أكاديميات كرة القدم الوهمية في أفريقيا.. لأن التفاحة المسمومة أفضل من الموت جوعا

قبل نحو عشرين عاما، وقفت السيدة غلوريا كوفور، والدة اللاعب الغاني صامويل كوفور والمحترف بصفوف بايرن ميونخ حينئذ، بجوار سيارتها الـ "BMW" بعد أن عادت من رحلة قصيرة إلى ألمانيا لتؤكد لصحفي الغارديان برايان أوليفر أنها لم تكن حزينة عندما رحل صامويل إلى أوروبا، بل كانت سعيدة للغاية ولم تعتبر ذلك أبدا نوعا من العبودية. (1)

  

"كان صامويل جيدا في كرة القدم وهو صغير وأردت مساعدته. لقد بعت تلفازا لدفع ثمن بعض الأحذية له. ساعدته والآن يمكنه مساعدتي".

   

رحل صامويل كوفور مستعينا بوكيل أوروبي نحو فريق شباب تورينو الإيطالي وهو دون السابعة عشرة، واستطاع أن يحقق مسيرة ممتازة في أوروبا موفِّرا مستوى معيشة مرتفعا لأسرته في غانا. تبدو تلك قصة سعيدة حتى نهايتها، لذا لا مجال للحديث مع أطرافها حول الحزن والعبودية وما إلى ذلك. لكن في مقابل قصة كوفور تلك هناك آلاف القصص الموجعة المرتبطة بكرة القدم وشباب أفريقيا الطموح. (2)

    

صامويل كوفور (رويترز)

  

يظل احتراف كرة القدم في أي بلد فقير هو الطريق المجرَّب لتسلُّق السلم الاجتماعي من الهاوية إلى القمة، ولا تختلف بلدان أفريقيا عن تلك القاعدة، بل تتصدر هذا المشهد بجدارة، فلا يوجد أفقر من أفريقيا، علاوة على أهمية اللاعب الأفريقي التي تتزايد في أوروبا بما يمتلكه من إمكانيات بدنية استثنائية وقدرة ملحوظة على التطور. تلك الرغبات المتبادلة بين الأندية واللاعبين لا ينقصها سوى وسيط ما يتولى عملية التنقيب داخل مناجم أفريقيا ليخرج باللاعب المناسب طبقا للمعايير الأوروبية، وهنا تبدأ القصة.

  

يتعرّض الكثير من لاعبي أفريقيا إلى عملية خداع من قِبل وكلاء اللاعبين أو الأكاديميات الوهمية التي تنتشر في بلدان أفريقيا. ينتهي الأمر بالكثير من اللاعبين ليصبحوا مهاجرين غير شرعيين تتقطع بهم السبل في أوروبا دون إثبات هوية أو أموال كافية للعودة إلى الوطن مرة أخرى. (3)

   

تبدو بعض الخدع ساذجة للغاية من فرط كلاسيكة المشهد، الحديث عن تلك الأكاديميات الوهمية ليس بالجديد، وعلى الرغم من ذلك فإن الأمر لا يتوقف حتى يومنا هذا. لكن المشهد لا يبدو بتلك البساطة، بل يحتوي على العديد من التفاصيل التي تحتاج إلى التناول، فهناك مَن يحاول التشبُّث بالفرصة قابلا أي نتيجة، وهناك مَن لم يتخيّل أنه سيُخدع من بني جلدته، وهناك مَن مسّه سحر كرة القدم فصار لا يرى سواها.

  

لأن التفاحة المسمومة أفضل من الموت جوعا

في كتابه "لاعبي كرة القدم الأفريقيين في السويد: العِرق والهجرة والتكامل في عصر العولمة" والذي يتناول كرة القدم كمدخل للحديث عن الأسئلة المتعلقة بالهجرة والعنصرية والاندماج والهوية الوطنية في السويد، يحاول الكاتب كارل غوستاف سكوت الإجابة عن هذا السؤال مستعينا بآراء بعض المتصلين بمجال التنقيب عن لاعبي أفريقيا بشكل مباشر. (4)

    

  

يوضّح غوستاف في البداية أن إساءة معاملة المهاجرين الأفارقة في مضمار كرة القدم أصبحت مشكلة خطيرة بما يكفي في أوروبا، حيث عقد الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الأوروبي جلسات مناقشة حول هذا الموضوع. كما أن البرلمان البلجيكي ومجلس العموم البريطاني وحتى الأمم المتحدة تطرقوا للحديث حول هذا الأمر في ضوء المخالفات التي أحاطت بتجارة اللاعبين تلك مرارا وتكرارا، وتزايد النقد حول تلك الصفقات المشبوهة للحد الذي أُطلق عليها "تجارة الرق الحديثة".

  

بالرغم من ذلك كله فإن عددا قليلا للغاية من هؤلاء اللاعبين يرغبون في العودة إلى ديارهم حتى بعد اكتشافهم لعملية الخداع تلك. أما الحديث عن الشروط المُجحفة التي يوافق عليها اللاعبون الشباب في صورة عقود مكتوبة فهي تُبرَّر كونها مقايضة مقبولة في مقابل الحصول على فرصة للتنافس في أوروبا. باختصار، هؤلاء اللاعبون الشباب ليسوا ضحايا كما يتم تصويرهم، بل هم أشخاص تقبّلوا تلك المخاطر المهنية طالما أنها ربما تُحقِّق أهدافهم الشخصية في نهاية المطاف.

  

يا لها من وجهة نظر وقحة للغاية، ببساطة يتم التسويق للتفاحة المسمومة على أنها أفضل من التضور جوعا، ولا عجب أن يحاول أحدهم إقناعك أن الأميرة سنو وايت في قصتها الكلاسيكية الشهيرة استفادت كثيرا من تلك التفاحة المسمومة التي تناولتها، ألم تَصْحُ لتجد الأمير بين ذراعيها؟ يستحق الأمر المخاطرة إذن. لكن ماذا عن هؤلاء الذين تم خداعهم بالكامل، هؤلاء الذين ارتحلوا نحو مدن لم يروها من قبل فقط لمحاولة تذوق هذا التفاح المزعوم دون أن يدركوه؟

   

أن تحلم بلندن وتستيقظ في نيبال

  

أبو بكر سيديبي هو لاعب كرة قدم من مالي لا يتجاوز عمره السابعة عشرة، يحلم باللعب لفريق تشيلسي اللندني. ولذا عندما عرض عليه أحد الوكلاء فرصة التعاقد مع أحد الأندية في الهند لم يتردد كثيرا في قبول العرض. (5) لم يذهب أبو بكر إلى الهند أبدا، بل وجد نفسه في نيبال، تلك الدولة الصغيرة التي تقع بين ثنايا جبال الهيمالايا. تُعاني كرة القدم في نيبال من التوقف شبه الدائم، خاصة بعد أن تعرض الملعب الرئيسي في البلاد للتلف إثر زلزال قوي عام 2015، كما يُعاني اتحاد كرة القدم في نيبال من نزاعات قبلية مستمرة. (6)

  

كان على سيديبي أن يدفع أكثر من 2700 جنيه إسترليني للوكيل بعد أن قام بشراء تذكرة طائرة ذهاب فقط دون أن يُبقي بعض المال للبقاء حيًّا أينما يذهب أو للعودة إلى أرض الوطن. مع مرور الوقت، ترك ممارسة كرة القدم الاحترافية وصار همّه محاولة البقاء على قيد الحياة في هذا البلد، كل ما يستطيع جنيه من أموال يُنفق في توفير الطعام ودفع الإيجار وتمديد التأشيرة. يُعلِّق سيديبي على الأمر ببساطة: "كنت أجني أموالا في مالي أكثر من الآن". لكن مهلا، سيديبي ليس وحده في نيبال.

  

دخل نيبال أكثر من 100 شخص من مالي وساحل العاج وبوركينا فاسو وغينيا وبنين وتوغو خلال عام 2017. يتشارك سيديبي مع خمسة لاعبين آخرين من غرب أفريقيا أجرة منزل بلا أثاث، حيث يضطجع الجميع ليلا على أرض خرسانية لكن دون نوم حقيقي. تبقى الطريقة الوحيدة التي يمكنهم من خلالها كسب الأموال هي السفر في أنحاء البلاد للعب في بطولات صغيرة تعتمد على خروج المغلوب حيث يتقاضون مقابلا أقل من 18 جنيها إسترلينيا لكل مباراة. الأسوأ من ذلك أنهم لا يستطيعون المشاركة في تلك البطولات دون وكيل نيبالي آخر والذي يطلب بدوره الدفع مقدما أو المشاركة في الأرباح.

   

  

تبدو الصورة النمطية لتلك الأكاديميات الوهمية أنها ملك للرجل الأبيض الذي يستغل لون بشرته في إيهام زبائنه من الشباب أنه يملك عقود احتراف أوروبية في جيبه، لكن ما يبدو أكثر ألما أن هؤلاء الوكلاء الوهميين عادة ما يكونون مواطنين أفارقة أيضا كما يوضح اللاعب البوركيني جبريل كابوري زميل سيديبي في الغرفة.

  

"إنها مثل المافيا، لكنها ليست مافيا منظمة. الكل في أفريقيا يريد المغادرة، لذلك من السهل استغلال أحلامهم. من المؤلم حقا أن ترى الكثير من الأفارقة يعانون. يعرف الوكلاء الأفريقيون الذين يعيشون في نيبال ما هو عليه الوضع هنا، فكيف يمكنهم وضع إخوانهم في هذا الموقف؟" 

   

لا يقتصر الأمر على نيبال وحدها، بل هناك أكثر من دولة في آسيا تحديدا تعجّ بالمئات من لاعبي كرة القدم الشباب الأفارقة الطامحين في نصف فرصة للظهور لعل الأندية الأوروبية تلتفت لهم ويبتسم لهم الحظ أخيرا. من نيبال إلى لاوس لا يختلف الأمر كثيرا، فقط هذه المرة يبدو الوكيل الوهمي معروفا للجميع.

  

أليكس كارمو: الأكاديمية؟ أنا الأكاديمية

كشف تقرير أعدّته "بي بي سي" عن وجود 23 لاعبا من ليبيريا لا تتجاوز أعمارهم 14 سنة تم تهريبهم إلى دولة لاوس في آسيا وأُجبروا على توقيع عقود وهمية. قام اتحاد اللاعبين العالمي (FIFPro) بالتحقيق في الأمر لمدة أربعة أشهر، وهو ما أسفر عن إطلاق سراح 17 لاعبا حيث أصدر الاتحاد بيانا قال فيه: "إن هذه القضية ليست الوحيدة من نوعها، ولكن ربما تكون قمة جبل الجليد". (7)

     

   

اسم وحيد كان وراء انتقال هؤلاء اللاعبين وهو اللاعب الليبيري السابق أليكس كارمو، والذي يمتلك أكاديمية وهمية، حيث لا يوجد مدرب أو طبيب، بل إن كارمو فقط هو قوام تلك الأكاديمية المزعومة. يؤكد كارمو أن اللاعبين يتناولون ثلاث وجبات يوميا ويدفع لهم مرتبا شهريا. (8) فضح اللاعبون الذين تم إطلاق سراحهم الأمر، مؤكّدين أنهم كانوا ينامون رفقة 30 شخصا في غرفة بلا نوافذ، حيث وصف أحد اللاعبين الأمر بأنه أقرب إلى عمل العبيد.

  

على الجانب الآخر، يكتفي الاتحاد الدولي لكرة القدم ببعض القرارات التي تمنع انتقال القُصَّر دوليا محاولا تجنّب حل تلك الأزمة من جذورها، وهو الأمر الذي يتضح جليا في كلمات متحدث باسم "فيفا" (FIFA)، والذي أوضح أن الاتحاد الدولي يمكنه فقط تنظيم الأنشطة في نطاق كرة القدم المنظمة، أما القضايا المتعلِّقة بالاتجار بالأطفال فإنها مثل أي نشاط إجرامي آخر تندرج ضمن اختصاص السلطات الوطنية والدولية، ولا تقع ضمن اختصاص الاتحاد الدولي.(9)

  

ربما على هذا المتحدث الرسمي أن يعود لعام 2007، حيث تم تدمير قارب للصيد بعد اصطدامه بشاطئ في تينيريفي على سواحل إسبانيا تم تداول الخبر على أنه قارب معتاد من قوارب المهاجرين واللاجئين المتجهة إلى الشواطئ الأوروبية، لكن باستعراض الضحايا تم الكشف عن خمسة عشر شابا أفريقيا انتهت حياتهم على متن هذا القارب لم يكونوا مجرد مهاجرين غير شرعيين، بل لاعبو كرة قدم ذهبت بهم أحلامهم نحو قاع المحيط الأطلسي.

  

القصة ببساطة أن ما يتعرّض له هؤلاء الشباب الأفارقة يُعَدُّ نوعا جديدا من العبودية. إنها عبودية دون إجبار ودون سلاسل تُقيِّد المئات وترحل بهم نحو أوروبا للعمل. إنها العبودية التي تليق بالعصر الحديث، حيث يجد المرء نفسه محاطا بظروف تجعله متقبلا للمعنى دون أن تلتصق به الصفة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة