفسها. قد يكون تفكير الأب نابعا من رغبته بالأفضل لابنه، لكنه يخبرنا أن التشجيع وآثاره أكبر مما تظن.

  

أنا النادي

لطالما كانت العلاقة بين المشجع والنادي موضعا لعديد من الدراسات والأبحاث، خاصة على المستوى النفسي. على سبيل المثال لا الحصر، يخبرنا عالم النفس "آرثر آرون" أن الاستجابة التي قد تراها عند رسم دماغ مشجع رياضي أثناء نظره لفريقه أو لاعبه المفضل شبيهة بتلك التي تظهر عندما تنظر الزوجة إلى صورة زوجها. (2) ومن هنا تمتد العلاقة لتتجاوز شراء قميص النادي والهتاف له، لتصل إلى مرحلة أكثر تعقيدا يوضحها لنا "إيريك سيمونز" في كتابه "The Secret Lives of Sports Fans: The Science of Sports Obsession"؛ فهو يُجزم أن تشجيع الفريق يُعَدُّ تعبيرا للمشجع عن ذاته، ومن خلال العديد من الأوراق البحثية والمقابلات تبيّن له أن تأثير التشجيع يمتد ليشمل الذوق العام للمشجع، ولونه المفضل، والعلاقات الأسرية، والأشخاص المحيطين به، وحتى التوجُّه السياسي كما الحال مع مشجعي برشلونة مثلا.

   

استمر "إيريك" في سرد مبالغاته المنطقية من وجهة نظره ليصل إلى النقطة التي اعتدنا عليها جميعا من كثرة رؤيتها، وهي تعبير المشجع عن فريقه بالضمير "نحن"، سواء بقصد أو بدون، فمعظمنا يفعل ذلك في نقاشاته، ومشاحنات فيسبوك خير شاهد. لكن "إيريك" يقول إن ذلك يجعل الدماغ في وضع مرتبك غير قادر على التفرقة بين "الشخص ذاته" و"الفريق". (3)

    

  

ذلك الوضع المرتبك قد يقودنا إلى العديد من التصرفات والانفعالات غير المحسوبة، التي يقوم بها المشجع على وقع جملة "أنا النادي". نجاح النادي من نجاحه الشخصي، وبالتالي فإنه لن يتردد في محاولة تشتيت لاعبي الخصم، حتى لو اضطر لإطلاق وابل من الهتافات المسيئة العنصرية التي قد تُعرِّضه للمساءلة القانونية. وعلى المنوال نفسه، إذا وجد لاعبا دون المستوى يعوق تحقيقه الفوز، فإنه لن يتوانى في صب جام غضبه عليه، تماما كما حدث بين "غرانيت تشاكا" ومشجعي أرسنال. (4)

  

نظرية التوبيخ الصحي

لا تُعبِّر صيحات الاستهجان (booing) فقط عن عدم رضى الجماهير عن لاعبيها، لكنها تُمثِّل أيضا محاولة يائسة لتحسين أدائهم، شيء أشبه بالتحفيز بواسطة التوبيخ. تُفسِّر لنا الطبيبة "جوزفين بيري" المختصة بالطب النفسي الرياضي هذه النظرية قائلة: "ذلك التأثير غير واضح بالمرة، إذ يعتمد على عقلية اللاعب وصفاته الشخصية. قد يستخدم بعض الرياضيين صيحة الاستهجان كوقود لتحسين أدائهم، وكأنهم يتحدّون تلك الصيحات بالسعي لإثبات عدم صحتها. لكن هناك آخرون سيشعرون بالقلق بشأن مكانهم في الفريق، وستُخرجهم الهتافات العدائية خارج المباراة". (5)

  

ثم تُوضِّح أن لاعبي المستوى الأعلى أو النخبة يندرجون تحت النوع الأول، أما الغالبية فتتأثر بالسلب لأننا بشر وهذه طبيعتنا، وسيُصبح من الصعب عليهم التعايش مع الإحساس بكراهية المشجعين كلما خطت أقدامهم أرض الملعب. ومن هنا تنطلق دورة تكرارية لا نهاية لها، تبدأ بغضب الجماهير، ثم صافرات الاستهجان لتحسين النتائج، التي لا تتحسن في أغلب الحالات، بل وتبدأ الأحداث بالتصاعد. 

  

    

الأعداد القليلة الغاضبة تبدأ في التأثير على غير المشاركين في الاستهجان بفعل ما يُسمى "تأثير العدوى". (5) نعم، هو ما تخيلته، مشجع غاضب مثلك تماما لكنه لم يكن ليبدأ بالهتاف لولا تشجيع مَن حوله، فتزداد الأعداد وتبدأ في الخروج عن السيطرة، تماما كما حدث مع "غرانيت تشاكا".

  

أحد الجماهير أقنع الآخرين بأنه الابن المدلل للمدرب السيئ "أوناي إيمري"، ومع كل أداء باهت للاعب السويسري، تغضب الجماهير أكثر، وإذا بها تطارده بتعليقات مسيئة على مواقع التواصل الاجتماعي ثم تتبعها بصافرات استهجان في ملعب الإمارات، لينتهي الأمر بانفجار اللاعب، واقتراب رحيله بعد إعلان وكيله عن الموافقة على عرض هيرتا برلين. (6)

  

رحيل اللاعب واستبعاده من اللقاء التالي قد يكون حلا جيدا للتهدئة، لكنه يُرسي مبدأ آخر في منتهى السوء، وهو "الزبون دائما على حق"، وقد نال الزبون ما يريده حتى لو طلبه بأسلوب غير لائق. ومع كامل الاعتراف بأن الجماهير هي عصب كرة القدم وغيرها من الرياضات، فإن العلاقة الاحترافية بين مؤسسات اللعبة وموظفيها تتطلّب مزيدا من التحكّم في الاستجابة للجماهير، لأنه إذا كان هذا حالهم مع لاعبيهم فكيف سيكون الحال مع لاعبي الخصم؟

  

التمييز اللا واعي

وفقا للفيلسوف "جوليان باغيني"، فإن الذهاب إلى ملعب كرة القدم يُمثِّل رخصة لتجاوز قواعد المجتمع، حيث يتم تعليق السلوك الجيد مؤقتا، وتحصل على رخصتك لتُعبِّر عن كراهيتك لهذا أو ذاك. (5) بالطبع فإن خصوم فريقك هم أكبر الضحايا لهذه القاعدة، وبمجرد أن تبدأ الهتافات حتى نجد أنفسنا فجأة على عتبة قضية العنصرية.

     

   

في إيطاليا مثلا، تعرض مهاجم إنتر ميلانو "روميلو لوكاكو" لهتافات عنصرية من جماهير كالياري، لتصدر رابطة أولتراس الخاصة بإنتر بيانا لتبرير هتافات جماهير كالياري، ومحاولة التوضيح للوكاكو بأن الأمر ليس عنصرية وإنما هي محاولة لمضايقة لاعبي الخصم. حتى ابن بلدهم "ماريو بالوتيلي" لم يسلم من مبدئهم العقيم، وتعرّض لهتافات مشابهة من جماهير فيرونا، حتى إنه صرّح بعد المباراة باستعداده لتقبُّل الإهانات كافة باستثناء العنصرية منها. (7)

    

"إذا أرادت الجماهير تشتيت اللاعبين، فبإمكانهم أن يفعلوها بآلاف الطرق ليس من ضمنها العنصرية".

(ماريو بالوتيلي. (8))

   

بإمكاننا المرور على إنجلترا وتحديدا ملعب الاتحاد، حيث ما فعلته جماهير مانشستر سيتي تجاه لاعب مانشستر يونايتد "فريد". الطريف فيما حدث أن هذه الهتافات العنصرية وحركات القرود حدثت في اليوم نفسه الذي تتلوّن فيه شعارات أندية البريميرليغ وشارات الكباتن بألوان قوس قزح لدعم المثليين. تخيَّل أن تدعم المثليين وأنت لا تتقبّل السود، قمة السخرية! (9)

     

ممارسة العنصرية هي ممارسة العنصرية، سواء داخل الملعب أو خارجه، لا حاجة إلى تجميلها أو تبريرها بتبريرات تافهة، بل علينا أن نُفكِّر في تداعياتها. كون الاختيار وقع على اللاعب صاحب البشرة السمراء للسخرية منه، فهذا يعني أنهم يرون فيه شيئا مختلفا، وقد فسّر أستاذ الصحة العامة وعلم الاجتماع "دايفيد ويليامز" هذا النمط تحت اسم "التحيز اللا واعي". (10) (11) 

  

لعقود طويلة، بحث علماء النفس الاجتماعي خلف هذه الظاهرة، وتبيّن أنه إذا كنت تحمل صورة نمطية سلبية في عقلك الباطن لمجموعة من البشر، ثم قابلت أحدا منهم، فإنك بشكل تلقائي ستُمارس العنصرية ضده، أو ستعامله بشكل مختلف، حتى لو كنت حسن النية. تشمل تلك المعاملة المختلفة الخدمة في المطاعم، والمتاجر، وحتى الرعاية الطبية. في محاضرته على منصة "تيد" (TED)، قدّم دكتور "دايفيد ويليامز" ما يُشير إلى حدوث ذلك في الولايات المتحدة الأميركية، وتأثير العنصرية على الصحة ومتوسط الأعمار، وارتباطها بعدد من الأمراض منها ضغط الدم، والسمنة، وأمراض القلب، وصولا إلى الوفاة المبكرة.

     

   

وقبل أن تنجرف وراء هذه الحقائق المرعبة، فعلينا أن نتذكّر جميعا جملة "لا دخان بلا نار"، وعليه لا يجب أن تكون كرة القدم هي ذلك الدخان، الذي يعكس صورة النار أو بالأحرى القصور الواضح في معظم مجتمعاتنا، بل يجب أن تكون واجهة للتوعية والإصلاح، ليست تلك التوعية التي قام بها الدوري الإيطالي ضد العنصرية بوضع صور قرود ملونة، ولكن بتوعية أبسط وأكثر رُقيا، ففي النهاية لا توبيخ خصمك سيُنقذ فريقك، ولا إهانة خصمك ستجعلك فائزا. (11)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة