شعار قسم ميدان

نصف المرضى يرفضون العلاج.. لماذا نفهم المرض النفسي بشكل خاطئ؟

في فيلم الجوكر، نتابع التحولات الاستثنائية التي تعتري آرثر فليك (يلعب دوره خواكين فينكس)، وهو شاب فقير يحلم بأن يصبح ممثلا كوميديا بينما يحاول أن يجد فرصة لنفسه بين مسارح ومكاتب تشغيل الممثلين في مدينة جوثام، لكن لا أحد يهتم له، على إثر ذلك يتحول صاحبنا، بشكل متدرج، من مراحل المرض النفسي الطفيفة وصولا إلى الجنون، ويتغير من شاب رقيق هادئ الطباع إلى قاتل سيصبح فيما بعد رقما صعبا في عالم الجريمة.

من عادة السينما أن تستخدم المرض النفسي لطرح تحولات كتلك، وهذا شائع في كل العالم كما هو في الوطن العربي، فالاضطراب النفسي يحمل معاني عدة معقدة ومتداخلة تسمح للمخرجين ببناء شخصيات ثرية تلفت انتباه الناس، خاصة حينما يتعلق الأمر بالعنف أو الغضب أو السلوك غير المتوقع، لكن هذه المعاني بدورها مستقاة من مخيلة الجمهور عن المرض النفسي، والتي عادة ما تحوي تصورات خاطئة تماما.

لكن ما يجهله الجميع في هذا السياق هو أن أكثر من نصف المصابين بمرض عقلي لا يتلقون المساعدة في علاج اضطراباتهم، وأن أحد الأسباب الرئيسية لذلك هي المخاوف بشأن معاملتهم بشكل مختلف من قبل الآخرين حينما يعرفون أنهم مصابون بمرض نفسي. لا يعني ذلك فقط مجرد أن يكون أحدهم لطيفا معك ثم يبدأ بتحاشيك كلما مررت بجانبه في الشارع بعد أن يعرف عن إصابتك باضطراب نفسي، بل نتحدث كذلك عن مخاوف حقيقية من فقدان الوظيفة والحياة الاجتماعية(1).

وجدت دراسة أجريت عام 2017 شملت أكثر من 200 شخص يعانون من اضطراب نفسي على مدى عامين؛ أن وصمة العار كانت مرتبطة بضعف التعافي بعد عام أو عامين من لحظة التشخيص. (شترستوك)

إلى جانب ذلك، يتسبب الفهم الخاطئ للمرض النفسي في الإضرار بالمريض بأشكال عدة، حيث يشيع فقدان الأمل بين المرضى، وكذلك تدني احترام الذات، والانعزال الاجتماعي؛ ما يؤدي إلى زيادة الأعراض النفسية واختبار صعوبات في العلاقات الاجتماعية، ومن ثم -بناء على ما سبق- تنخفض احتمالية الالتزام بالعلاج، ويعود المريض لدائرة النوبات القاسية من جديد. في هذا السياق، وجدت دراسة(2) أجريت عام 2017 شملت أكثر من 200 شخص يعانون من اضطراب نفسي على مدى عامين؛ أن وصمة العار كانت مرتبطة بضعف التعافي بعد عام أو عامين من لحظة التشخيص.

العنف.. ضد من؟

في الواقع، خلصت دراسة سابقة أجريت عام 2016 عن وصمة العار(3)، التي يتسبب المرض النفسي بوجودها، إلى أنه "لا يوجد بلد أو مجتمع أو ثقافة يتمتع فيها الأشخاص المصابون بمرض عقلي بالقيمة المجتمعية نفسها التي يتمتع بها الأشخاص غير المصابين بمرض عقلي"، جاء ذلك في استطلاع شمل مستجيبين من 27 دولة، وأفاد خلاله ما يقرب من 50% من المصابين بالفصام بوجود تمييز ضدهم. وأشارت الدراسة نفسها إلى أنه في حين أن وصمة العار عالمية، فإن تجربة الشخص الموصوم بالعار تتأثر بالثقافة. على سبيل المثال، لا تزال التفسيرات الخارقة للطبيعة للأمراض العقلية سائدة في العديد من البلدان النامية.

يعني ذلك أننا نتحدث عن مشكلة كبرى ما دام أن نصف المرضى يعانون من التمييز، لكن هل تعرف ما المشكلة الأكبر؟ أن كل ذلك مبني على تصورات خاطئة أصلا! دعنا مثلا نتحرى الادعاء القائل إن المرضى النفسيين غريبو الأطوار أو عنيفون أو مخربون أو لا يمكن توقع تصرفاتهم. في حين أنه من الصحيح أن بعض الاضطرابات النفسية تنطوي على مثل هذه الأعراض، فإن معظم الاضطرابات النفسية لا تؤدي بهم إلى ذلك، ومع العلاج -سواء الدوائي أو النفسي- فإن الغالبية العظمى من المرضى يمكن أن يندمجوا في المجتمع بشكل طبيعي، ولن تميزهم عن بقية الناس إلا إذا قرروا إخبارك بالأمر.

في عينة مجتمعية تمثيلية على المستوى الوطني في الولايات المتحدة الأميركية(4)، مكونة من 34,653 شخصا، ظهر أن 2.9% من الأشخاص المصابين بأمراض عقلية خطيرة ارتكبوا أعمال عنف خلال 2-4 سنوات بعد بدء الدراسة، مقارنة بـ0.8% من الأشخاص الذين لا يعانون من مرض عقلي خطير أو اضطراب تعاطي المخدرات، وهي فجوة أقل بقليل مما هو شائع حول كون المرضى النفسيين عادة ما يكونون أكثر عنفا.

قدمت الدراسة تحذيرا يقول إن "الأشخاص الذين يعانون من [المراضة الثلاثية] هم أكثر عرضة للعنف من الأشخاص المصابين بمرض عقلي حاد واحد". (شترستوك)

ومع ذلك، فإن هناك ملاحظة مهمة في هذه الدراسة تستحق التأمل، وهي أن العامل الرئيسي في أعمال العنف كان الاستخدام المشترك للمواد المخدرة. وبشكل عام، يتشابك العنف الصادر من مرضى الاضطرابات العقلية في كثير من الحالات مع قضايا أخرى مثل تعاطي المخدرات، ويظهر كرد فعل على تجارب التعرض للإيذاء، وعوامل أخرى مثل البطالة، أو العيش في حي ترتفع فيه معدلات الجريمة بشكل عام.

في دراسة(5) عامة أجريت في عام 1998 في الولايات المتحدة، جرت متابعة أكثر من 1000 شخص كل 10 أسابيع لمدة عام بعد مغادرتهم الجناح الداخلي للأمراض النفسية، ثم تمت مقارنتهم بأشخاص عاديين يعيشون في الأحياء نفسها، لم يكن هناك فرق بين المجموعتين من حيث مستويات العنف التي يرتكبونها، إذا أدخلنا طبيعة الحي في السياق، وقد كان تعاطي المخدرات أو الكحول حاضرا في أحداث العنف في الحالتين.

يعني ذلك أنه حتى في وجود حالات عنف، فإن الأمر يكون عادة في سياق محدد وليس "عنفا لمجرد العنف" كما يظهر في السينما والروايات. والواقع أن العكس هو الصحيح، أي أن مرضى الاضطرابات النفسية أكثر عرضة ليكونوا ضحايا للعنف مقارنة بغيرهم. جاء في دراسة نُشرت بدورية "ذا لانسيت"(6) المرموقة في فبراير/شباط 2020 أنه في حين أن هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي بشكل عام (عادة أولئك الذين تم تشخيصهم بالاكتئاب أو اضطرابات القلق) لديهم خطر متزايد لارتكاب أعمال عنف مقارنة بعامة السكان، فقد رُصدت معدلات أعلى من ارتكاب العنف ضد الأشخاص المصابين بالاضطراب النفسي بشكل أكثر وضوحا، خاصة ضد المصابين ببعض الأمراض العقلية الشديدة مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب.

قدمت الدراسة كذلك تحذيرا مهما يقول إن "الأشخاص الذين يعانون من [المراضة الثلاثية] (أي الأفراد الذين يعانون من مرض عقلي شديد واضطراب تعاطي المخدرات واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع) هم أكثر عرضة للعنف من الأشخاص المصابين بمرض عقلي حاد واحد".

مجرد شخص وقح

لا يتوقف الأمر عند التصورات الخاطئة عن العنف، بل تمتد لتشمل طبيعة المرض النفسي نفسه، حيث يميل الكثيرون للاعتقاد أن مشكلات الصحة العقلية تعتبر علامة على ضعف الشخصية، وأنها مجرد سلوك سيئ، والواقع أن هذا يشبه بالضبط القول إن كسر الساق علامة على ضعف الشخصية. اضطرابات الصحة العقلية هي أمراض مثل الأمراض العضوية، لا يستطيع الأشخاص المصابون بالاكتئاب، على سبيل المثال، "الخروج منه" دون مساعدة، بالضبط كما لا يمكن للمصابين بالسكري أو أمراض القلب التعافي من حالتهم دون مساعدة طبية.

تظهر هذه المشكلة بوضوح في حالات محددة مثل اضطراب الشخصية الحدية(7)، في الواقع لقد ظن الباحثون الأوائل أنفسهم أنه مجرد مجموعة من الآليات المضطربة، مثل موجات الغضب العنيف أو إيذاء النفس، والتي يستخدمها الشخص ليجذب انتباه الآخرين إليه، لذلك فإن الكثيرين من المحيطين بالشخص المصاب لا يزالون يقعون في خطأ تصور أنه مجرد شخص متلاعب بالآخرين يستخدم هذه الموجات من الغضب والحزن للتأثير على قراراتهم تجاهه.

لكن اضطراب الشخصية الحدية ليس كذلك، بل هو نمط شامل من عدم الاستقرار في منظومة المشاعر الخاصة للإنسان، تظهر أعراضه في سياق العلاقات مع الآخرين، والمزاج، وفي صورة الشخص عن ذاته. وقد رُصدت هذه الأعراض في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية في 9 نطاقات، 5 منها تصلح لتشخيص المرض.

ويمضي الخط على استقامته حينما يتصور البعض أن المريض النفسي "غبي" أو "كسول"، يشيع ذلك في اضطرابات مثل الاكتئاب أو القلق أو الوسواس القهري، وبشكل خاص في "اضطراب فرط الحركة وضعف الانتباه"(8)، فبسبب حالة التشتت الشديد التي يصاب بها المريض، فإنه لا يكمل مهماته المنزلية أو الدراسية، ويتصور الناس أنه كسول، لكنه ليس كذلك، ومع العلاج تتحسن الحالة وتتحسن درجاته، وعلى الرغم من أن المصابين بهذا الاضطراب يعانون من الكثير من التشتت، فإنهم يمكن أن يركزون في الأشياء التي يحبونها بدقة شديدة.

بل ويعد فرط التركيز في أشياء بعينها في بعض الأحيان إحدى علامات هذا الاضطراب، ويُعتقد أن العديد من الأشخاص المعروفين وذوي الإنجازات الكبيرة كانوا ممن عانوا من هذا النوع من الاضطرابات، بمن في ذلك موزارت وجورج برنارد شو وسلفادور دالي وليوناردو دافنشي. لكن عند تلك النقطة يجب توضيح أن بعض الاضطرابات العقلية يؤثر بالفعل على القدرات العقلية، إلا أن هذا ليس شائعا في عموم المصابين باضطرابات نفسية.

ولكن حتى هذه النقطة الأخيرة تعد فهما آخر خاطئا للمرض النفسي، حيث يظن البعض وجود علاقة مؤكدة بين "العبقرية" والمرض النفسي، وهذه ليست نقطة إيجابية كما تظن، بل تدفع الناس أكثر لتحاشي المريض باضطراب نفسي، إلى الآن لا يوجد ما يؤكد وجود هذه العلاقة، حتى في أكثر الأمراض شيوعا في هذه النقطة وهو التوحد، فالدراسات في هذا النطاق لم تشر إلى ارتباط قوي بين الذكاء الاستثنائي والتوحد، بعض الدراسات تقول بعدم وجود ارتباط، ودراسات أخرى ترجح وجود ارتباط، لكن في كل الأحوال فإنه حتى بوجود ارتباط فسيكون في نسبة قليلة من المصابين بالتوحد وليس كل المصابين بالتوحد.

كم شخصا حولك؟

 

عند الحديث عن الاضطرابات النفسية، يقف فريق متشائم تماما يقول إن المرضى النفسيين سيظلون إلى الأبد مرضى وغير قادرين على ممارسة حياتهم بفاعلية لأنه لا علاج للاضطرابات النفسية. بالفعل، لا توجد علاجات نهائية للكثير من الاضطرابات النفسية، إلا أن حوالي 80% من المرضى يمكن لهم مع العلاج النفسي والدوائي أن يعودوا لنمط حياة طبيعي. هذا هو نفسه ما يحدث في العديد من الأمراض الجسدية، مثل مرض السكري وأمراض القلب. في هذه الحالات الصحية طويلة المدى، يمكن السيطرة على المرض بحيث يعيش الأفراد الحياة على أكمل وجه، هذا ما يحدث في حالة المرض العقلي أيضا. أضف لذلك أنه عند تلقي العلاج المناسب وفي وقت مبكر، يتعافى العديد من الأشخاص تماما ولا يعانون من نوبات أخرى من المرض.

هذا النوع من الوصم يدفع الناس لفقدان الأمل في المريض النفسي، بل والزهد في التعامل مع المرض النفسي بشكل عام، حيث يظن البعض أن نسبة المرضى النفسيين في الأصل قليلة، ومن ثم لا حاجة كبيرة لبذل الجهد في التعامل مع هذا "الشيء"، ورغم خطأ الفكرة من الأساس (فكون شخص واحد فقط مريضا هو أمر يستحق التحرك)، فإن أعداد المصابين باضطرابات نفسية أكبر مما تتصور(9)، حيث قدّرت إحدى أشهر الدراسات في هذا النطاق عام 2017 أن 792 مليون شخص يعيشون مع أحد اضطرابات الصحة العقلية. هذا أكثر بقليل من 1 من كل 10 أشخاص على مستوى العالم (10.7٪).

نسب المصابين بالاضطرابات النفسية بحسب الدولة (هذه هي الأرقام المسجلة، في كل دولة يختلف عدد الذين يرفضون التصريح بوجود مرض نفسي بحسب البيئة والثقافة ومعايير أخرى).

لو قررت أن تتحرى جميع أنماط الفهم الخاطئ للاضطرابات النفسية، والذي يتسبب -بالتبعية- في التمييز ضد المرضى، لملأت كتابا كاملا، ثم لاكتشفت بعد دقيقة واحدة من التأمل في أثر التمييز على أصحاب الاضطراب النفسي أن مجتمعاتنا يمكن أن تكون قاسية جدا على بعض أبنائها، فبدلا من أن نحتضن هذا الشاب وهذه الفتاة، ندعوه لاستكمال رحلة العلاج، ونقف في ظهرة؛ أصبحنا جزارين ندفع هؤلاء دفعا للمزيد من الاضطراب والتردي. فقط تخيل كم شخص كان ستتحسن حالته لو دعمناه أو حتى تركناه في حاله! إذا كانت نسبة الاضطرابات النفسية كبيرة إلى هذا الحد، فكم شخص في بلدك، أو في وطننا العربي ككل، يمكن أن يعاني بسبب فهمنا الخاطئ للمرض النفسي!

________________________________________________

مصادر:

  1. Stigma, Prejudice and Discrimination Against People with Mental Illness
  2. المصدر السابق
  3. The stigma of mental disorders
  4. Mental disorder and violence: is there a relationship beyond substance use?
  5. Violence by People Discharged From Acute Psychiatric Inpatient Facilities and by Others in the Same Neighborhoods
  6. People with severe mental illness as the perpetrators and victims of violence: time for a new public health approach
  7. Borderline Personality Disorder: 7 Myths Busted
  8. DHD myths and truths
  9. Mental Health
المصدر : الجزيرة