النتائج الثقيلة في كرة القدم.. احترام للمنافسة أم إهانة للخصم؟

ميدان – النتائج الثقيلة لكرة القدم

لا أحد يعلم على وجه التحديد كيف بدأت كرة القدم بشكلها الحالي، يعتقد البعض أنها بدأت بين عُمّال الموانئ والسكك الحديدية في إنجلترا ثم انتقلت بواسطتهم إلى شعوب أميركا الجنوبية، ومنهم إلى باقي دول العالم، بينما يعتقد آخرون أنها بدأت بين بعض الطبقات الفقيرة في العصور الوسطى في أوروبا وانتقلت منهم إلى طبقات البرجوازيين والأغنياء، بل ويؤمن البعض أنها كانت قبل ذلك بكثير وقد مارسها قدماء المصريين والشعوب الصينية القديمة ودوّنها بعضهم على الآثار والمعابد التي ما زالت موجودة حتى الآن.

 

أيًّا كانت البداية، فإن كرة القدم استمرت زمنا تُلعب في الشوارع بدون قيود أو شروط، يكفي أن يجتمع عدد مقبول من البشر ومعهم كرة في مكان ما حتى يبدأ الصراع، وما يلبث اللعب أن يبدأ حتى ينطلق الجميع يتحركون وراء هذة الكرة دون تنظيم أو مراكز محددة، أو حتى وقت محدد، إذ لا يكون هناك حكم في كرة الشوارع، وإنما يكتفي الجميع بأن يُنظِّموا الأمر بأنفسهم دون تدخل خارجي.

 

كذلك لا يوجد هناك أي قوانين مُعلنة معروفة تُنظِّم هذة اللعبة، رغم أنها موجودة، لكن الجميع يعمل بها دون دراية أو معرفة بكونها قانونا أم لا، ولعل أهم تلك القوانين غير المُعلنة قانون التكافؤ، والذي يقتضي أن يتوزع العدد الحاضر على فريقين متساويين في القوة، وكانت هذه العملية تُسمى "التقسيم"، بحيث يبرز اثنان من الحضور يكونان في الأغلب أفضل الموجودين، ويختار كل واحد منهم لاعبا بالتبادل حتى يكتمل الفريقان في محاولة لموازنة القوة بين الفِرَق. وحتى لو فشلت تلك المحاولة وظهر تفوّق أحد الفِرَق على الآخر بعد بداية اللعب، فإنهم يلجؤون إلى إعادة توزيعها مرة أخرى لضمان أكبر قدر ممكن من التكافؤ وبالتبعية تنافسية أعلى ومتعة أكبر.

  

  

كان هذا قبل أن تلتقط اللعبة أيدي رجال الأعمال والحكومات الذين أخذت تتغير معهم كرة القدم وتتشكّل، حتى صارت هناك مباريات رسمية وملاعب مُجهَّزة ومدرب وحكم وقوانين مُعلنة واتحادات محلية وعالمية تُنظِّم هذه القوانين، وقبل أن يتحوّل اللاعبون من هواة يستمتعون باللعب إلى موظفين يتقاضون أجرا على ممارسة اللعبة، وقبل أن تلتهمها دوامة الرأسمالية وتحوّلها إلى صناعة لا هدف منها سوى جني الأرباح، وبالطبع قبل أن يكون هناك إبراموفيتش وناصر الخليفي والشيخ منصور، أي قبل أن تتم كرة القدم رحلتها الحزينة من المتعة إلى الواجب على حدِّ تعبير إدواردو غاليانو.(1)

 

لماذا نحن هنا؟

في التاسع من يناير/كانون الثاني، كان فريق بورتون ألبيون على موعد مع مباراته الأهم تقريبا خلال السنوات الأخيرة، الفريق يقبع في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي ولا ينافس حتى على مراكز الصعود إلا نادرا، لكنه بطريقة أو بأخرى قد تمكّن من الوصول إلى نصف نهائي كأس الكارباو في إنجاز ربما هو الأكبر في تاريخ النادي. أوقعته القرعة في مواجهة مانشستر سيتي، وهي مباراة رغم صعوبتها فإنها تضمن فرصة أكبر للظهور، في حالة فريق كبورتون، وفي مرحلة كهذه، فإن مواجهة بطل الدوري الإنجليزي هي أقصى أمانيهم، لكن مَن يدري، ربما تستمر المغامرة وتحدث معجزة تصل بالفريق إلى النهائي. المعجزات لا تحدث إلا نادرا؟ نعم، الجميع يعلم ذلك، لكن الحماس يخدعك دائما ويوهمك أنك الوحيد القادر على فعل هذه المعجزة رغم استحالتها.

 

دخل لاعبو بورتون ملعب اللقاء بآمال عريضة وطموحات هائلة، وكل واحد منهم يُمنّي نفسه بأن يُقدِّم مباراة عمره في هذا اليوم حيث يشاهده الجميع، لكن أحلامهم وطموحاتهم تلك لم تستمر سوى خمس دقائق فقط بعد بداية اللقاء، والتي رآها ديبروين لاعب السيتي مدة كافية لأحلام هؤلاء اللاعبين، وقرر عندها أن يأذن لعداد النتيجة في الدوران، فأحرز هدف اللقاء الأول، ثم تبعه زميله جابرييل خيسوس بهدفين وزيتشينكو هدف، قبل أن يدخل الفريقان إلى غرف الملابس، والتي لم تكن أكثر من هدنة مؤقتة قبل أن يعود لاعبو بورتون لمواجهة مصيرهم المحتوم، والذي رأى لاعبو السيتي أن خمسة أهداف أخرى غير الأربعة كانت مصيرا مقبولا لطموح هؤلاء الشباب، وفقط عند 9 أهداف مقابل لا شيء توقف عداد النتيجة عن الدوران.

     

     

قد يبدو أنه لا شيء غريب في هذا الحدث، نحن نشاهد مثل هذه النتائج في كل أنحاء العالم تقريبا، ولا تكاد تخلو بطولة من نتيجة مماثلة، بل إن سجلات كرة القدم حافلة بأضعاف هذه النتيجة. وإذا كان هذا يحدث في مباريات المستويات العليا في كرة القدم، فما بالك بالمستويات الأقل؟ لا بد أن هذه النتائج تحدث يوميا هناك، بل إن السيتي نفسه قد فعلها عدة مرات في الموسم نفسه وفاز بخمسة أهداف أو أكثر في ١١ مناسبة، لذلك قد ترى أنه لا مشكلة في مثل هذه النتائج، وهذا تحديدا ما نحن هنا لمناقشته.(2)

     

بين الاحترام والاحترام

عادة ما يطرح الفوز بمثل هذه النتائج جدلا أخلاقيا لا ينقطع، وهو جدل قديم يتجدد كلما حدثت نتيجة مشابهة، لا يقتصر الأمر فيه على صفوف المشجعين وحسب، بل يمتد إلى أغلب عناصر اللعبة الفاعلين كالمدربين والإدارات، وينقسم الناس في هذا الصراع إلى فريقين: أحدهما يرى أنه لا مشكلة في الأمر، وأن كرة القدم لا تعرف الرحمة، وأنه ما دام الفريق الفائز قادرا على إضافة المزيد فهذه فرصة لا ينبغي أن يضيعها، وأن عليه أن يحاول إذلال خصمه ما دام بإمكانه ذلك، بينما يرى الآخر أن هذا ينافي روح كرة القدم وينتقص من الاحترام المطلوب في المنافسة، وأن اللعبة التي وُجدت للمتعة لا ينبغي أن تشهد نتائج مشابهة، لكن المشترك أن كلا الطرفين يؤكد في حزم أنه يفعل ذلك احتراما لكرة القدم وللروح الرياضية.

 

أما عن الرأي الثاني، فقد تراه أنت مثاليا من وجهة نظرك، لكنه يجد دعما وتأييدا من الكثيرين، وتقف طائفة كبرى من المشجعين وراءه، طائفة تؤمن بأن الاحترام يسبق المنافسة، وأن الرياضة تدور حول الأخلاق قبل أن تدور حول الفوز، وأن إذلال المنافس ليس هدفا يسعى إليه أحد، لأنه مهما بلغت الخصومة فهي خصومة رياضية لا ينبغي أن ترتقي أبدا إلى ما هو أبعد من ذلك.

    

  

وربّما يقف على رأس هؤلاء المدافعين، وقد يكون صاحب الموقف الأكثر حِدة حيال إحدى هذه النتائج، رئيس أحد الأندية الإيطالية والذي قرر قبل أسابيع إقالة مدرب فريق الناشئين في ناديه وتقديم اعتذاره للجميع وذلك بسبب فوزه بنتيجة 27/0 على أحد الفِرَق المنافسة، والذي اعتبره رئيس النادي مناقضا لقيم كرة القدم وينتقص من احترام الفريق المنافس. وقد يبدو في هذا بعض المبالغة بالطبع، إلا أن الرجل كان وفيا لمبدئه، وما يمنح رأيه وجاهة أكبر كون المباراة كانت في إطار مباريات الناشئين وهي التي يكمن هدفها الأول في الحصول على الخبرة والتجربة وتعلّم قيم الرياضة وليس إذلال المنافس بهذا الشكل.(3)

  

أما عن الرأي الأول، وهو الرأي الذي تتبناه الأغلبية، فيرى هؤلاء أنه لا مجال لهذه المثالية في كرة القدم، وأن إذلال المنافس فرصة لا تتكرر، وأن كرة القدم تقوم على إحراز الأهداف ولا مبرر للتوقف عن ذلك، وأن ضعف المنافس أو نقص قدراته هي مشكلة تخصه وحده ولا تستلزم أن يتعاطف معه أحد، وأنه ما دام الفريق المنافس لم يُبدِ أي ردة فعل فهو يستحق ما يلقاه أيًّا كان، وكذلك يؤمن أغلبهم أن الاحترام يكمن في إكمال المباراة بالأداء نفسه، لأن التوقف قد يعني إهانة الخصم وينتقص من شرف المنافسة، وهو رأي قد يكون صحيحا أحيانا لكنه لا يكون كذلك دائما.

     

   

حق يراد به باطل

على ذِكر مباراة بورتون ألبيون، فإن غوارديولا خرج في المؤتمر الصحفي بعد المباراة ليؤكد أنه طلب من لاعبيه بين شوطي المباراة مواصلة اللعب ومحاولة إحراز عدد أكبر من الأهداف واستغلال اندفاع الخصم لمحاولة التسجيل، واعتبر أن هذا هو أفضل شيء يمكن فعله لإظهار الاحترام للمنافسة وللخصم على حدٍّ سواء، وربما يشارك بيب في هذا الرأي الكثيرين، لكن دعنا نناقش الأمر.(4)

     

   

يبدو كلام بيب صحيحا للوهلة الأولى، توقّفك عن اللعب سيُعَدُّ إهانة للخصم وانتقاصا من قدره، ومن تمام الاحترام أن تستمر في اللعب حتى يُطلق الحكم صافرته، هذا هو احترام الخصم بالفعل، لكن أزمة بيب أنه غفل أو تغافل أثناء حديثه عن أن يتذكر عن أي خصم يتحدث تحديدا، لا نعلم هل كان بيب يعرف أن الخصم الذي يتحدث عنه كان يحتل تاسع دوري الدرجة الأولى الإنجليزي، وأن القيمة السوقية لهذا الفريق تبلغ 5 ملايين يورو فقط، خمسة ملايين يورو هذه لا تُعادل قيمة لاعب واحد من لاعبي غوارديولا، بل لا تصل قيمتهم مجتمعين لقيمة برناردو سيلفا مثلا، بيرناردو سيلفا الذي كان يجلس على دكة الاحتياط ولم يدخل إلا في الشوط الثاني، لماذا؟ لأن رياض محرز الذي يعادل ثمنه عشرة أضعاف فريقهم بالكامل كان في أرض الملعب، هذا هو الخصم الذي يتحدث عنه غوارديولا.(5)(6)(7)

  

وكمّا تحدث الصحفي الإنجليزي أدريان دورهام لصحيفة talk" "sport بعد اللقاء، فإن فوز السيتي كان مُهينا لبورتون، وأنه من المؤسف أن تخلو كرة القدم من التعاطف بهذا الشكل، وتساءل أدريان عن جدوى ما فعله السيتي؟ وهل كان بورتون يستحق الهزيمة بهذه النتيجة؟ وهل كانت 9-0 خاتمة مناسبة لطريقهم المشرف في البطولة بهذه الميزانية المحدودة؟! وهي النتيجة التي ستبقى وصمة عار تُلازمهم للأبد، وربّما تؤثر على مسيرة أحد هؤلاء اللاعبين بالكامل إذا لم يقدر على التعامل مع الأمر بشكل جيد، كما حدث مع عدة لاعبين من قبل ما زالت مثل هذه النتائج تطاردهم حتى الآن.(8)

  

وحين نتحدث عن الصراع الأخلاقي في هذه الحالة، فلا مجال للحديث عن صراع المنفعة والأخلاق، هذا صراع لا مكان له هنا، لأنه لا توجد أي منفعة قد تعود من فوز كهذا، هذه مباراة كأس، ما يعني أن ثلاثة أهداف تكفيك لبلوغ الدور القادم تماما كما تفعل تسعة أهداف، وليس هناك تاريخ من العداوة بين السيتي وبورتون يستدعي التشفى فيهم مثلا، وبورتون ليس منافسك على البطولات فيكون إذلاله لأجل أن ينهزم لاعبوه نفسيا أمامك في المواجهات القادمة، بل في الغالب إن لاعبي السيتي لن يواجهوا لاعبي بورتون هؤلاء مرة أخرى، فما المنفعة المحتملة من هذه النتيجة؟

     

مباراة بورتون ومانشستر سيتي (رويترز)

  

حين تتمكّن من الفوز بالكلاسيكو بخماسية، أو تقود الأهلي لسحق الزمالك بسداسية، أو تهزم البرازيل بسباعية بينما تقود ألمانيا، فهذه مباريات للتاريخ، لا ينساها الفريقان مهما حدث، وتبقى في الذاكرة لمدة طويلة، وخصمك فيها في مستواك نفسه تقريبا، ويمتلك مواردك نفسها، وهو قادر على مواجهتك وبينكما تاريخ من العداوة يسمح بالتشفي، وقد تفوز أنت اليوم ويفوز هو غدا والأمر سجال بينكما، وهذا سياق يختلف تماما عن سياق الأندية الضعيفة، كذلك لأنك هنا تجني منفعة ومكاسب كبرى من وراء هذه النتيجة، قد تتمثّل في زيادة ثقة لاعبيك أو في انهزام لاعبي الغريم نفسيا عند مواجهتك مرة أخرى، أو غير ذلك، المهم أن هذه منفعة واضحة تعود من تلك النتائج، لذلك في هذه الحالة من الصعب أن يطالبك أحد بالتوقف عن التسجيل مهما بلغت النتيجة، وحينها قد يكون تصريح غوارديولا منطقيا، لكن حين تفوز إسبانيا على تاهيتي بعشرة أهداف، أو حين يكتسح الأهلي صغار الجونة ب 13 هدفا، فالأمر لا يتجاوز الاستقواء واستعراض العضلات.

 

ملكيون أكثر من الملك

ورغم أن كرة القدم مليئة بمواقف مشابهة لموقف غوارديولا فإنها كذلك مليئة بمواقف معاكسة كان فيها الاحترام هو القيمة الأهم، ويبرز منها موقف إيكر كاسياس في يورو 2012، حيث كانت إسبانيا تواجه إيطاليا في المباراة النهائية، وكانت النتيجة تشير إلى تقدُّم الإسبان بأربعة أهداف نظيفة، وفي الوقت بدل الضائع التقطت العدسات كاسياس وهو يتوجه نحو حكم الراية ويطالبه بإنهاء المباراة وإظهار الاحترام لإيطاليا، وقد أطلق الحكم صافرته بالفعل بعد لحظات، لكن موقف كاسياس كان رائعا بلا شك، رغم كون إيطاليا خصما في مستوى إسبانيا نفسه تقريبا وقد يحق لإسبانيا أن تفعل ما تشاء، لكن الاحترام أحيانا قد يسبق المنافسة.

 

ولعل ساوثجيت مدرب منتخب إنجلترا يمتلك موقفا مشابها هو الآخر، وكان ذلك في منافسات كأس العالم الأخيرة، حيث التقى منتخب الأسود الثلاثة بمنتخب بنما المتأهِّل للمونديال للمرة الأولى في تاريخه، وفي بداية شوط اللقاء الثاني، وبينما كانت النتيجة تشير إلى تقدُّم الإنجليز بخماسية، التقطت الكاميرات مدرب بنما وهو يتحدث مع ساوثجيت وبدا وكأنه يطالبه بتهدئة اللعب والاكتفاء بالنتيجة، وهو ما يبدو أنه حاول تنفيذه بالفعل وانتهى الشوط الثاني بهدف لكل فريق، واحتفلت بنما بأول أهدافها في المونديال بينما لم يخسر ساوثجيت ورجاله شيئا واكتسبوا احترام الجميع.(9)

   

   

ورغم أن من شأن ضعف المنافسة أن يُغضب الجمهور الباحث عن المتعة في المقام الأول، لأنه بعد الهدف الثالث غالبا ما تفقد الأهداف قيمتها وينتهي من المباراة العنصر الأساسي الذي يرغب المشاهد في متابعته، عنصر الصراع والمعاناة، والذي تفقد الرياضة قيمتها ومتعتها بدونه، ولا تكون سوى أكثر من مشهد متكرر معلوم النهاية، فإن الغريب أنك لو سألت أحد المشجعين عن رأيه في النتائج المماثلة فإنه غالبا سيخبرك أنه يستمتع بها جدا ويرغب في أن يكررها فريقه دائما، مع أنه لا متعة فعلية من وراء ذلك، لكن الحقيقة مع الأسف أن الكثير من جمهور كرة القدم يتعامل مع اللعبة كوسيلة لإثبات الأفضلية في الحياة عموما، وكوسيلة لتفريغ طاقته ورغباته في إذلال الآخرين، وتحويل حياة مشجعي الخصوم إلى جحيم لأن فريقه انتصر عليهم، ويساعده في ذلك أنها تبدو مكانا مناسبا بالفعل لممارسة ذلك دون محاسبة أو عقاب، هنا فرصة لأن يمارس العنصرية وأن يتمنى موت الخصم، وأن يطمع في فوز مشبوه، وأن يستمتع بمعاناة الآخرين، وكل ذلك دون أن يتهمه أحدهم بشيء، بل إنه سيُسمى مشجعا حقيقيا وفيا لا تأخذه رحمة بخصوم فريقه، على عكس المشجعين الضعفاء الذين يتعاملون وكأنها كرة قدم وحسب، وهؤلاء لم يَعُد لهم مكان في أوساط اللعبة هذه الأيام.

 

فئران وأسود

وبعيدا عن الرأي في النتيجة النهائية، فإن أزمة أكبر تكمن في سؤال لماذا؟ أي لماذا تصل النتيجة لهذا الرقم؟ ولماذا يحدث هذا بسهولة تامة دون أن يقدر الفريق المنهزم على المقاومة؟ وحينها لن تجد سوى إجابة وحيدة تفرض نفسها على الجميع، وهي أن مبدأ التكافؤ الذي كانت تتبعه كرة الشوارع لم يَعُد موجودا، ولسوء الحظ لم يَعُد بإمكان أحد أن يقوم بالتقسيم قبل بداية المباراة.

 

من المفهوم ألّا تكون جميع الفِرَق متساوية القوة تماما، ومن المستحيل تحقيق ذلك بالفعل، لكنها على الأقل يجب أن تكون متقاربة، أو أن تكون الفجوة بين الفِرَق في حدٍّ يجعل فوز أحدهما على الآخر مقبولا، هذا أساس الرياضة من الأصل، أن تشاهد صراعا لا تعرف نتيجته، لكن هذه الفجوة الكبرى بين مستوى الفريقين تنفي أي احتمالية لهذا التنافس أصلا، ويكون الصراع محسوما قبل أن يبدأ. قد تحدث مفاجأة ويفوز الفريق الأضعف؟ نعم قد يحدث هذا، لكن فرصته شبه منعدمة، وما يحدث فعليا أن المباراة تتحول إلى مسرحية هزلية سخيفة يقف فيها لاعبو الفريق الأضعف على المسرح لتلقي الإهانات طوال ٩٠ دقيقة ثم يضحك جمهور الفريق الفائز قليلا وينتهي الأمر.

   

   

وزيادة هذا الأمر في هذه الأيام لا يعني هذا أن كرة القدم كانت متكافئة طوال تاريخها، بل كما يقول جوناثان ويلسون، كبير محرري الغارديان في مقاله الذي نُشر عقب فوز السيتي في نهائي كأس إنجلترا على واتفورد بستة أهداف مقابل لا شيء، فإن كرة القدم دائما ما كانت تمتلك أندية غنية وأندية فقيرة، وإن الفجوة بين أندية النخبة والبقية كانت موجودة، لكنها أبدا لم تكن كالوضع الحالي، وإن الفِرَق مثل واتفورد وبورتون لم يَعُد لها أي أمل في هذا الصراع الحديث، وما دام لم يصل إليها أحد المستثمرين أو تتبناها إحدى الدول الغنية فإنها لن تكون سوى فطائر يلتهمها الكبار.(10)

   

يؤمن ويلسون أنه بدون هيكلة مالية جديدة للعبة فإننا نتجه نحو توسيع هذه الفجوة، خصوصا مع عقود البث الجديدة والتي ستزداد معها حصة الأندية الغنية، ومع الوقت فإن هذه الأندية ستزداد توحّشا، وسيظهر هذا التباين بشكل أكبر، وحينها لن تكون الأندية الفقيرة سوى مجموعة من الفئران التي نُلقي بها للثعبان ليلتهمها في هدوء، ويشاهد البعض هذا العرض ويستمتع به، بينما يكدّس آخرون الأموال من وراء ذلك.(11)

   

المؤسف أننا ننتقل إلى هذا الوضع بسرعة مخيفة، منذ سنوات قليلة كان الدوري الفرنسي أكثر دوريات أوروبا تنافسية، بل كان يعرف بطلا جديدا كل عام تقريبا عدا بعض فترات تفوق ليون ومارسيليا، لكن في لحظة واحدة، وهي اللحظة التي تم فيها ضخ الأموال إلى فريق باريس سان چيرمان، تحوّل كل شيء إلى مسرحية هزلية أخرى، ولم يعد الدوري يعرف غير ثعبان واحد ومجموعة فئران، يُمضي الثعبان موسمه في الاستمتاع بتمزيق هذه الفئران إربا، ثم يُخرجه ثعبان آخر من دوري الأبطال، فيعود وينفق المزيد من الأموال لأجل مضاعفة قوته، ليقدر على هزيمة ثعابين أخرى تفوقه حجما وتاريخا، فيخسر منهم، فيعود لدفع الأموال مرة أخرى، وهكذا، ولا أحد يدفع المقابل سوى هذه الفئران التي سيلتهمها مجددا في موسمه الجديد، وهكذا الوضع في ألمانيا وإيطاليا مع بعض التفاوت بالتأكيد.(12)

        

فريق باريس سان چيرمان  (رويترز)

   

وإذا كان هذا الوضع في الدوريات المحلية فإن دوري الأبطال لا يختلف كثيرا، انظر إلى هذه النسخة على سبيل المثال وستجد أن جميع الفِرَق المتأهّلة لثمن النهائي كانت من الدوريات الخمس الكبرى دون أن تحدث أي مفاجأة، بل كان صعود أغلب الفِرَق الكبيرة محسوما ودون أن يبذل أغلبهم الكثير من الجهد. في مقاله الذي نُشر قبل الجولة الأخيرة من دوري المجموعات، كتب جوناثان ويلسون عن تأثير عدم التكافؤ الذي قتل دور المجموعات، حيث لُعبت الجولة الأخيرة وقد حَسم نصف المتأهّلين تأهّلهم بالفعل، والبقية كانت تنتظر الجولة الأخيرة لتحسمه بهدوء، تشيلسي لم يكن يلزمه سوى الفوز على ليل متذيل المجموعة ليأمن عبوره، بينما واجه أتلتيكو مدريد لوكوموتيف موسكو من أجل بطاقة الصعود، وقد فعلوا ذلك بالفعل وعَبَر الجميع، والغريب أنهم فعلوا ذلك دون مجهود يُذكر، وبينما بدأ ريال مدريد مشواره في تخبّط وخسر من باريس وتعادل مع كلوب بروج فإنه لم يُعانِ مطلقا في حسم صعوده، وكذلك ليفربول الذي تعامل مع المباريات وكأنها فرصة للاسترخاء من عناء الدوري ومع ذلك تصدّر مجموعته في نهاية الأمر.(13)

  

ما المشكلة إذن من وجهة نظر ويلسون؟ المشكلة أن دور المجموعات مرّ بدون أي دراما، وبدون أن نرى مباريات كبرى مع أن المفترض أن البطولة تضم كبار القارة، لكن رغم ذلك تحوّلت البطولة إلى مجموعة من الفِرَق التي تحاول إظهار قدراتها في البداية ومحاولة تقديم صورة جيدة مثل كلوب بروج وسلافيا براغ وسالزبورغ، قبل أن تعود الفِرَق الكبرى وتستعرض قوتها وتُلقي بهذه الفِرَق خارج البطولة، ويرى ويلسون أن انعدام التكافؤ وانحسار المواهب في فِرَق معينة قد أدّى إلى تحوّل هذه الأدوار من البطولة إلى مجرد عملية إحماء طويلة، وتتركنا في انتظار المواجهات الحقيقية في فبراير/شباط حيث تتواجه الأندية الغنية مع بعضها، وحينها قد نأمل في مباريات بلا فوارق كبرى، لكن في ما عدا ذلك فإن دوري الأبطال قد تأثّر بالفجوة الضخمة بين الأندية الغنية والأندية الفقيرة تماما كما حدث في كل الدوريات.(14)

    

الفوز بهذه النتائج يعطي الفريق شعورا بأنه جيد أكثر من اللازم، وبدون إرادة منهم يتسرب إليهم شعور بأنهم أجود من اللازم، وأنهم قادرون على هزيمة أي خصم
  
أقوياء ولكن

على صعيد بعيد، وعلى عكس ما يتصور البعض، فإن أثر هذه النتائج لا ينفرد به الفريق المنهزم وحده، لكنه يطول بشكل أو بآخر الفريق الفائز، وقد تتسبّب هذه النتائج في خسائر للفريق الفائز قد تكون على هيئة تدخلات عنيفة على لاعبيه، أو من الممكن أن تتسبّب في تدهور مستواه دون أن يدري، أو على الأقل تعطيه شعورا مغلوطا عن مدى قوته قد يكون سبب خسارته يوما ما.

  

ذلك أن الفوز بهذه النتائج يعطي الفريق شعورا بأنه جيد أكثر من اللازم، وحتى مع تأكيد المدير الفني للاعبيه أن مستوى الخصم ليس مقياسا، ومعرفتهم الأكيدة بذلك، فإنهم بدون إرادة منهم يتسرب إليهم شعور بأنهم أجود من اللازم، وأنهم قادرون على هزيمة أي خصم، فما داموا فازوا اليوم بسبعة أهداف مثلا، فمهما بلغت قوة خصمهم القادم فهم قادرون على هزيمته بثلاثة على الأقل، وهكذا دون أن يدري الجميع يفقد اللاعبون دوافعهم للاجتهاد أو التركيز، وقد يصل هذا الإحساس إلى المدرب ذاته.

  

أسقط ذلك على حالة السيتي على سبيل المثال، ستجد أن انخفاض مستوى الفريق، ورغم أن له أسبابه الفنية والتكتيكية، فإن جزءا كبيرا منه يعود إلى تشبُّع هذا الفريق في العامين الماضيين؛ رغبة الجميع في العمل باتت أقل، وكذلك إرهاقهم الذهني الذي تكبدوه لأجل بلوغ قمة مستواهم في كل مباراة وإكمالهم العمل حتى الوصول لهذه النتائج في العامين الماضيين قد أثّر عليهم بشكل واضح، وبات هذا ظاهرا للجميع الآن.

    

فريق مانشستر سيتي  (رويترز)

   

كثرة الفوز بهذه النتائج تخدعك بتقدير مدى قوتك، ففريق كباريس يُمضي عامه بالكامل في الفوز بهذه الأرقام، ويتم ذلك بسهولة تامة ودون بذل أي مجهود أو خوض أي تحدٍّ، وبعد ذلك يتفاجأ الفريق في دوري أبطال أوروبا أنه ليس بالقوة التي يتخيلها ولا بالتكامل الذي تصوّره عن نفسه وأكّدته له هذه النتائج، وحينها يكون عليه اختبار ما لم يختبره من قبل ومواجهة خصوم لم يتعود على مثلهم في الدوري المحلي، ونتيجة هذا قد رأيناها مرارا.

  

نحو إنقاذ الفئران

الأكيد أن هذه النتائج لا تُفيد أحدا بقدر ما تضر الجميع، لكن مع ذلك يبقى من الصعب تلاشيها، لأنه لا أمل قريب لعودة التكافؤ إلى كرة القدم، بسبب تساهل المسؤولين في موضوع قانون اللعب النظيف، وبسبب سهولة التلاعب به من الأساس، وهو ما سيسمح بأن تزداد الأندية الغنية غنى والأندية الفقيرة فقرا، لن يتغير أي شيء غالبا، لكن الأهم أنه لا بد أن يبحث الجميع عن حل يضمن تخفيف هذه النتائج قدر الإمكان، حتى ولو كان ذلك سيضطرنا إلى تغييرات كبرى في قوانين كرة القدم أو هيكلة المسابقات.

  

قد لا يخلو اقتراح أنييلي رئيس يوفنتوس، بإنشاء دوري السوبر بين أندية النخبة في أوروبا، من وجاهة رغم طبقيّته، ويبقى حلا مطروحا بالفعل إذا استمرت هذه الفجوة الشاسعة بين أندية القمة والقاع، أو قد يكون قد حان الوقت لتحتوي كرة القدم على قواعد للرحمة أو ما يُعرف ب "the mercy rule" كحل متاح لتخفيف حدة هذه النتائج.(15) وهذه القاعدة موجودة بالفعل في بعض الألعاب الرياضية، ويتم وضعها لتجنيب الفريق الخاسر المزيد من الإذلال، عند مرحلة ما، يظهر أن الفريق الخاسر لم يَعُد لديه أي فرصة ممكنة للفوز أو معادلة النتيجة، وحينها يتم اللجوء لهذه القاعدة من أجل إنهاء هذا الوضع وتخفيف حدة الهزيمة.

     

"أندريا أنييلي" رئيس يوفنتوس (غيتي)

    

ويختلف تطبيق هذه القاعدة من رياضة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، ففي لعبة البيسبول على سبيل المثال، يمكن للحكم في المستويات الأقل من اللعبة إنهاء اللعبة إذا تقدَّم الفريق الفائز بعشرة أشواط أو أكثر بعد أربعة أدوار، ويزيد الحد إلى سبعة أدوار في المستويات العليا، لكن القاعدة نفسها موجودة، كما توجد قواعد مشابهة في كرة السلة في المدارس الثانوية تعمل في حالة تقدم أحد الفِرَق على الآخر بفارق ٣٠ نقطة، وبالمثل توجد هذه القاعدة في رياضات أخرى كتنس الطاولة وكرة القدم الأميركية، وحتى كرة القدم للمكفوفين تحوي قواعد مشابهة، والرياضة الأبرز التي تُطبَّق فيها القاعدة هي الملاكمة، حيث لا يحق لطرف أن يسحق الآخر، ويجب عليه أن ينتظر حتى يقدر على القتال من الجديد، كما يمكن للأخير أن ينسحب دون أن تقع عليه عقوبة، ومن حق الحكم أن يُنهي اللقاء في حالة شعوره بعدم التكافؤ، ويحدث هذا في الملاكمة رغم أنها تُقسَّم إلى أوزان محددة ومتقاربة لضمان أكبر قدر من التكافؤ على عكس كرة القدم.(16)(17)(18)

   

لكن ربما إضافة قواعد كهذه إلى كرة القدم قد تساعد، ولا يكون على الفريق الذي خسر بخمسة أهداف مثلا في الشوط الأول أن ينزل مرة أخرى ليواجه ٤٥ دقيقة أخرى من الإهانة والاستهزاء، لأن هذه ليست كرة القدم التي نتمناها بالطبع، والتي لا بد أن هناك حلا لتجنُّبها، سواء بإقامة دوري السوبر أو بتطبيق قواعد الرحمة، أو أيًّا كانت الطريقة، المهم ألّا تتحوّل الفِرَق الصغيرة بالكامل إلى مجرد فئران تُلقى للثعبان ليلتهمها مستمتعا، ونستمر نحن في الضحك عليهم، بينما غيرنا يجني الأموال ويحوّل كرة القدم إلى مسرحية هزلية سخيفة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة