أتالانتا غاسبريني.. واقع أجمل من السينما

مرحبا، نحن هنا على موعد مع قصة تتكرر كل عام، بل تتكرر في العام نفسه عشرات المرات إذا أمعنت النظر في كل البقاع التي تُمارَس بها كرة القدم. القصة التي تُسلَّط فيها الأضواء على أبناء الظل للحظات، وتتم الإشادة فيها بمجموعة من المكافحين الذين تُنسى أسماؤهم صباح اليوم التالي، ذلك في حال اهتم العالم بمعرفتها من الأساس.

  

في كرة القدم نحب القصص الرومانسية، نحب ذلك الحصان الأسود الذي فاجأ الكبار، وهذا القادم من الدرجة الثانية الذي أحرج أبطال اللعبة، نتغنى بالفقراء الذين يقدمون منتجا يفوق رواد الرأسمالية، وننحني احتراما لمَن يرفض الهزيمة حتى وإن أشارت كل المعطيات إلى ذلك، ولكن رغم كل هذا تبقى هناك مشكلة كبرى.

  

المشكلة أننا ننظر فقط للقطة الإنجاز وننسى ما أدّى إليها، نظن أن هؤلاء حققوا ذلك فقط لأنهم آمنوا بأنفسهم، ونُغفِل كل الخيوط التي نُسِجت على مدار سنوات. هذا الأمر يجعلنا نشعر أن هذه الأشياء غير قابلة للتكرار، رغم أننا نتغنّى بما يُشبهها كل يوم، وهذا يعني أنها ربما تتكرر كل يوم، وفي كل مرة يكون القصور منا نحن في التعامل معها. أما بعد، فهيا بنا إلى رحلة مع صاحب الشعر الأبيض والابتسامة الخجولة جيان بييرو غاسبريني.

    

جيان بييرو غاسبريني (غيتي)

      

لا تحتاج إلى أن نخبرك

شاهدنا جميعا أتالانتا وهو يُحقِّق معجزة التأهل لثمن نهائي دوري أبطال أوروبا. بالطبع لم يعرف الجميع أنها المشاركة الأولى للفريق في البطولة طوال تاريخه إلا بعد التأهل، بل وأن نسبة ليست بالقليلة تفنّنت في جلد الفريق ومدربه بعد الخسائر الثلاثة الأولى في دور المجموعات، خاصة أنها بدأت برباعية أمام دينامو زغرب وانتهت بخماسية في ملعب الاتحاد أمام مانشستر سيتي. (1)

  

إذا ألقيت نظرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الهزائم الثلاثة الأولى فستجد عشرات ممّن يحدثونك عن ضعف الدوري الإيطالي، رغم أن ذلك لن يحدث في حال خسر كريستال بالاس أو ليفانتي مثلا كل مبارياتهما في البطولة ذاتها بعد تحقيق معجزة الوصول. وما لا نحتاج إلى أن نخبرك إياه أن ذلك كان سيستمر في حال سارت الأمور بشكل منطقي وودّع أبناء بيرغامو مبكرا وفق ما كان متوقعا. الخلاصة؟ لا أحد يهتم سوى باللقطة الأخيرة.

  

نقطة التحوّل بعد الصعود كانت ستجعل الحديث عن أتالانتا محلا للسخرية، فبالطبع لن يقبل أحدهم الإشادة بخاسر حتى وإن كان وصوله إلى المرحلة التي خسر فيها نفسه يُصنَّف كمعجزة. لماذا؟ هذا الذي نحن هنا من أجله، القصة لم تبدأ هذا الموسم ولا حتى في العام الماضي، هناك جذور بدونها لم يكن المشهد النهائي ليخرج بهذا الشكل.

      

     

نقطة البداية

مطلع موسم 2017 تولّى غاسبريني قيادة أتالانتا، الفريق الذي أنهى موسمه في المركز الثالث عشر على سُلَّم ترتيب الدوري الإيطالي محققا 45 نقطة فقط. فريق لن يصل إلى منتصف الجدول، دعم مادي شبه منعدم، معطيات لا تُشير إلى أن النجاح -إن حدث- سيكون من خلال السير بضع خطوات قليلة للأمام، ولكن البداية لم تكن حتى كذلك، لم تُعطِ إشارة سوى بالرجوع إلى الخلف. (2)

  

في بداية الموسم حقّق أتالانتا انطلاقة مخيّبة بـ 4 هزائم وانتصار وحيد، ليتم إبلاغ غاسبريني أن وظيفته باتت في خطر، خاصة أن أمرا مشابها قد حدث له في إنتر قبلها بخمس سنوات، حيث فشل في تحقيق أي انتصار في المباريات الخمسة الأولى فأُقيل بعد الخسارة من نوفارا وقتها، في تجربة لم تستمر سوى 5 مباريات فقط، ما يجعل تكرار القصة تمهيدا لنهاية مشابهة محتملة. (3)

    

وقتها اجتمع رئيس النادي مع المدرب، خاصة أن المباراة المقبلة ستكون أمام نابولي الذي لم يخسر أي مباراة حتى تلك اللحظة، مواجهة صعبة في سان باولو، زادها المدرب صعوبة بقراره اللعب بتشكيل يتضمّن وجود 4 لاعبين من منتخب إيطاليا تحت 23 عاما، وقتها أخبر غاسبريني رئيس النادي بهذا القرار الثوري ليلة المباراة. (4) 

    

رئيس نادي أتلانتا انطونيو بيركاسي (غيتي)

     

سيدي الرئيس، سألعب غدا بتشكيل من لاعبي الأكاديمية، صدمة وقعت على الرجل لدرجة جعلته لا ينام ليلة المباراة ويرفض الذهاب لمشاهدة الفضيحة المحتملة حسب ما ذكره غاسبريني نفسه. النتيجة؟ أتالانتا يكبِّد نابولي خسارته الأولى في الموسم ويتغلّب عليه بهدفين للا شيء، ومن هنا تبدأ الثورة. (5) ولأننا لا نريد أن نقع في الخطأ ذاته بأن نُشيد بالقصة وننسى أبطالها، علينا الحديث عن تلك الأسماء التي قرّر غاسبريني وضع ثقته فيها؛ روبيرتو غاليارديني، أندريا كونتي، ليوناردو سبيناتزولا، ماتيا كالدارا، أليساندرو باستوني. نعلم أنك تعرفهم جميعا اليوم، ولكنك لم تكن كذلك في تلك الليلة التي هرب فيها غاسبريني من شبح الإقالة.

  

الفوز على نابولي كان نقطة الانطلاقة التي استند إليها الرجل، والتي منحته ثقة رئيس النادي، ليبدأ غاسبريني ثورته بنقل الجناح الصاعد سبيناتزولا إلى مركز الظهير الأيسر، ويضع الصاعد الآخر كونتي على الجهة اليمنى، بينهما في القلب شاب آخر يُدعى باستوني. غاليارديني عنصر أساسي في وسط الملعب، والذي سيُضاف إليه مع الوقت فرانك كيسي الذي تعرفه جيدا اليوم ولكنك لم تكن كذلك قبل 4 سنوات، وذلك بدلا من كالدارا الذي سيترك وسط الملعب ويعود إلى قلب الدفاع رفقة باستوني. (6) في الهجوم؟ تعديل في مركز أليخاندرو غوميز وإضافة عنصر نسيه العالم منذ 2012، ذلك العام الذي كان فيه حديثا لإيطاليا حين بزغ نجمه كموهبة صاعدة مع ميلان، ثم رحلة الـ 5 سنوات من الإعارات المتتالية لأندية الدرجة الثانية، ثم ثقة صاحب النظرة الثاقبة التي جعلته لامعا من جديد. (7)

  

6 انتصارات من أصل 7 مباريات منذ مواجهة نابولي تلك جعلت أحاديث غاسبريني تأخذ منعطفا آخر، الرجل بدأ يتحدث بوضوح عن وجود مشروع اعتمادا على لاعبي الأكاديمية وعن التأهل الأوروبي الذي بات هدفا الآن. بوصوله إلى المركز الرابع بعد مرور 15 جولة جاء حديث غاسبريني عن أكاديمية النادي التي تشبه قليلا أتلتيك بيلباو في نقطة الاعتماد على مدينة بيرغامو نفسها كمصدر للمواهب كما يحدث مع النادي الإسباني المنحدر من إقليم الباسك. (8)

  

وفي قصة رومانسية من تلك التي تحدث في الظل، أنهى أتالانتا موسمه الأول مع غاسبريني في المركز الرابع المؤهل للدوري الأوروبي، نظرا لأنه وقتها كانت 3 فِرَق فقط تتأهل لدوري الأبطال من الدوري الإيطالي، وتذكَّر أن هذا حدث بعد 8 أشهر فقط من صراع على الهبوط انتهى بالنجاة واحتلال المركز الثالث عشر. (9)

   

فصل جديد
فريق أتلانتا (رويترز)

   

هنا نحن في مرحلة ما بعد التأهل الأوروبي، فصل لم يحصل فيه غاسبريني على الدعم المناسب، بل إنه بدأ في فقدان نجومه الذين صنعهم بنفسه، باستوني وغاليارديني إلى إنتر مقابل 50 مليون يورو، كونتي وكيسي إلى ميلان مقابل 32 مليون يورو، ثم التعاقد مع مجموعة من الصاعدين أبرزهم دي رون من ميدسلبرة مقابل 13 مليون يورو. (10) بالنسبة للدوري الأوروبي، وقع أتالانتا في مجموعة صعبة تضم أولمبيك ليون وإيفرتون وليماسول، تلك التي أنهاها مُتصدِّرا بـ 14 نقطة، ولكن لسوء حظه اصطدم ببوروسيا دورتموند في دور الـ 32، وخرج بسيناريو دراماتيكي بأربعة أهداف مقابل ثلاثة في مجموع اللقاءين، أشياء حدثت في الظل كسابقتها بالطبع. (11)

  

على مستوى الدوري الإيطالي تراجع ترتيب أتالانتا إلى المركز السابع، وهو تراجع منطقي نظرا لما حدث في الميركاتو قبل بداية الموسم، ولكن غاسبريني لم يتراجع عن التحضير لمشروعه، وهذه المرة بدأ ذكر مصطلح دوري أبطال أوروبا في بيرغامو. حديث شجاع بالطبع من مدرب أكثر شجاعة، ولكن ماذا عن آلية التنفيذ في ظل عدم توفر أي دعم إضافي بعد نقلة نوعية حدثت للفريق في موسمين فقط؟ (12)

  

بنظرة أكثر قربا، لا يبدو التعامل مع تشكيل مغاير في كل موسم سهلا، وقطف ثمار عملك مبكرا ورحيل النجوم الذين تصنعهم إلى الأندية الكبرى وعدم تعويضهم كفيل بإفساد أي مشروع مهما بلغت درجة التخطيط له، ولكن الرجل قرّر إعادة التجربة من البداية، النجاح مرة يجعلك قادرا على تكرار الأمر. عبارة سينمائية؟ لا يهم، السيناريو كان سينمائيا منذ بدايته.

   

ستُشرق الشمس وسنحاول مرة أخرى

قبل بداية الموسم، لم يمانع غاسبريني في أي شيء سوى أنه اشترط التعاقد مع دوفان زاباتا من سامبدوريا، والذي جاء مقابل 14 مليون يورو فقط كأغلى صفقة يقوم بها النادي في تاريخه. تذكَّر أن موسم 2019 بدأه غاسبريني دون كلٍّ من كالدارا وكوريتش وكونتي وكيسي وغاليارديني وبيتانيا وسبيناتزولا وكريستانتي ودي رون، 8 لاعبين من تشكيل أساسي لم يكن موجودا قبل أن يأتي الرجل من الأساس. (13)

    

دوفان زاباتا (غيتي)

  

بالعودة إلى المنطق، ووفقا لما هو مألوف، فإن الموسم الثالث مع المدرب نفسه غالبا ما يشهد التراجع وبداية الانحدار، وفي حالة أتالانتا ومع غياب الأموال يصبح ذلك الفرض أكثر قابلية للحدوث، ولكن كل ذلك يبدو كنهاية طبيعية ومنطقية، وتذكَّر أن الرجل الثوري صاحب الشعر الأبيض لا يُحبّ ذلك.

  

موسم 2019 بدأ البعض في متابعة أتالانتا عن قُرب، الموسم الذي فاز فيه الفريق على إنتر بالأربعة مع الرأفة ويوفنتوس بالثلاثة في الكأس، وانتهى بحسم بطاقة التأهل للأبطال لأول مرة في تاريخ النادي، ليَفي الرجل بوعده ويُكلِّل جهوده بالوصول إلى أعلى نقطة نجاح شهدتها بيرغامو منذ بدأت فيها ممارسة كرة القدم. (14)

    

التكتيك؟

بالحديث عن غاسبريني لا يمكن أن تُغفل التفاصيل التكتيكية، الرجل الذي صنّفه مورينيو بأنه أصعب مدرب واجهه في مسيرته تكتيكيا وأشاد به غوارديولا في مرات عدة، حتى إنه تلقّى اتصالا من السبيشيال وان بعد سنوات من مغادرته لإيطاليا يُبلغه فيه أنه أحد أبرز متابعيه وأشد المعجبين بما يُقدِّمه في دوري الدرجة الثانية الإيطالي مع باليرمو. فرانك دي بور خرج عقب مواجهته الأولى أمام غاسبريني ليقول إن المباريات في هذا البلد معقدة جدا على مستوى التكتيك، أشياء تكفي لجعل تجربة الغوص داخل تفاصيل كرة القدم التي يلعبها مثيرة للغاية. (15)(16)(17)

  

على المستوى الخططي يعتمد غاسبريني على رسم 3/4/1/2 يتحوّل أحيانا إلى 3/4/2/1، النقطة الأولى والأهم هنا اللعب بـ 3 مدافعين في الخلف، لماذا الأهم؟ لأن قطاعا عريضا من متابعي اللعبة يتهم المدرب الذي يفعل ذلك بالميل إلى الدفاع فقط، واللعب بـ 10 لاعبين في منطقة جزائه والبحث عن المرتدات مرة كل 15 دقيقة علّها تأتي بالهدف. هذا يحدث أحيانا، ولكن وجب الذكر بأنه ليس قاعدة ولا يمكن وصم مدرب بأي شيء بناء على رسمه التكتيكي فقط، ولا نحتاج إلى أن نُذكِّرك أن مثل هذه الأرقام غالبا لا تُعبِّر عن شيء، ووجودها مجردة لا يُمثِّل الكثير.

      

ما أثار إعجاب غوارديولا في بناء غاسبريني الهجومي هو تشابه الثنائي في الاعتماد على وصول الكرة إلى داخل منطقة الجزاء قبل لحظة إنهاء الهجمة
     

بالنسبة للدفاع، الأمر يتعلّق بالكيفية وليس بالكمية، هذا بالنسبة لكل الأشياء، ولكن دعنا من ذلك ولنقف مع حالة الدفاع تحديدا، متى تعترض ومتى تلتحم ومتى تأخذ قرارا بالخروج من مكانك ومتى تُقرِّر عدم الصعود؟ ذلك بالطبع بناء على اختيار ما بين الدفاع إما رجلا لرجل، وإما دفاع منطقة، وإما الجمع بين هذا وذاك. بالنسبة لغاسبريني، ففي حال واجهته أنت على موعد مع مطاردة لاعبيه لك في كل أرجاء الملعب، فلا تظن أنه سيضع مدافعيه في منطقة جزائه وينتظرك أن تأتي لمناطقه، سيصعد بهم من أجل افتكاك الكرة مبكرا والشروع في بنائه الهجومي.

   

"بدأت المباراة بمهاجمين اثنين فدافعوا بثلاثة، وحين غيّرنا الطريقة إلى ثلاثة مهاجمين دافعوا بأربعة، تصوّرت أنني سأخدعهم بالاعتماد على أربعة مهاجمين لكن مدربهم خلال ثوانٍ دافع بخمسة، لم أرَ مثل هذه المرونة والقدرة على التغيير والتأقلم، أعتقد أن غاسبيريني هو المدرب الأصعب الذي واجهته"

جوزيه مورينيو بعد واحدة من مبارياته ضد غاسبريني.

   

كيف تُهاجم إذن؟ الاعتماد على 3 مدافعين يُعزِّز من قاعدة البناء في الخلف، التمريرات العمودية اعتمادا على تفريغ المساحات في الوسط، الأمر الذي يساعد فيه تقدُّم الأظهرة وتحرُّك لاعبي الوسط على الأطراف من أجل منح مساحة أكبر من الحرية في القلب، ليخرج المدافع الثالث بالكرة ويرسل التمريرة العمودية أو ينقلها إلى لاعبي الارتكاز من أجل التقدُّم بها، مع وجود خيار إرسالها إلى الظهيرين المتقدمين واللعب بشكل عرضي، بالنظر إلى أنطونيو كونتي أبرز مدربي العالم لعبا بـ 3 مدافعين ستكون الأمور واضحة أكثر، سواء كان ذلك مع يوفنتوس أو تشيلسي أو إنتر أو منتخب إيطاليا. الطريقة واحدة، فقط بعض التفاصيل هي ما يختلف من رحلة إلى أخرى.

  

ماذا عن مصطلح المهاجم المحطة (Target Man)؟ عليك أن تتساءل حول إصرار كونتي على التعاقد مع روميلو لوكاكو رغم تراجع قدراته التهديفية ووجود خيارات أفضل من حيث تسجيل الأهداف. الإجابة ستكون في شرح كلمة محطة، وكيف يُمثِّل هذا المهاجم ضغطا على مدافعي الخصم حتى يمنح الحرية لزملائه، كيف يستلم الكرات الهوائية ويوزِّعها ويتحرّك، كيف يهبط لمساعدة لاعبي الوسط ومنح حرية الحركة للاعب رقم 10 أو لاعب الوسط الذي يُجيد التقدُّم بالكرة، وهذا كان واضحا بالنسبة لغاسبريني الذي اعتمد على بيتانيا في هذا الدور رغم تراجع سجلاته التهديفية، الرجل لعب في موسمين 63 مباراة وسجّل 11 هدفا فقط، لكنه ظل أساسيا طوال فترة وجوده في أتالانتا لأنه يُجيد القيام بما يريده المدرب. (18)

  

ما أثار إعجاب غوارديولا في بناء غاسبريني الهجومي هو تشابه الثنائي في الاعتماد على وصول الكرة إلى داخل منطقة الجزاء قبل لحظة إنهاء الهجمة، فضلا عن الحلول الأخرى كالتسديد من بعيد، ولكن الرجل يعتمد على البناء بشكل منظم حتى يصل بالكرة إلى المنطقة التي تسمح بتسجيل الهدف بشكل متفق عليه وليس ارتجاليا. بالطبع فارق الإمكانيات بين مانشستر سيتي وأتالانتا كفيل بتفسير كثرة الفرص الضائعة لفريق مدينة بيرغامو، ولكن النقطة المفصلية هي أن الغاية واحدة حتى وإن لم تتشابه وسائلها. المفارقة هنا أننا على أعتاب 2020 وما زال البعض يتعامل مع أي خطة تتضمن وجود 3 مدافعين في الخلف على أنها منتهية الصلاحية.

   

  

101 % إيمان

بالنسبة للمشاريع المشابهة قد يبدو الوصول إلى دوري أبطال أوروبا الغاية ونقطة النهاية، تلك التي يبدأ بعدها انحدار المشروع وبحث المدرب عن وظيفة جديدة، ولكن غاسبريني كان مؤمنا بأن الوصول إلى دوري الأبطال ليس إلا بداية فصل جديد من روايته السينمائية التي نسج خيوطها من الألف إلى الياء.

  

في يناير/كانون الثاني الماضي، وافق نجم الفريق أليخاندرو غوميز صاحب الـ 34 عاما على عرض قياسي من الهلال السعودي، 30 مليون يورو ستدخل خزائن النادي وراتب يقترب من 10 ملايين يورو. عرض لا يمكن رفضه بالطبع من لاعب في هذا العمر، ولكن تحت ضغط غاسبريني على الإدارة وإقناعه للاعب تم رفض العرض. لماذا؟ من أجل الوصول إلى دوري الأبطال. (19)

    

أليخاندرو غوميز (غيتي)

   

انتهى الموسم بالنجاح في تحقيق حلم التأهل لدوري الأبطال، وتجدَّد عرض الهلال لغوميز في الصيف، ولكن هذه المرة اللاعب نفسه هو مَن رفض الأمر من أجل خوض تجربة دوري أبطال أوروبا مع أتالانتا. إذا وصلت إلى هذه النقطة فأنت لا تحتاج إلى تفسير لتحوُّل رغبة اللاعب في 6 أشهر فقط، العمل مع رجل كغاسبريني يجعلك تؤمن بالشغف والأحلام وإن كنت أشد البشر كفرا بهما، وبناء على ذلك لا نحتاج إلى شرح كيفية إيمان المدرب المخضرم بالصعود إلى ثمن نهائي أمجد الكؤوس الأوروبية رغم تحقيق نقطة واحدة في المباريات الأربعة الأولى من دور المجموعات. (20)(21)

    

مساحة التجربة والخطأ

في البداية ذكرنا فشل غاسبريني في الفوز خلال أول 5 مباريات له مع إنتر وانتهاء التجربة بإقالته المبكرة، ثم تكرار السيناريو ذاته بعدها بـ 5 سنوات مع أتالانتا، وبينما كان الرجل قاب قوسين أو أدنى من الإقالة بدأ ثورته اعتمادا على لاعبي الأكاديمية، وهو ما يفتح بابا للحديث عن تفاوت مساحات التجربة والخطأ بين الأندية تناسبا مع حجمها وطموحاتها.

  

البعض يؤمن بأن النجاح مع الفِرَق الصغيرة أصعب لأنه يتم بإمكانيات أقل، والبعض يرى أن ارتفاع طموحات الأندية الكبرى يجعل الأمور أكثر صعوبة حيث إن مقاييس النجاح بها لا ترحم، والفوز ببطولة كل عام قد يُعَدُّ فشلا ويؤدي بك إلى الإقالة، وهو ما يجعل شرطية نجاح المدرب ذاته مع فريق كبير بناء على نجاحه مع فريق أقل على مستوى الإمكانيات ليست حتمية.

     

يبدو أن بعض المدربين يحتاجون إلى مساحة من التجربة والخطأ، مساحة غير مشروطة على المدى القصير، تلك التي تسمح لهم بإخراج منتج نهائي باهر في النهاية
     
في إنتر لم تكن العناصر الموجودة في 2012 تُصنَّف كلاعبي صفٍّ أول، ولكنّ ناديا بحجم النيراتزوي لا يمكن أن يخسر مبارياته الخمس الأولى في الدوري الإيطالي، وفي حال قرّر غاسبريني إبلاغ موراتي بأنه سيلعب بلاعبي الأكاديمية في إنتر أو أنه يحتاج إلى ثورة مشابهة فإن الأمر لم يكن لينتهي به بالإقالة فقط، بل ربما التشكيك في سلامة قواه العقلية.
  

بيان الإقالة من إنتر فُسِّر بالجمود التكتيكي للرجل وإصراره على اللعب بـ 3 مدافعين في الخلف، الأمر الذي لجأ إليه النادي اليوم مع أنطونيو كونتي وحقّق به أفضل بداية للدوري الإيطالي في تاريخ النيراتزوري على الإطلاق، صحيح وأن الإدارة يومها لم تكن هي ذاتها الموجودة اليوم، ولكن المفارقة هنا أن الصبر على غاسبريني ربما كان طوق النجاة لتجنّب سنوات الانحدار الأخيرة، خاصة أن النادي قام بعدها بتغيير 7 مدربين في أقل من 5 سنوات قبل الاستقرار على سباليتي ومن بعده كونتي. (22)(23)(24)

  

ونظرا لذلك، يبدو أن بعض المدربين يحتاجون إلى مساحة من التجربة والخطأ، مساحة غير مشروطة على المدى القصير، تلك التي تسمح لهم بإخراج منتج نهائي باهر في النهاية، نظرا لأن سكاكين الصحافة والجماهير والإدارة لا تكون بالحدة نفسها في لحظات الفشل الأولى، وهو ما يُفسِّر الفارق بين تجربة غاسبريني المأساوية في إنتر وتلك الإعجازية في أتالانتا، وما حدث مع جيامباولو في سامبدوريا من نجاح وانتهى بمأساة جديدة في ميلان، ومعها مئات القصص المشابهة التي تبدو غير قابلة للفهم بناء على النظرة السطحية المعتادة.

    

هذه دعوة عامة إلى الجميع بأن نشاهد معا كرة القدم التي تُلعَب في الملعب، وأن نستمتع بها وبهذه القصص، وأن نعطي لغاسبريني وأمثاله حقهم أيًّا كانت نهاية قصصهم
   

الحياة ليست سينما، ولا يوجد أي ضمان لتكرار النهاية السعيدة في كل القصص المشابهة، بل إن أغلبها يُدفن في الرمال لأنه ينتهي بشكل كارثي قبل أن يبدأ، ولكن على الأقل هناك مساحة تسمح بحدوث المعجزات في الزمن الذي يُعتقد فيه أنها انتهت، بشرط وجود رجال مؤمنين بذلك، وبشرط أن يدعموا إيمانهم هذا بكثير من العمل وعدم رفع الراية البيضاء مع السقوط الأول.

  

والأهم من كل ذلك أنه في حالة نجاح هذه القصص فلا بد ألا يكون التعامل معها سطحيا، بأن نتغنّى بأسماء أبطال الرحلة وننسى أسماءهم صباح اليوم التالي، أو أن نسخر من الحالات المشابهة لأنها لم يُكتب لها التوفيق في اللقطة الأخيرة. تذكَّر كل ما قيل عن غاسبريني وأتالانتا بعد الهزائم الثلاثة الأولى في دوري الأبطال هذا الموسم وما قيل بعد الصعود، وتذكَّر أن الفارق بين هذا وذاك كان شهرا واحدا، وأن المعطيات كانت هي ذاتها ولكن الغالبية نظروا إلى لوحة النتيجة فقط وقرّروا أن يسردوا أحاديثهم بناء عليها.

  

هذه دعوة عامة إلى الجميع بأن نشاهد معا كرة القدم التي تُلعَب في الملعب، وأن نستمتع بها وبهذه القصص، وأن نعطي لغاسبريني وأمثاله حقهم أيًّا كانت نهاية قصصهم، وأن نُشيد بالمحاولة لا بما نتج عنها، وأن تتضمّن مساحة الإشادة مَن لم يتذوقوا لذة الوصول ورغم ذلك لا تنقطع محاولاتهم، وأن نؤمن حقا بتلك العبارات الحالمة التي نكررها نظريا فقط رغم أننا نطعن في صحتها كل يوم على أرض الواقع. هل تتذكَّر تلك القصة الشهيرة التي يبحث فيها المغامرون عن الكنز ويكتشفون في النهاية أن الكنز في الرحلة؟ الآن يمكننا أن نضع نقطة النهاية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة