شعار قسم ميدان

كورونا يضرب مجددا.. هل عادت معركتنا مع الوباء إلى نقطة الصفر؟

مقدمة الترجمة

يعود فيروس كورونا إلى واجهة الأحداث من جديد بمتحور جديد يدعى "BA.5″، وهو متحور من سلالة أوميكرون يجتاح الولايات المتحدة وبقية العالم. فما أهم خصائص المتحور الجديد؟ وهل عادت مواجهتنا مع كورونا إلى نقطة الصفر مجددا؟

نص الترجمة

مرة أخرى نمر بموجة جديدة من فيروس كورونا الذي نبدو في حضرته كائنات مُفرِطة الضعف والهشاشة، والذي يُكشِّر عن أنيابه من جديد متخذا هذه المرة قناعا جديدا على هيئة متحور يسمى "BA.5" المنتشر حاليا في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم، ويُعَد "BA.5" متحورا جديدا من سلالة أوميكرون الذي اجتاح العالم الشتاء الماضي وتسبب في كوارث عديدة. يعزو الأطباء السرعة التي ينتشر بها المتحور الجديد إلى قدرته على تخطي بعض الدفاعات المناعية التي اكتسبها الأشخاص الذين تلقوا لقاحات، أو أولئك الذين سبق أن أُصيبوا بمتحورات سابقة.

لسوء الحظ، سيجد أولئك الذين تمكّنوا من تجنب الفيروس لما يقرب من ثلاث سنوات صعوبة هذه المرة في التملص من قبضة هذا المتحور الجديد، إذ لم يسلم منه حتى أولئك الذين أصيبوا بفيروس كورونا مؤخرا، فما كادت شراسة المرض تهدأ قليلا حتى وجدوا أنفسهم رازحين تحت قبضة المتحور الجديد مرة أخرى.

لذا، من أجل تهدئة الأوضاع قليلا، خرج "ستيفن غولدشتاين"، عالم الفيروسات بجامعة يوتاه الأميركية، ليصرّح قائلا: "لا ينبغي أن يتفاجأ الناس إذا أصيبوا بالعدوى مرة أخرى، أو إذا كانت هذه الموجة لا تقل إزعاجا عن سابقاتها".

على الرغم من ذلك، فإن ما نعيشه هذه الأيام لا يعني -لحسن الحظ- أننا في خضم موجة تشبه تلك التي شهدناها الشتاء الماضي، أو أن متحور أوميكرون الجديد "BA.5" (والمتحور الأقرب إليه من السلالة نفسها BA.4) بإمكانهما أن يُعيدا جهازنا المناعي إلى نقطة الصفر، وهذا يبعث على الطمأنينة والراحة من وجهة نظر "غولدشتاين"، لأنه استنادا إلى مدى نجاح البلدان الأخرى في التصدي للمتحور الجديد "BA.5″، فأغلب الظن أن اللقاحات لا تزال تلعب دورا مهما في إبعاد الكثير من الناس عن المستشفيات ووحدات العناية المركزة والمشارح.

رغم التناقض الواضح بين تلقي اللقاحات واستمرار المتحورات الجديدة في الظهور، فإن المتحور الجديد لا يُعَد خطرا كارثيا، ولا يمكن أن يتسبب في موجة مُرَوِّعة، ومع ذلك لا يمكن تجاهله أبدا، إذ لا تزال الإصابة بالعدوى (وتكرار الإصابة بها) مشكلة حقيقية يستغلها المتحور الجديد "BA.5" لإضفاء عبء مستمر وثقيل على عاتق البشرية. في السياق ذاته، تقول "ماريا فان كيركوف"، أخصائية الأوبئة والأمراض المُعدية في منظمة الصحة العالمية: "لا يتمحور هدفنا الرئيسي حول منع انتقال العدوى بصورة كاملة، لأن ذلك خارج نطاق سيطرتنا، وإنما يتمحور حول تقليل انتشار العدوى، إذ لم تنتهِ معركتنا مع كورونا بعد، وسماحنا لهذا الفيروس بالانتشار بهذه الوتيرة المخيفة والشرسة بمثابة اللعب بالنار".

تاريخ قصير لأوميكرون

بدأ أوميكرون يُعلن عن نفسه للمرة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، حينما اجتاحت هذه النسخة الجديدة من كورونا الولايات المتحدة والعالم بأكمله، وأطاحت بسابقتها "دلتا". كانت تلك النسخة الأولية من أوميكرون المعروفة الآن باسم "BA.1" مجرد أول نسخة من سلالة مصغرة من متحورات ذات صلة فرضت نفسها على الساحة، واستمرتْ في التنافس منذ ذلك الحين فيما بينها بسبب حمى الهيمنة التي استحوذتْ عليها أو بمعنى أدق الصراع فيما بينها لاستلام الراية.

تكشف لنا الأيام تباعا أن المتحور الجديد لأوميكرون "BA.5" يمثل الآن في الولايات المتحدة نحو 54% من جميع إصابات كورونا، فيما يمثل المتحور "BA.4" ما يقرب من 17% من الإصابات.

صحيح أن كل موجة تأخذ مدة حتى تغيب عن مرمى البصر، لكن في كل مرة يظل الجو يعبق برائحة الخطر، وبالفعل تَسَلَّم المتحور "BA.2" الراية بعد "BA.1″، وأسفر ذلك عن ارتفاع مفاجئ في عدد الإصابات في الربيع الماضي. بيدَ أن هذه المتحورات ينبعث منها تيار من العزم لا يناله الوهن، وأقرب مثال على ذلك هو ما نعيشه الآن مع المتحورَين "BA.4″ و"BA.5" اللذين اكتشفهما الأطباء لأول مرة في جنوب إفريقيا في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط من هذا العام، ومنذ ذلك الحين حلّ هذان المتحوران محل "BA.2" في جميع أنحاء العالم؛ ما تسبب في ارتفاع حاد في عدد الإصابات والدخول إلى المستشفيات.

تكشف لنا الأيام تباعا أن المتحور الجديد لأوميكرون "BA.5" يمثل الآن في الولايات المتحدة نحو 54% من جميع إصابات كورونا، فيما يمثل المتحور "BA.4" ما يقرب من 17% من الإصابات (لذا سينصب تركيزنا أكثر في هذا التقرير على آخر متحور من سلالة أوميكرون وهو "BA.5″، لأنه أثبت خلال الفترة الماضية تفوقه على قريبه من السلالة نفسها وهو"BA.4").

سجلتْ المستشفيات أعلى حالات إصابة بالمتحور الجديد منذ مارس الماضي. قد تفترض أن متغيرا جديدا يكتسب هيمنته جرّاء طبيعته التي تجعله أكثر قابلية للانتقال من أسلافه، وبالاستناد إلى بعض الحسابات التقريبية، قد يبدو هذا الافتراض منطقيا بعض الشيء، لذا ادعى البعض أن المتحور "BA.5" قابل للانتقال مثل الحصبة؛ ما يؤهله ليُتوَّج بلقب أحد أكثر الأمراض الفيروسية المُعدية في التاريخ، غير أن "تريفور بيدفورد"، عالم الفيروسات في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأميركية، كان له رأي مغاير تماما.

لِمَ يهرب من جهاز المناعة؟

يرى "بيدفورد" أن جميع هذه الافتراضات والحسابات التقريبية "خاطئة تماما"، لأن المتحورات بإمكانها الانتشار بسرعة دون حتى أن تتمتع بقدرة أفضل في العثور على مُضيفين جدد طالما أنها أفضل في تخطي الدفاعات المناعية لهؤلاء المُضيفين، على الأرجح مكّنت خاصية "التملص من الجهاز المناعي" المتحور "BA.1″ من الإطاحة بـ"دلتا" الشتاء الماضي، وهذا قد يُفسِّر أيضا سبب زيادة انتشار المتحور "BA.5" الآن.

عندما يتلقى الأشخاص اللقاح أو يُصابون بالعدوى، فإنهم يطورون أجساما مُضادة تتولى مهمة التصدي للعدوى الفيروسية وتَحُول دون تكاثر الفيروس داخل الجسم عن طريق الالتصاق ببروتيناته الشائكة، وهي نتوءات موجودة على سطحه، يستخدمها العامل الممرض (وهو الفيروس) للتعرف على خلايانا وإصابتها. لكن ما يميّز المتحورَين "BA.4″ و"BA.5" هو تمتعهما بالعديد من الطفرات التي تُغيّر شكل النتوءات، فتصبح الفيروسات مثل السيوف التي لم تعد مناسبة لأغمادها، ونتيجة لذلك يخيب مسعى الأجسام المضادة في بلوغ أهدافها المنشودة في التعرف على المتحورات الجديدة جرّاء التبدل العميق الذي طرأ عليها على نحو مفاجئ.

لهذا السبب، أظهرَتِ العديد من الدراسات أن تلقي ثلاث جرعات من اللقاح أو الإصابة بالعدوى سابقا لن يمنع من الإصابة بالمتحور الجديد، وهذا لأن الأجسام المضادة باتت أقل فاعلية الآن للتصدي للمتحورين الجديدين "BA.4" أو "BA.5" بنحو ثلاث إلى أربع مرات من قدرتها على التصدي لأول نسختين من متحور أوميكرون، أي بعبارة أخرى، بات معظم المواطنين الآن يتمتعون بحماية من العدوى أقل مما كانوا عليه قبل شهرين، وهذا يُفسِّر سبب إصابة بعض الأشخاص بفيروس كورونا مرة أخرى هذه الأيام رغم إصابتهم به مؤخرا.

تعليقا على ذلك تقول "آن هان"، عالمة الفيروسات والمناعة بجامعة ييل الأميركية: "سمعت أن الكثير من الأشخاص الذين أُصيبوا مؤخرا بكورونا في فبراير أو مارس أو أبريل، قد أُصيبوا به مرة أخرى الآن". كما ذكرت الكاتبة الصحفية "كاثرين ج.وو" في تقريرٍ لها بمجلة "ذي أتلانتك" أن عواقب الإصابة بالعدوى مرارا وتكرارا ما زالت غير واضحة.

لكن ما يبعث على الاطمئنان أنه من غير المحتمل أن تكون تبعات كل موجة جديدة من فيروس كورونا أسوأ على الفرد من سابقتها، لذا تخبرنا إحدى المقالات الإخبارية المهتمة بالفيروسات أنه لا داعي للقلق كثيرا بشأن هذه المتحورات الجديدة، لأنه من المحتمل جدا أن يُصَاب المرء مرة أخرى بأحد متحورات أوميكرون كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. صحيح أن المتحور الجديد لأوميكرون "BA.5" يختلف عن أسلافه، لكنه في النهاية لا يختلف عن نفسه، لذا من الطبيعي أن يُصَاب شخص ما بالمتحور الجديد على الرغم من إصابته مؤخرا بكورونا، لكن من المُستبعَد للغاية إصابته بالعدوى مرة أخرى في المستقبل القريب.

هل سنعود لنقطة الصفر؟

على الرغم من انخفاض كفاءة الأجهزة المناعية بعض الشيء في مواجهة الدهاء الذي يتصرف به المتحور الجديد، فإن مناعتنا لحسن الحظ لم تعد إلى نقطة الصفر. في السياق ذاته، تقول "ميغان كال"، عالمة الأوبئة في وكالة الأمن الصحي بالمملكة المتحدة: "تشير البيانات الحالية إلى أن معظم الإصابات الجديدة عبارة عن أشخاص لم يُصَابوا من قبل بكورونا"، فضلا عن أن نصف المصابين في إنجلترا في الموجة الحالية هم أفراد لم يسبق لهم خوض معركة مباشرة مع فيروس كورونا، وهذه هي مرّتهم الأولى معه.

صحيح أن كل ذلك يُفصِح عن أن تكرار الإصابة بكورونا هي مشكلة عويصة، لكن الجانب المُشرق في الحكاية هو إمكانية السيطرة على هذه المشكلة استنادا إلى الأدلة التي تشير إلى أن معظم سكان العالم تغلبوا على كونهم فريسة سهلة للمتحورات الجديدة، وأصبح معظمهم الآن يتمتع ببعض الحماية من الإصابة حتى بالمتحور الجديد "BA.5".

إن قدرة المتحور الجديد على التملص من أجهزتنا المناعية تشبه السيناريو ذاته الذي سبق أن تبناه أوميكرون عندما ظهر مُعلنا عن نفسه لأول مرة في الشتاء الماضي، في ذلك الوقت انخفضت كفاءة الأجسام المضادة في الأشخاص الذين تلقوا لقاحات بنسبة تتراوح من 20 إلى 40 مرة بالمقارنة مع كفاءتها عند التصدي للفيروس الأصلي.

من هنا يمكننا استنباط أن السيناريو ذاته يتكرر هذه الأيام مع المتحور الجديد "BA.5″، الذي استطاع تقليل كفاءة الأجسام المضادة بمقدار ثلاثة أضعاف، وهو ما يُعَدّ انتصارا صغيرا للمتحور الجديد، فضلا عن تبنّيه اللمسات الدرامية ذاتها والحبكة التي سبق أن تبناها أسلافه أثناء التملص من الأجسام المضادة، وعن هذا تقول "كال": "نرى أن المتحور الجديد يحذو حذو أوميكرون، ولكن مع قدرة أعلى ودهاء أكبر في التهرب من الجهاز المناعي، ومع ذلك لا أعتقد أن هذه الموجة الجديدة تُمثل تغييرا جذريا أو نقلة نوعية ضخمة يمكن أن تبعث على الربكة".

إذن، يبقى السؤال الأهم هنا: لماذا نشعر مع هذه الموجة الجديدة بأن الوضع لم يعد كما كان قبل سبعة أشهر وفقا لتقارير غير رسمية أو تقارير سردية لبعض المرضى؟! تكمن الإجابة في أن أوميكرون منذ ظهوره غيّر تماما خط الأساس الذي تبناه الأطباء لتتبع فيروس كورونا. قبل وصوله، كان ثلث الأميركيين على سبيل المثال قد أُصيبوا بفيروس كورونا، وبحلول نهاية فبراير/شباط، أُصيب بالفعل نحو 60% منهم. أما السبب وراء هذه الموجة الحالية فيعود جزئيا إلى أن عدد الأشخاص الذين من المحتمل أن يُصَابوا مرة أخرى قد تضاعف.

تكمن المفارقة الحقيقية هذه المرة في أن تأثير المتحور الجديد "BA.5" سيختلف اختلافا جذريا من دولة إلى أخرى. تعليقا على ذلك تقول "كال": "على الرغم من الوتيرة السريعة التي ينتشر بها المتحور الجديد في جنوب إفريقيا والمملكة المتحدة، فإن من يلجأ إلى المستشفيات هو عدد قليل جدا من المرضى، فضلا عن أن المستشفيات لم تُسجِّل سوى أعداد قليلة من الوفيات؛ ما يدل على أن الجهد الذي تكبده العلماء في سبيل إنتاج اللقاحات لم يذهب سُدى، وأقرب مثال على ذلك هو أن الحماية التي توفرها اللقاحات من الأمراض الخطيرة كالفيروسات لا تزال قوية وفعالة".

لكن لسوء الحظ، لم تكن البرتغال -على الجانب الآخر- محظوظة للغاية مع هذه الموجة الجديدة، إذ ارتفعتْ أعداد الوفيات إلى مستويات تقترب من تلك التي حدثت مع ظهور أول نسخة من أوميكرون. لذا، لا بد من الأخذ في الاعتبار هذه الاختلافات بين البلدان. وبجانب الاختلافات الديموغرافية، أصبحت معظم الدول الآن تضم في كنفها خليطا معقّدا من الأجهزة المناعية لمواطنيها نتيجة اختلافهم في عدد المرات التي أُصيبوا فيها بالعدوى أو عدد المرات التي تلقوا فيها اللقاحات، أو أنواع اللقاحات التي حصلوا عليها، والمتحورات العديدة التي واجهوها.

انتشار هائل

مع ذلك، أصبح من اليسير الآن توقع ما يمكن أن يحدث عندما يتصاعد التهديد الذي يشكله المتحور "BA.5″، وذلك عن طريق تتبع رقم يُطلِق عليه العلماء "رقم التكاثر" أو "إعادة إنتاج الفيروس" ويُرمز له بـ"Rt"، ويشير إلى متوسط عدد الأشخاص الذين يمكن أن يُصَابوا بالعدوى من شخص مريض (كما يمثل طريقة لتقييم قدرة المرض على الانتشار).

في السياق ذاته، يقول عالم الفيروسات "تريفور بيدفورد": "أعلنت النسخة الأولى من أوميكرون (BA.1) عن نفسها بشراسة حقيقية عندما تراوح رقم تكاثرها في مراحلها الأولى ما بين 3 إلى 3.5 (هذا يعني أن شخصا واحدا يمكنه في المتوسط ​​أن يُصيب 3 أشخاص آخرين على الأقل. وإذا كان رقم التكاثر أعلى من 1، فإن عدد الحالات سيزداد بدرجة كبيرة، لكن إذا كان العدد أقل من واحد، فإن الوتيرة التي ينتشر بها الفيروس ستتباطأ نتيجة عدم إصابة عدد كافٍ من الأشخاص الجدد، فيفقد الفيروس فرصته للاستمرار في التفشي).

يُقدّر "بيدفورد" أن أوميكرون أصاب ما يقرب من نصف البلاد في غضون بضعة أشهر فقط، وفي خضم ذروته بلغ عدد الإصابات إلى ما يقرب من 3 إلى 4 ملايين شخص يوميا. هذه الأرقام أعلى من الأرقام الرسمية والتي كانت دائما تظهر أقل من الحقيقة، غير أن النسخة الثانية من متحور أوميكرون "BA.2" كانت أقل شراسة، وبلغ رقم التكاثر في مراحلها الأولى 1.6، إذ كان يُصيب هذا المتحور فردا واحدا من كل 10 أفراد، وحينما بلغ ذروته في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- وصلت الإصابات إلى 500,000 إصابة يومية. وتشهد الولايات المتحدة والعالم كله الآن الموجة الثالثة من المتحور أوميكرون، ومن المتوقع أن تُصيب النسخة الجديدة "BA.5" ما بين 10% إلى 15% من الأميركيين خلال الأشهر القليلة المقبلة.

عززتْ إدارة بايدن والقادة السياسيون الآخرون والعديد من الشخصيات الإعلامية سياسات متساهلة بشأن فيروس كورونا بحجة أن اللقاحات لا تزال تقلل من خطر الوفاة والدخول إلى المستشفيات، غير أن هذه القرارات لم تكن موفقة قط، وانطوت على بعض الحماقة، وذلك لعدة أسباب، منها أنه لو انخفضت نسبة الوفيات جرّاء الإصابة بفيروس كورونا إلى مستوى الإنفلونزا الموسمية، وسمحنا للفيروس بالانتشار دون رادع، فإن الثمن الذي سندفعه مقابل ذلك سيكون وخيما وقد تظهر مفاجآت غير سارّة بالتأكيد.

لن يتوقف

على المنوال ذاته، يرى "بيدفورد" أن مثل هذا السيناريو كفيل بالسماح لفيروس كورونا بالتفشي وقتل ما لا يقل عن 100,000 أميركي كل عام، وهذا رقم ضخم للغاية! صحيح أن الأمر مع المتحورات الجديدة لم يعد كما السابق ولم نعد نعاني كما كنا في ذروة الجائحة قبل عامين، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن المتحورات الجديدة تمثل عبئا صحيا ضخما مُلقًى على عاتق البشرية. والأشد مدعاة للأسف هو أن أكثر البائسين الرازحين تحت ثِقل هذا العبء هم كبار السن والطبقة الكادحة والمرضى المُصابون بنقص المناعة.

ربما نشأت سلالة أوميكرون بأكملها من العدوى المزمنة التي يعاني منها مرضى نقص المناعة، وهم الأكثر عرضة لأن يغزو الفيروس أجسادهم باعتبارها بيئة خصبة لتطوره بسرعة أكبر وتحوره إلى نسخة جديدة؛ ما يشير إلى ضرورة التزام مرضى المناعة بالإجراءات الاحترازية لأنهم الهدف الأول للفيروس، لذا حرصهم على منع العدوى فيما بينهم سيصب في صالحهم قبل كل شيء، بجانب الحس الأخلاقي بالطبع الذي يحتّم على الجميع ضرورة الالتزام بالإجراءات ومحاولة قدر الإمكان تقليل انتشار العدوى.

لا يجب أن ينصب جل اهتمامنا حول النتيجة التي توصلنا إليها من انخفاض عدد الوفيات ونسهو عن حقيقة أنه حتى دون إرسال الأفراد إلى المستشفيات يمكن للعدوى أن تؤدي إلى استمرار أعراض كورونا على مدى فترات طويلة، وهو خطر يبدو أن اللقاحات تخفف من حدته، لكنها ما زالت غير قادرة على تفاديه تماما أو التغلب عليه، لذا يقول "بيدفورد": "إن حالات الموت الناجمة عن فيروس كورونا لا تبعث فيّ القلق بقدر ما تفعل احتمالية أن يستمر معنا الفيروس لفترات طويلة. صحيح أنني لست ناسكا يعيش منعزلا تماما عن الناس ومتقوقعا على ذاته، لكنني على الأقل أحاول اتخاذ تدابير للتخفيف من وطأة العدوى، لأنه حتى العدوى الخفيفة يمكن أن تظل مشكلة مروّعة".

في السياق ذاته، يقول الدكتور "دان باروش"، اختصاصي الأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة هارفارد، إن الكثير من أصدقائه وزملائه راحوا ضحية للمتحور الجديد، ومكثوا في منازلهم لمدة وصلت في بعض الأحيان إلى أسابيع، لكن المرض لم يشتد عليهم لدرجة ذهابهم إلى وحدة العناية المركزة والحصول على أنابيب للتنفس. كما أن الأعداد الهائلة من الموظفين المرضى الذين طلبوا إجازات أثرت بالسلب على القطاعات التي يعملون بها.

في خضم ذلك كله، لن ننسى بالطبع القطاع الطبي والمشكلة التي واجهها العاملون في مجال الرعاية الصحية عند مواجهة هذه الموجة الجديدة، فقد أدى خروج الكثير من الموظفين من ذوي الخبرة حاليا من الخدمة جرّاء تقاعدهم أو إصابتهم بفيروس كورونا إلى التسبب في أزمة حقيقية، ناهيك بظاهرة "الاحتراق الوظيفي"، وهي الضغط النفسي والبدني الذي يعاني منه جميع العاملين في هذا المجال. المؤسف أن هذه الأزمة تبقى مستمرة حتى عندما تكون أعداد الدخول إلى المستشفيات منخفضة، وتتفاقم كلما ارتفعت الأعداد.

لا تزال المحاولات للحد من انتشار العدوى شيئا مهما للغاية، وتُعَد اللقاحات هي الوسيلة الفعالة والحاسمة لتحقيق ذلك. وأخيرا بعد طول انتظار، شارف المسؤولون على الانتهاء من إنتاج اللقاحات الخاصة بمتحورات أوميكرون، وقد أوصت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) بأن تكون هذه اللقاحات مُجهَّزة للتصدي لآخر متحورين لأوميكرون، وهما "BA.4″ و"BA.5". لكن المشكلة التي قد يواجهها العالم اليوم تتمحور حول أن هذه اللقاحات لن تكون جاهزة حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول القادم، وهذه مدة كافية قد تسمح بظهور متحورات جديدة.

في السياق ذاته، يقول عالم الفيروسات التطوري "ستيفن غولدشتاين": "حتى وإن لم تكن اللقاحات الجديدة موفقة تماما في التصدي لأوميكرون، فلا بد لها على الأقل من أن تعزز من ذخيرة الأجسام المضادة للمواطنين؛ ما يجعلهم محصنين بصورة أفضل، ليس فقط من سلالة أوميكرون، ولكن من المتحورات الأخرى التي قد تظهر في المستقبل أيضا". ومع ذلك، يقول "باروش": "سيكون من الأفضل لو لم نبالغ كثيرا في الوعود التي قد تشير إلى مدى فعالية اللقاحات الخاصة بأوميكرون".

تشير البيانات السريرية إلى أن هذه اللقاحات ستكون أفضل على الأقل من اللقاحات الحالية، ولكن ذلك لا يعني أنها ستكون مختلفة اختلافا جذريا عن سابقاتها، لذا من المهم ألا نضع آمالا كبيرة عليها. وفَرَضا حصلنا بالفعل على اللقاحات التي طال انتظارها، والتي بإمكانها توفير الحماية من جميع الفيروسات، فإن محاولة إقناع الأميركيين وجميع المواطنين حول العالم بتلقيها ليست بالمهمة اليسيرة (خاصة إن كان معظمهم سبق أن تلقى لقاحات).

صحيح أن لقاحات كورونا تلعب دورا مهما للغاية في التصدي للوباء، لكن يتعذر عليها مع ذلك إنهاء مهمة كهذه بمفردها، لذا من الضروري الالتزام مرة أخرى بالإجراءات الاحترازية، على غرار ارتداء أقنعة الوجه، والتهوية الجيدة، وإجراء فحوصات سريعة، وبالطبع الدعم الاجتماعي المتمثل في الإجازة المرضية مدفوعة الأجر. ومع تعطل تمويل الاختبارات المتعلقة بفيروس كورونا والعلاجات واللقاحات، سيواصل العالم عدم استعداده الكافي لمواجهة المتحورات الجديدة.

هل حقا كل متحور يكون أقل خطورة

لنأخذ على سبيل المثال المتحور الفرعي لأوميكرون المعروف باسم "BA.2.75″، والذي ظهر لأول مرة في الهند، ويتميز بالعديد من الطفرات المُفاجِئة التي لم يسبق لنا رؤيتها في أسلافه وأقرانه من المتحورات. يقول "بيدفورد" عن هذا المتحور: "يبدو أنه ينتشر بمعدل ضعف معدل انتشار المتحور الأخير لأوميكرون (BA.5)، ويشبه في انتشاره الوتيرة الكاسحة التي سبق أن تبناها المتحور الأصلي (BA.1). وثمة احتمال لأن يكافح هذا المتحور للتفشي في بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة التي يسيطر على أجوائها الآن المتحور (BA.5). لكن بغض النظر عما يحدث حاليا، فإن هذه الجولة من المتحورات ليست الجولة الأولى التي نتعامل معها ولن تكون الأخيرة على أية حال".

اعتقاد معظم الناس أن الفيروسات تتطور حتما إلى نسخ أقل شراسة وأكثر اعتدالا لا يتعدى كونه خرافة. أحيانا تكون هذه الاعتقادات منطقية بعض الشيء، لكن لا يمكن أن يُعَوّل عليها أو اعتبارها مضمونة بأي حال من الأحوال، لأن الفيروس ببساطة يمكن أن يتطور ليغدو أشد شراسة، رغم أن اللقاحات لا تزال قادرة على التخفيف من وطأته. تعليقا على ذلك تقول "آن هان"، عالمة الفيروسات والمناعة في جامعة ييل الأميركية: "إن المتحورات الجديدة قابلة بالفعل للانتشار بسرعة فائقة، لكنها في الوقت ذاته لن تجد الكثير لتحرزه"، وهذا يهوّن بطريقة ما قلقنا، ويخفف من رغبتنا المُنهَكة في التأكد من تخطينا مرحلة الخطر.

محاولة تملص الفيروس أو تهربه من أجهزتنا المناعية هو أمر يشبه سباق تسلح تطوري مستمر بين المتحورات وأجهزتنا المناعية. تحدث هذه العملية كالآتي: يقرر المتحور الجديد أن يتحايل على أجهزتنا المناعية إلى أن ينجح في ذلك ويخترقها بالفعل، فتعيد اللقاحات بناء دفاعاتنا تدريجيا من جديد، إلى أن يظهر متحور جديد يحاول التملص مرة أخرى من أجهزتنا المناعية ليُعيد الكَرّة مرة أخرى، وهكذا دواليك. وهذا بالضبط ما يحدث مع الإنفلونزا، غير أن فيروس كورونا يتحور بسرعة أكبر.

ما قد يثير قلقنا الآن هو عدم تأكدنا مما إذا كانت المتحورات التالية ستكون أخف وطأة بإضعاف المناعة بدرجة أقل (كما يفعل المتحور BA.5 حاليا)، أم سنتفاجأ بعواقب غير متوقعة ولا مُستحَبة (كما فعلت النسخة الأولى من أوميكرون). هذا هو بالضبط ما يعنيه "التعايش مع فيروس كورونا"، وكأننا نعيش في خضم لعبة مستمرة بين قط وفأر، إما أن نلعبها بشرف وجدية، وإما أن نخسرها باستمرار نتيجة الاستهانة بمعظم الإجراءات الاحترازية.

في نهاية المطاف، علينا أن نُدرك جيدا أن مخاطر هذه اللعبة تعتمد على سؤال بسيط للغاية وهو: "هل يجب علينا الاستمرار في محاولة الحد من انتشار العدوى؟"، إذا كانت الإجابة تشير إلى أننا "لسنا في حاجة لفعل ذلك" -وهو القرار الذي تبناه معظم القادة والمسؤولين حول العالم- فذاك يعني أن المتحور الجديد "BA.5" سيظهر وكأنه لا يمثل مشكلة كبيرة، لكن إذا كانت الإجابة تحث على ضرورة "الاستمرار في محاولة منع العدوى" -وهي إجابة تبناها معظم الخبراء- فذلك يعني أن الموجة الحالية تمثل مشكلة حقيقية، ولا بد من الانتباه إليها والالتزام قدر الإمكان بالإجراءات الاحترازية لمنع انتشار العدوى.

_________________________________________

ترجمة: سمية زاهر

هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة