رونالدو ليس منافسا.. تصريحات فان دايك بين الجد والجلد

أهلا بك. ديسمبر/كانون الأول قد حل علينا إن لم تكن قد لاحظت؛ على يمينك تدور المعركة التي يخرج منها الجميع خاسرا حتى الفائزون منهم، وعلى يسارك يقف المترفّعون الذين يصممون أنها لا تعنيهم، رغم أن حفل البالون دور يحرك الرمال أسفل أقدامهم أيضا، ومهما أكدوا أنهم لا يهتمون فهم سيهتمون في النهاية، ببساطة لأنك تحتاج إلى درجة قياسية من التجرد لتتجاهل حدثا بهذه الضخامة، درجة غير بشرية من التجرد.

   

أحدهم قد عاد إلى منزله بالغنائم، كل الغنائم في هذه الحالة، والأحاسيس المسيطرة على الأجواء تتنوع ما بين الغبن والفرحة والحقد والانتشاء، وهذا مفهوم لأن الغنيمة هي كل ما يهم في الحرب، والغنيمة هي كل ما يهم في الحرب لأن الحرب ذاتها ليست مهمة؛ نحن لا نعلم كيف يفوز فيها مَن يفوز وكيف ينهزم مَن ينهزم، ولماذا، ولا نعلم سبب قيامها أساسا، في الواقع نحن لسنا متأكدين إن كانت حربا أصلا، حتى الحرب لها معايير يمكن القياس عليها. (1) (2)

   

   

المفارقة أن حفل البالون دور، ورغم عبثيته، هو حدث مغرق في الفلسفة، لأنه يدفعك للتساؤل عن أصول الأشياء؛ الجائزة في أصلها ليست أكثر من مجرد تمثيل لمفهوم الفوز، تعبير عن أفضليتك على الباقين، عن اعتراف العالم بأحقيتك. الجائزة تُعبِّر عن كل ذلك باعتباره من المسلَّمات، ولكنها لم ولن تكون دليلا على وجوده إن غاب، لن تعني شيئا إن كانت قطاعات كبيرة من الباقين لا يعنيها أن يحصل عليها مَن يستحقها.

  

لماذا نفعلها إذن؟ لأننا نؤمن أنه سيحل وقت ما في المستقبل حيث تختفي كل تلك الشكوك والاتهامات والمؤامرات وتبقى المعلومة الصماء في سجلات التاريخ لتؤكد أن أحدهم يملك عددا أكبر من الباقين، وحينها لن يهم أي شيء آخر. في كل ديسمبر/كانون الأول يعود أحدهم بالغنائم إلى منزله ثم يُثير محبوه غيظ الجميع بتذكيرهم أنه سيأتي زمن تُنسى فيه كلماتهم وأن التاريخ لن يكون في صفهم. المشكلة الوحيدة في هذا الزمن الرائع أننا، غالبا، لن نكون موجودين لنعيشه، ولكننا أذكياء بما يكفي لنقضي حاضرنا في الاستعداد له.

  

سياط الحقيقة
 فيرجل فان دايك (غيتي إيميجز)

   

هذا العام قرر فان دايك منحنا الشيء الوحيد الذي قد يكون أفضل من حرب البالون دور العبثية؛ حرب أخرى لها أول وآخر وأطراف واضحة ليس من ضمنهم صحفيون يعتبرون أن أرنولد هو أفضل لاعب في العالم، بالتالي هي حرب يمكن للجميع الانخراط فيها دون أن يبدو سخيفا، والأهم على الإطلاق؛ أننا نعلم أسبابها، والأهم من الأهم على الإطلاق أن كاتيا أفيرو تعلم أسبابها. (3) (4)

  

عند سؤاله عن رونالدو الغائب عن الحفل تساءل فان دايك مندهشا من كون البرتغالي مرشحا أصلا، وبعد تحقيقات والدة رونالدو، السيدة ماريا دولوريس دوس سانتوس أفيرو، في أسباب خسارة ابنها لجائزة العام الماضي، والتي أسفرت عن ضلوع المافيا والقراصنة في الجريمة، وهو ما لم يبدُ مقنعا لبعض المتابعين للمفاجأة، فإن أخته، كاتيا أفيرو، قد قررت أن السبب خلف تصريحات فان دايك هو أنه يعاني حالة مستعصية من الحرقان، لأن الدون نجح في التفوق عليه في أهم مباراتين خلال العام المنصرم؛ نهائي دوري الأمم الأوروبية ونهائي دوري الأبطال.

    

 
 
 
View this post on Instagram
 
 

Acho que há pessoas a viver completamente frustradas!!! E fora da realidade… A tal humildade! Repórter: "Cristiano Ronaldo não estará cá esta noite. É menos um rival a ter em conta." Van Dijk: " É Cristiano Ronaldo realmente um rival?" Foi esta a resposta do central holandês do Liverpool, quando confrontado sobre a ausência do astro português da gala desta noite. É certo e sabido que Ronaldo não ganhará o prémio desta noite. Apesar de ter vencido importantes títulos colectivos…mas isso é outra conversa e que lá na frente iremos ver onde vai chegar a verdade sobre o futebol !!! Agora, caro Virgil, para onde tu vais, Cristiano Ronaldo já foi e já veio mil vezes . Vê lá bem, meu caro Virgil, que o Cristiano Ronaldo foi tri-campeão no país onde tu já jogas há anos e ainda não conseguiste meter a mão na "lata". O Cristiano Ronaldo até foi o melhor jogador e melhor marcador no país onde jogas Virgil. Por sinal, era até bem mais jovem que tu. Depois, caro Virgil, o Cristiano Ronaldo foi para outras paragens e tornou-se no maior jogador da história de um clubezito. Real Madrid, diz-te algo Virgil? É possível que sim, porque esse clube, com esse tal Cristiano até te derrotaram na final de uma tal de Champions League. Dessas, já o Ronaldo tem 5, Virgil. E esse tal Ronaldo e companheiros, com as quinas ao peito, esmagaram a tua "laranja" numa final. Foi duro, Virgil? Temos pena. E, caro Virgil, numa das épocas menos conseguidas da sua carreira, o Cristiano Ronaldo ainda venceu mais títulos que tu. Impressionante, não é? Agora, Virgil, vai vencer títulos daqueles que realmente contam e depois falamos. Quando tiveres uma mão cheia deles, dos realmente importantes, talvez te possas sentar à mesa com o Cristiano. Ou como se diz na nossa terra, cresce e aparece! E para mim @cristiano és e serás para sempre o melhor jogador do mundo!!! E quem não gosta que ponha na roda do prato !!!😂❤️❤️❤️( como se diz na nossa terra ,pequenina para muitos ) mas de onde saiu o melhor de todos os tempos…#assinoembaixoluisfaria #cr7n1 #Eotrabalhocontinua #respostastánahistoriaenomuseu #orgulhodomeurei #Deusnocomando

A post shared by Katia Aveiro (@katiaaveirooficial) onDec 2, 2019 at 3:00pm PST

  

صحيح أن نهائي دوري الأبطال كان في العام الذي سبقه، وصحيح أنها لم تشاهد هاتين المباراتين غالبا وإلا لما استشهدت بهما، ولكن عليك أن تعترف أنها جَلدة موفقة بمعايير منصات التواصل الاجتماعي. هذه الحرب تتفوق على سباق البالون دور باكتساح، حتى في جودة الجلد. المشكلة الوحيدة هنا أن ما قالته كاتيا أفيرو يبدو منشورا قد يكتبه رونالدو نفسه، ولكن على الرغم مما تحمله هذه المفارقة من معانٍ فإنها ليست بهذه الأهمية، ببساطة لأنك حتى لو كنت من أكبر المتحيزين لابن ماديرا فأنت تعلم أن هذا هو رأيه حتى لو لم يُصرِّح به.

  

 

هذا رجل مهووس بنفسه لدرجة مَرَضية، لن يرى أحدا في مكانته نفسها أبدا مهما كان الواقع، ولن يعتقد أن هناك مَن هو أحق منه بالجائزة أبدا مهما كان أداؤه. ربما يكون هذا هو السبب في نجاحه طيلة السنوات الماضية، وربما لا يعيبه كل ذلك من وجهة نظرك، ولكن ما يعنينا هنا أنه عاجز تماما عن التشكك في ذاته ومراجعتها أيًّا كان الموقف، لا يهم إن كان الهداف أو لو كان أكثر مَن ساهم في نجاح فريقه أو لو لم يكن أيًّا من ذلك، هو الأفضل وسيظل الأفضل لأنه هو، وهو لا يحتاج إلى أي أسباب أخرى. مثال نموذجي للنرجسية كما تصفها كتب الطب النفسي. (5)

  

اجلد الدون
كريستيانو رونالدو (رويترز)

   

بالمناسبة، هذه ليست محاولة ماكرة للتهرب من فعلة فان دايك، لسبب بسيط جدا هو أننا سنخبرك بوضوح ومباشرة وبلا مواربة أن ما قاله الهولندي صحيح 100%. رونالدو لم يكن منافسا منطقيا على البالون دور هذا العام.

  

ستقول لنا إن العديد من المرشحين السابقين لم يكونوا منافسين منطقيين على الجائزة، وستذكّرنا بفضيحة جائزة العام الماضي، وستحدّثنا عن مرشحين آخرين كانوا يستحقون الانضمام للقائمة، وستخبرنا أن معايير الجائزة غير موجودة، وأن كاتيا أفيرو قد تعلم عن كرة القدم أكثر مما يعلمه بعض المصوتين، وأن تاريخ رونالدو قد يعادل 8 أو 9 من فان دايك أو حتى مليونا، وسنوافقك غالبا، ولكن كل ذلك لن يغير من حقيقة أن رونالدو لم يكن أفضل لاعب في العالم خلال 2019.

    

  

الأهم أن المنطق الوحيد الذي يقر بوضوح أن رونالدو لم يكن يستحق الوصول للقائمة النهائية، ناهيك بالفوز بالجائزة، هو منطق رونالدو نفسه، والذي يؤكد أنه لم يكن أفضل لاعب في الدوري الإيطالي حتى لو حصل على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي، بل وفي عدد من فترات الموسم لم يكن أفضل لاعبي فريقه حتى، وأن التقدير الذي يعتقد أنه يستحقه لأنه يفعل ما يفعله وهو في هذه السن سيُجبرنا على اعتبار كوالياريلّا ذي الستة والثلاثين عاما مهاجما أفضل منه خلال الموسم الماضي، ليس فقط لأنه سجّل عددا أكبر من الأهداف وبعدد أقل من ركلات الجزاء، بل كذلك لأنه كان أكثر تأثيرا في نتائج فريقه خلال الموسم.

    

في الواقع، لو مددنا الخط على استقامته وقررنا تطبيق قانون كريستيانو بحذافيره فسيُنتج الموقف عددا لا بأس به من المفارقات الغريبة، وأغربها على الإطلاق سيأخذنا لآخر شخص يمكنك أن تتوقع وجوده في هذا السياق؛ كريم بنزيما. الرجل الذي منذ رحل كريستيانو عن مدريد تمكّن من تسجيل 44 هدفا مقابل 35 لرونالدو، وصنع 17 غيرهم مقابل 12 لرونالدو، ولم يُسدّد سوى 5 ركلات جزاء مقابل 9 لرونالدو، وكان يساهم بهدف مع الميرينغي كل 96 دقيقة مقابل 107 لرونالدو، بل وفاز لفريقه بعدد أكبر من النقاط، وفي ظل تقلب إداري وفني ومنافسة أكثر حِدّة وشراسة بكثير من أي شيء قد يقابله يوفنتوس في إيطاليا. (6) (7)

   

نصف الحقيقة

فان دايك كان محقا فيما قاله 100%، ولكن هذه نصف الحقيقة فقط لا غير. النصف الآخر هو أنك من الممكن أن تكون محقا ودنيئا في الوقت ذاته، وأنه لم يكن يجدر بالهولندي إطلاق هكذا تصريح، وحتى لو فسره برغبته في المزاح لاحقا. (8) هذه هي اللحظة التي يصبح الحديث فيها عن تاريخ رونالدو منطقيا فعلا، فإن كان لا يؤهّله للترشح للجائزة عن هذا العام فهو قطعا أكثر من كافٍ لكي يجنّبه السخرية حينها. في الواقع، انسَ ما قلناه للتو، لأن التاريخ ليس بحاجة إلى الدخول على الخط عند أي لحظة، سواء كنا نتحدث عن رونالدو أو أي لاعب آخر، وحتى لو كان رونالدو قد بدأ لعب الكرة لتوّه فهذا لا يبرر تصريح فان دايك.

  

فان دايك كان محقا فيما قاله بنسبة 100%، ولكن كم من الحقائق لا تقال علنا لأسباب مفهومة ليست بحاجة إلى شرح. هل كان زلاتان محقا عندما أخبر بايس مدافع سانت إيتيان أنه لا يعرفه؟ ربما، نحن أصلا لم نكن نعرفه حتى حدثت هذه الواقعة. هل كان زلاتان دنيئا؟ قطعا، لا شك في ذلك. هل سيكون ميسي محقا لو وصف تصريحات بيليه بالخَرَف؟ غالبا، ولكنه سيكون دنيئا كذلك. هل سيكون نيكو كوفاتش محقا لو قال إن فريقه مزق توتنهام إربا وإنهم يجب أن يشكروا الله لأنهم تلقوا 7 أهداف فقط؟ هذا هو واقع المباراة كما حدث فعلا، ولكن هذا لا ينفي وضاعة التصريح لو صدر. (9) (10)

   

  

حتى الحقيقة قد تملك دوافع منحطة أحيانا؛ لو كان بوتشيتينو هو مَن أخبر لاعبيه بأن بايرن ميونيخ مزقهم إربا لتقبلوها منه على الأغلب، ربما لأنهم يعلمون أنه غاضب مثلهم أو أنه يدفعهم للتحسن، أما تصريحات فان دايك فلا شيء يقف وراءها سوى الرغبة في النيل من رونالدو، هي لن تفوز لفان دايك بالبالون دور ولن تجعله لاعبا أفضل. العالم سيصبح مكانا شديد القبح لو كنا نُصرّح بكل ما نراه صحيحا بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، ربما ننسى هذا أحيانا في خضم الحروب الإعلامية المشابهة، لأن كل الأطراف تتفنّن في ابتكار العبارات الحراقة لإهانة بعضها بعضا، ولكن مهما نجحوا في ذلك فلا شيء يؤلم كالحقيقة.

  

المفارقة الأسوأ على الإطلاق هنا هي أن الجميع يحق لهم استخدام هذا المنطق في نقد فان دايك إلا الضحية؛ رونالدو نفسه. في عالم مثالي سيظل تصريح فان دايك نقطة سوداء تُحسب عليه للأبد، وفي العالم ذاته، سيكون الوحيد الذي لن يستطيع لومه هو الرجل الذي كان أكثر مَن استخدم هذا المنطق وأسّس له في معاركه الخاصة، ولم يجد حرجا من قبل في التصريح بأنه قد "يدخل السجن" لو قال رأيه في حصول ميسي على الكرة الذهبية ذاتها محل النزاع الآن، أو أن احتفال الأيسلنديين بالتعادل مع منتخب بلاده يدل على "عقليتهم الصغيرة"، بل لم يخجل من التأكيد للإعلام أن السبب الوحيد للهزيمة بالأربعة من الأتليتي أن "باقي اللاعبين لم يكونوا في مستواه نفسه"، وعشرات التصريحات المشابهة التي تحتاج إلى مجلدات لحصرها. المفارقة الأسوأ على الإطلاق أن العالم الوحيد الذي تصبح فيه تصريحات فان دايك ملائمة وعادية هو عالم رونالدو نفسه. (11) (12) (13)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة