إيرلينغ براوت هالاند.. نحو المزيد من الفقاقيع

اقرأ الخبر من فضلك؛

"سجّل لاعب من الدنمارك 15 هدفا في أول 13 مباراة له بالدوري النمساوي، غير أنه قام بصناعة ستة أهداف، وفوق كل ذلك هو ثاني هدافي دوري أبطال أوروبا لهذا العام".

   

بوقوفنا عند هذه النقطة الأمور قد تبدو طبيعية، حسنا، ماذا لو أخبرناك أن هذا اللاعب هو مجرد فتى صغير لم يتم عامه العشرين بعد؟ لا تقلق، فالخبر لا يقف عند هذا الحد فقط، لأن ذلك الفتى في توقيت كتابة تلك الكلمات كان يسجل ثامن أهدافه في خامس مبارياته بدوري أبطال أوروبا، ليُصنِّف نفسه كأصغر لاعب في تاريخ البطولة يقوم بذلك الأمر. (1)

 

ربما نكون قد بدأنا في استعارة انتباهك الآن، وبالطبع لن تصدّقنا إذا أخبرناك أنه قبل أن يُصنَّف بذلك التصنيف كان له إنجاز آخر عندما سجل هدفه السابع بدوري الأبطال، وكان حينها أول لاعب يتخطى حاجز الستة أهداف في الأربع مباريات الافتتاحية من البطولة منذ أن فعلها ليونيل ميسي بموسم 2016-2017، هذا بجانب أنه قد تخطى الآن بالفعل هاري كين ودييغو كوستا بأهدافهم في مبارياتهم الخمس الأولى بدوري الأبطال، وقبل كل ذلك فهو كان هداف النسخة الأخيرة من كأس العالم لتحت العشرين عاما، وأحرز في إحدى مباريات البطولة تلك تسعة أهداف أمام هندوراس. (2) (3) (4)

 

هل بدأت تشعر بما نحاول أن نقوله هنا؟ يوجد بالفعل شيء ما يستحق الاهتمام. صحيح نسينا أن نخبرك باسم ذلك الفتى، إنه النرويجي الصغير إيرلينغ براوت هالاند، ابن لاعب ليدز يونايتد ومانشستر سيتي الأسبق ألف إينجي هالاند، وهو فتى يجذب انتباه 20 ناديا حاليا بجانب العالم بأسره وإيانا، بالإضافة إلى آخر المنضمين لتلك القائمة الطويلة وهو أنت. (5)

 

   

لماذا نحن هنا؟

صدّقنا نحن لا نعرف، فجأة وجدنا لاعبا يحرز كمًّا مهولا من الأهداف، لنتفاجأ أنه ابن للاعب سابق بالبريميرليغ، لنتفاجأ أكثر عندما نعرف أنه تدرّب بالفعل مع أحد مدربي البريميرليغ حاليا، ألا وهو مواطنه أولي غونار سولشاير مدرب مانشستر يونايتد، الذي نكتشف فيما بعد أنه يُقدِّر إمكانيات الفتى للغاية، لدرجة دفعت هالاند للتصريح ذات مرة بأن سولشاير أضاف له الكثير كإنسان وكمدرب. (6)

 

فجأة، كل ذلك وجدناه يحدث أمامنا، بالطبع مع عدم نسيان كل تلك الأرقام المهولة التي قام بتحطيمها واحدا تلو الآخر في مسابقة دوري الأبطال، لنتفاجأ أكثر عندما نعرف أن اليوفنتوس قام بالفعل بإرسال عرض لانتداب النرويجي منذ عدة أشهر قبل أن ينفجر ذلك الانفجار المهول، والذي قابله الأخير بالرفض بحجة أنه "يريد اللعب أكثر حاليا". لنعرف فيما بعد أن النادي النمساوي قام بتقدير اللاعب الذي اشتراه بما يقارب خمسة ملايين يورو منذ عدة أشهر بـ 60 ملايين يورو على الأقل مستقبلا، أي 12 ضعف المبلغ الذي قاموا بدفعه سابقا. ربما نريد أن يُعلمنا أحد بأي سرعة يسير بها العالم من حولنا. (7) (8)

  

عودة أخطر رجل في العالم

ربما يكون بشكل أو بآخر ذلك هو التفسير المنطقي للسرعة المهولة التي يتم بها التعامل مع النرويجي هنا. فبإعادة النظر لأهداف هالاند من جديد، من الصعب أن نجد بها أهدافا صعبة من التي تُعجز باقي المهاجمين. ضربات جزاء؟ أهداف من لمسة واحدة والمرمى خالٍ؟ وأخرى من لمسة واحدة وحارس المرمى موجود؟ رأسيات ناتجة عن سوء تقدير من المدافعين لتمركزهم؟ ونرجوك أن تظن بنا خيرا ولا تعتقد أننا نتربص بالفتى أو نحقد عليه بسبب النجاحات التي حققها في سنه الصغير، لأن بالفعل ما حكيناه هو طرق أهدافه الثمانية في دوري الأبطال حتى الآن، مثلما هو طرق تسجيل معظم أهدافه الـ 15 في الدوري النمساوي. ما هو بالضبط الشيء المختلف الذي يُقدّمه الفتى عن الآخرين ليجعل كل تلك الهالة تحيط به؟

   

  

ذلك الأمر هو ما حاول نيال مكفايغ محرر الغارديان إجابته بطريقة غير مقصودة، ببساطة انظر لهدافي الدوري الإيطالي والإسباني والإنجليزي والألماني الحاليين، كلهم مصنفون كلاعبي الرقم 9، كلٌّ بنمط مختلف عن غيره بالطبع، فاردي وإيموبيلي الرجال الذين تم تشييد طريقة اللعب بفِرَقهم من أجل إظهار إمكاناتهم، أو بنزيما وليفاندوفيسكي وهم الرجال الذين يساهمون في طريقة اللعب وبناء الهجمات للفريق، أي إن الاتجاه العام بأوروبا حاليا هو عودة المهاجم الصريح من جديد للساحة بكل أشكاله، بعد أن اندثرت أهميته وقيمته عند المدربين في السنوات الماضية ببزوغ نجم المهاجم الوهمي بكل أنماطه وأشكاله المختلفة. (9)

  

هذا بجانب أن محرر البي بي سي جاري روز يرى أن المهاجم النرويجي هو إعادة تعريف لنموذج زلاتان إبراهيموفيتش. بالطبع سنناقش هذا الأمر بدون انتظار رأي السويدي عن نفسه، لأنه بالتأكيد سيقول إن لا أحد يشبه أو سيشبه زلاتان، لماذا؟ لأن روز يرى أن الاثنين يتمتعان بطول فارع وبأناقة في التعامل أمام المرمى، بالإضافة إلى الرأسيات المميزة وبالقوة البدنية التي ميّزت إبراهيموفيتش في صباه مثلما يتميز هالاند الآن بها، هذا بالإضافة بالطبع إلى الحس الفني الراقي الذي يتمتع به النرويجي بتفضيله لموسيقى دوري الأبطال كموسيقاه المفضلة، وهو الأمر الذي يشترك فيه مع زلاتان. (10)

  

عقدة مبابي    
ميدان – كيليان مبابي (رويترز)

   

الآن دعنا نعد بالزمن للوراء قليلا، تحديدا إلى الوقت الذي لمع فيه نجم كيليان مبابي للمرة الأولى، تتساءل الآن بالطبع وما علاقة كيليان بكل ما نحكيه هنا؟ نقول لك إن حينها كان يوجد مؤشرات لموهبة ضخمة تستعد للظهور مثلما يفعل هالاند الآن. كان ذلك منذ ثلاثة أعوام تقريبا أمام مونبيليه بالدوري الفرنسي، عندما لعب الفتى الصغير أول مباراة كاملة له في الليغ 1، واستطاع حينها أن يحرز أول أهدافه ويصنع هدفين آخرين، طبعا بعدها استطاع أن يحرز 14 هدفا آخر في الدوري الذي يُصنِّفه شريحة كبيرة من جمهور اللعبة أنه أضعف دوري ضمن الدوريات الخمسة الكبرى. (11)

  

المسألة ليست فيما فعله مبابي بالدوري الفرنسي، وأنه استطاع تحقيق لقبه رفقة مدربه جارديم وباقي الجيل السحري لموناكو أمثال فابينيو وسيديبيه وبيرناردو سيلفا وغيرهم، إنما ما فعله بالأدوار الإقصائية لدوري الأبطال أمام كلٍّ من مانشستر سيتي وبروسيا دورتموند بتسجيله لخمسة أهداف في أربع مباريات على التوالي، الأمر الذي كان مثيرا للإعجاب فعلا، مثيرا لدرجة أنه كان أول لاعب صاعد في تاريخ دوري أبطال أوروبا يسجل في أربع مباريات على التوالي، بالطبع قبل أن يشاطره النرويجي رقمه هذا الموسم في مباراة نابولي، وقبل أن يحطمه تماما في مباراة جينك بتسجيله في خمس مباريات على التوالي، لكن الحدث الجلل كان قد وقع بالفعل. (12)

   

    

ومع نهاية الموسم كان الحديث منصبا في العالم كله حول الجهة التي سيذهب نحوها مبابي، كان هناك صراع بالفعل قائما بين أرسنال من جهة وريال مدريد من جهة أخرى، والذي بالفعل صدرت بعض التقارير تفيد أنه حصل على توقيع كيليان بما يقارب 160 مليون يورو، مع وجود عدة أندية أخرى مرتبطة بالفرنسي من بعيد مثل برشلونة الذي كان يحاول تعويض نيمار حينها، إلا أنه في نهاية الأمر وجدناه يرتدي قمصان باريس سان جيرمان في مفاجأة لم يتوقعها أكثر المتشائمين. (13)(14)(15)

  

ربما حينها لم يُصنَّف الأمر بالكارثة، لأن حتى مع اهتمام أرسين فينغر باللاعب من ناحية وريال مدريد يُقدِّم عرض الـ 160 مليونا من ناحية أخرى، فمبابي ما زال لاعبا ناشئا صغيرا، كل ما قدَّمه بالفعل هو بعض الأهداف في دوري يُصنِّفه البعض على أنه الأضعف ضمن الدوريات الخمسة الكبرى كما أسلفنا، وبعض المباريات بدوري الأبطال، إلا أنه يظل موهبة صاعدة، مثله مثل هالاند الآن، ومثل أي فتى طبيعي آخر في الثامنة عشرة من عمره في أي وقت من الأوقات، واحتمالات نجاحه كنجم في اللعبة مساوية عند هذه اللحظة لاحتمالات فشله أيضا، أو ربما أقل. ما حدث بعد ذلك هو محور القضية كلها، فمبابي أثبت نفسه بالفعل ضمن الأفضل على الساحة كلها، وبعد انتقاله بعام كان في روسيا يُتوَّج بطلا للعالم وهو في التاسعة عشرة من عمره، هذا غير ذلك الذي يفعله مع باريس سان جيرمان كل أسبوع بالدوري الفرنسي ودوري الأبطال.

   

أصبح كل ناشئ صاعد مبابي محتملا، وبالتالي لا عجب في أن نرى 20 فريقا يتصارعون فيما بينهم للتعاقد مع هالاند حاليا
  
أنماط متكررة

نجاح كيليان كان بمنزلة نقطة التحوّل لكل الأمور، تخيل حجم النجاحات التي كان سيُحقّقها ريال مدريد مثلا مع الفرنسي إذا أتموا التعاقد معه حينها وظهر بالقوة نفسها التي ظهر بها مع باريس، خريطة كرة القدم كلها كانت ستتغير لو كان مبابي قد فكَّر مليا قبل أن يتمم انتقاله ذلك. هو الأمر الذي يعاني منه الجميع حاليا، انظر لحالنا نحن المشجعين مثلا، قطاع كبير مننا لا يفقه شيئا عن الدوري الفرنسي ولا يتابعه أصلا، لذلك فنحن لا نرى مبابي إلا في المحافل الكبرى بدوري الأبطال، وهي اللقطات التي على الأغلب يكون فريقه يعاني بها، فقط نكتفي بسماع آخر ما فعله هنا، أو نرى ذلك الهدف الذي سجله هناك.

  

وبعيدا عنّا نحن، الحلقة الأضعف من تلك العملية، فأندية العالم كلها، خاصة تلك التي فشلت في إتمام تعاقدهم معه، أصبحت تجلد ذاتها كل يوم على مرور مبابي من تحت أيديهم، لذلك أصبح كل ناشئ صاعد مبابي محتملا، وبالتالي لا عجب في أن نرى 20 فريقا يتصارعون فيما بينهم للتعاقد مع هالاند حاليا، خوفا من أن يصبح شيئا عظيما آخر يمر من تحت أيديهم لصالح جهة أخرى.

 

مثله مثل جواو فيليكس لاعب أتليتيكو مدريد الحالي، هل يستطيع أحد أن يخبرنا ما الذي فعله البرتغالي قبل إتمامه لعامه العشرين يستحق عليه 100 مليون يورو وتعويض غريزمان؟ 15 هدفا في الدوري البرتغالي وثلاثية أمام فرانكفورت في اليوروباليغ، هل هذا كافٍ لتبرير الصراع الذي حدث بين مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وأتليتكو مدريد في الصيف؟ (16)(17)

   

  

لن نعثر على تفسير منطقي بالطبع، مثل أنه لن يجد أحد أيضا تفسيرا منطقيا لاختيار جواو فيليكس للفوز بجائزة الغولدن بوي لهذا العام، متفوقا على جادون سانشو الذي قدَّم موسما رائعا للغاية مع بروسيا دورتموند ولوسيان فافر، كان فيه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق لقب الدوري وإزاحة البايرن من على عرشه، فبعيدا عن أسس اختيار مقدمي الجائزة لها، فما الأمر اللافت للنظر الذي قام به البرتغالي عن غيره من الشباب لكي يستحق تلك الجائزة سوى أنه حصل عليه صراع انتقالي في الصيف، رغم أنه لا يتفوّق أيضا في ذلك الأمر كثيرا نظرا لأن الرابع في قائمة الجائزة وهو دي ليخت كان محور الحديث الأساسي طوال الميركاتو، قبل أن يخطفه يوفنتوس في النهاية.(18)

  

تسرع.. كسل وأشياء أخرى

إلى ماذا يقودنا كل ذلك؟ مرة أخرى، صدّقنا نحن لا نعلم، فالأمر حتى الآن يوحي أن الأندية أصبحت تتكاسل في عمليات بحثها، وأصبحت كل التعاملات عبارة عن فريق يُقلّد غيره الذي نجح في شيء ما، مبابي نجح مع باريس بعد أن دفع فيه قرابة الـ 160 مليونا؟ حسنا لا بأس سندفع 100 مليون في لاعب صاعد مشابه فقط لأن هناك ضجة ما خُلقت حوله. حينها ربما ينجح مثله، وربما يفشل وحينها لا داعي للهلع، لأننا سننتظر حتى الضجة القادمة ثم ندفع أموالا ضخمة لانتداب صاحبها، وهكذا، دون النظر إلى قدرتنا على توفير عوامل النجاح لهذا اللاعب أم لا، دون البحث عن بدائل أخرى بالكفاءة ذاتها حتى لو لم تكن معروفة إعلاميا، وحينها لا تسألنا عن دور وظيفة كشاف اللاعبين في تلك اللعبة، لأن تلك الوظيفة أصبحت بلا معنى الآن.

  

أموال تُصرف ببذخ، ووقت مُهدر في عمليات تقليد ركيكة. هل أصبحت اللعبة تدور حول بعض الأفكار دون السماح لذلك الهامش من المحاولة والتجربة والتفكير خارج الصندوق؟ هل هالاند بالفعل موهبة تستحق اهتمام كل تلك الفِرَق عليه أم مجرد فقاعة جديدة؟ والأهم من كل ذلك، هل نحن الذين نسير بسرعة السلحفاة، أم العالم هو الذي يسير بسرعة مهولة؟ صدّقنا هناك أسئلة لا نملك إجاباتها، وما سبق هو نماذج لها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة