قاتل متسلسل.. كيف منح الإنسان السرطان الفرصة للبقاء للأبد؟

"اسمح لي يا سعد الله، سأعدِّل عبارتك. تقول: أسوأ ما في المرض أنه يكسرُ الكبرياء. لا يا صديقي، أسوأ ما في المرض أنه يُرْبِكُ ثقتك بنفسك فيتسرّب إليك الخوفُ من أنك لا تصلح، ولن تستطيع"

(رضوى عاشور، الكاتبة المصرية التي توفيّت نتيجة الإصابة بسرطان المخ)

في كتابها "الصرخة"، استكملت رضوى عاشور حكايتها مع سرطان المخ، والتي كانت قد بدأت سردها في رواية سابقة بعنوان "أثقل من رضوى". ظلت رضوى تحارب السرطان بالعمليات الجراحية والجلسات الإشعاعية والتمسك بالأمل، حتى وافتها المنية عام 2014، تاركةً قلوب الملايين من أهلها ومحبيها تتفطر حزنا عليها.

إنه السرطان، ذلك المرض الذي يغزو الجسد في هدوء، ولا يعلن عن وجوده إلا بعد أن يتمكن منك، ويصبح الفكاك منه صعبا، وأحيانا مستحيلا. السرطان الذي يحتل المركز الثاني فقط في أسباب الوفاة على مستوى العالم. صحيح أن البشر لم يتسببوا في ظهور هذا المرض الخبيث، ولكنهم استطاعوا أن يخلقوا بيئة مثالية حقا، تسمح له بالاستمرار والانتشار أكثر وأكثر.

كتاب الصرخة – رضوى عاشور

الدخان القاتل

"بدأت أدرك أن الاتصال الوثيق مع فكرة فنائي لم يغير شيئا، وغيّر كل شيء. قبل تشخيص إصابتي بالسرطان، كنت أعرف أنني سأموت يوما ما، لكنني لم أعرف متى. بعد التشخيص، علمت أنني سأموت يوما ما، لكنني لم أعرف متى. حتمية الموت مُشوِّشة، ومع ذلك لا توجد طريقة أخرى للعيش"

(بول كولانثي، الطبيب والكاتب الأميركي الذي تُوفيّ نتيجة الإصابة بسرطان الرئة عام 2015)

جميع حالات السرطان تنشأ من تحورات جينية في المادة الوراثية، ولكن هذا لا يعني أن كل الأمراض السرطانية تنتقل بالوراثة. هناك عدة أسباب بيئية تسهم في حدوثه، وهي أسباب متعلقة بالغذاء الذي نتناوله، والهواء الذي نتنفسه، وما يلامس أجسادنا أيضا. السرطان اسم عام وشامل لأكثر من 100 نوع من الأمراض السرطانية المختلفة المكتشفة حتى الآن، والتي تختلف في طريقة حدوثها والعوامل البيئية التي تسببها. من المعروف على سبيل المثال أن تدخين التبغ يزيد من فرصة الإصابة بسرطانات الرئة والفم والمريء والحنجرة، بينما التعرض للأشعة بكثرة قد يؤدي للإصابة بسرطان الثدي.

اكتُشِفت الصلة بين تدخين التبغ والسرطان للمرة الأولى عام 1761 في لندن، أي منذ 260 عاما. في عام 1929 اكتشف الطبيب الألماني "فريتز لِكِنت" العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة تحديدا، ما أدى إلى ظهور الحركة المضادة للتدخين في ألمانيا النازية في ذلك الوقت. رغم ذلك، خلال القرن العشرين فحسب، تحول سرطان الرئة من مرض نادر يصيب 5 أفراد من كل 100 ألف فرد، إلى مرض متوطن يصيب 75 فردا من كل 100 ألف بفضل عامل رئيسي هو التدخين. في عام 2020، قُدّر عدد الإصابات الجديدة بسرطان الرئة بأنواعه المختلفة بـ2.2 مليون حالة، بينما وصل عدد الوفيات إلى 1.8 مليون حالة وفاة على مستوى العالم في العام نفسه (1)(2).

هذه الأرقام لا تدعو للعجب إذا ما رصدنا الكم الهائل من الأسباب البيئية التي نتعرض لها جميعا بشكل شبه يومي والتي ترفع من فرص الإصابة بسرطان الرئة. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، فإن تدخين التبغ هو العامل رقم واحد المتسبب في الوفيات الناجمة عن سرطان الرئة بنسبة 80-90%(3). هذا عامل بيئي واحد استطاع أن يحصد أرواح الملايين على مدار الأعوام، ورغم ذلك فشل البشر في إقصائه ومنعه من قتل المزيد. ولكن، إن كنت من غير المدخنين، فأنت لست بمنأى عن أخطار التدخين السلبي.

يحتوي دخان التبغ الصادر من حرق اللفافة وزفير المدخنين على 700 مركب كيميائي(4)، 69 مركبا على الأقل منها من المواد المسببة للسرطان (Carcinogens). من المحزن أن تعجز عن تلافي أخطار التدخين السلبي وأنت محاط بالمدخنين في العمل، وفي الشارع، وفي المحال، وفي كل مكان. ما زالت الكثير من الدول تفتقر إلى التشريعات الصارمة التي تجرّم التدخين في الأماكن العامة والمغلقة مع الأسف. لا يكتفي التدخين السلبي بتعريضك لخطر سرطان الرئة، بل وسرطان الثدي والحنجرة والدم أيضا. أيضا هناك فئات معينة أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة بسبب طبيعة عملهم، مثل العاملين في صناعة المنتجات التي تحتوي على الأسبستوس (Asbestos)، وهو معدن طبيعي يعمل بوصفه عازلا ممتازا.

سفّاح النساء

"لا تخافوا، هذا الجسد كقميص رثّ لا يدوم، حين أخلعه سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق، وأترك الجنازة وأقول: هذه الحياة جميلة، والموت كالتاريخ، فصلٌ مزيّف"

(ريم بنّا، المطربة الفلسطينية الراحلة التي توفيّت نتيجة الإصابة بسرطان الثدي عام 2018)

ريم بنا

بينما يأتي سرطان الرئة في المركز الثاني في قائمة أكثر السرطانات انتشارا، فإن سرطان الثدي يتربع على رأس القائمة بفارق 600 ألف حالة في عام 2020. سرطان الثدي ليس مرضا نسائيا حصرا، فمن كل 833 رجلا، من المتوقع أن يُصاب به رجل واحد على الأقل(5). أصاب هذا المرض البشر منذ وُجد الإغريق، وكانوا يقدمون القرابين لإله الطب لإنقاذهم منه(6). يرتبط سرطان الثدي بالذات بعوامل داخلية، مثل السن، إذ يصيب النساء فوق سن الخمسين عادة. إضافة إلى ذلك، فإنه من 5-10% من حالات سرطان الثدي تحدث نتيجة وجود "جين" غير طبيعي يتوارثه الأبناء من الآباء.

ورغم ذلك، فإن العديد من العوامل البيئية قد تؤدي إلى زيادة فرص الإصابة بهذا المرض، وأهمها تدخين التبغ، سواء كانت المريضة مدخنة أو معرَّضة للتدخين السلبي(7). تفتقر العديد من دول العالم النامي للثقافة الطبية الكافية لحماية النساء من أخطار التدخين. في بعض المناطق، لا يكترث المدخنون كثيرا لمن حولهم، ويستمرون في نفث أدخنة لفافات التبغ حول النساء والأطفال، وحتى الحوامل. تعد السمنة أيضا من أسباب حدوث سرطان الثدي أو تكراره. في عام 2016، وُجد أن 15% من نساء العالم يعانين من السمنة، وهذا الرقم بالتأكيد قد تغيّر بعد ست سنوات، ربما للأعلى(8).

أضف إلى ذلك أن تعرض النساء للإشعاعات يزيد من فرص الإصابة، ليس فقط بسرطان الثدي، ولكن بسرطان المبيض أيضا. وُجد أن السيدات اللاتي عشن في محيط منطقة تشيرنوبل المنكوبة بأوكرانيا، كنّ عرضة للإصابة بسرطان الثدي أكثر بمرتين من عموم السكان(9). ولكن، حتى لو كنتِ محظوظة ولم تشهدي انفجار مفاعل نووي من شرفة منزلك، فإن التعرض لأشعة إكس، والعلاج الإشعاعي المستخدم في علاج السرطانات الأخرى، قد يزيد من فرص إصابتك. وأخيرا، فإن استخدام "العلاج بالهرمونات البديلة" والذي يحتوي على هرمونَي الإستروجين (Estrogen) والبروجيستيرون (Progesteron) اللذين يفرزهما الجسم بطريقة طبيعية، يجب أن يكون بحذر لأنه قد يسبب الإصابة بسرطان الثدي لدى بعض النساء.

للسرطان أسباب أخرى

"وأنا لا أجيب الذين يمرون فوقى

سوى بالأنين

فالأسرّة لا تستريح إلى جسد دون آخر

فالأسرّة دائمة

والذين ينامون سرعان ما ينزلون

نحو نهر الحياة كي يسبحوا

أو يغوصوا بنهر السكون"

(أمل دنقل، الشاعر المصري الذي تُوفّي نتيجة إصابته بالسرطان عام 1983)

أمل دنقل

ليست كل الأسباب البيئية للسرطانات من صنع الإنسان، فهناك بعض الأنواع من العدوى الميكروبية تزيد من احتمالية إصابتك بأحد أنواع السرطان. في السيدات، وُجد أن كل حالات سرطان عنق الرحم يمكن عَزْوها للإصابة بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV). من حسن الحظ، تم تطوير لقاح فعال ضد هذا الفيروس أسهم في خفض حالات سرطان عنق الرحم بنسبة 90% وفقا لإحدى الدراسات(10).

أيضا، فإن فيروسي الالتهاب الكبدي الوبائي "ب" و"ج"، اللذين يتسببان في التهاب خلايا الكبد وتليفها على المدى البعيد، يعدّان من الأسباب الرئيسة في حدوث سرطان الكبد. تحتل مصر المركز الثاني عالميا في الإصابة بسرطان الكبد، نتيجة الانتشار المروّع لفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي "ج" تحديدا. خلال حملات علاج المواطنين من البلهارسيا في الفترة بين 1950-1980، استُخدِمَت نفس المحاقن الملوثة بالفيروس لحقن الدواء للجميع دون تعقيم. لم تكن المحاقن البلاستيكية قد وُجدت بعد، ولم تكن الفيروسات الكبدية على الخريطة من الأساس، لذا ابتُلي المصريون بوباء جديد ما زال يعصف بأكبادهم حتى اليوم(11).

بعيدا عن الفيروسات، عليك أن تحترس من قطعة اللحم الحمراء الشهية في طبقك. وجدت العديد من الدراسات، من ضمنها واحدة منشورة في أكتوبر/تشرين الأول 2021، علاقة وثيقة بين تناول اللحوم الحمراء، وخاصة تلك المصنعة منها، وبين انتشار حالات سرطان القولون والمستقيم (Colorectal cancer). ينتشر هذا المرض تحديدا في الدول المتقدمة نتيجة ارتفاع أعمار المواطنين بها، فمعظم المرضى بهذا النوع من السرطان أعمارهم فوق الخمسين(12). من جديد، يمكننا ضبط تدخين التبغ بوصفه مُتّهَما في التسبب بسرطان القولون، بالإضافة إلى تناول الكحوليات بكثرة، والسمنة المفرطة. لا ينفي هذا وجود أسباب جينية للمرض، حيث تزداد فرص الإصابة به إذا أصيب أحد أقارب الدرجة الأولى من قبل.

ما يمكننا فعله

"يمكن لكل أحلامنا أن تتحقق إذا ما امتلكنا الشجاعة لملاحقتها"

(والت ديزني، رجل الأعمال الرائد في مجال صناعة الكرتون، وصاحب شركة والت ديزني الشهيرة، تُوفيّ نتيجة الإصابة بسرطان الرئة عام 1966)

والت ديزني

لا يمكن الوقاية من السرطان بنسبة 100%، لأنه حتى لو تجنبنا كل الأسباب البيئية المسببة للسرطان، ستظل هناك الأسباب الجينية. تنقسم خلايا الجسم باستمرار ما دمنا أحياء، وخلال عملية الانقسام قد تحدث "أخطاء النسخ" التي تؤدي لحدوث السرطانات. تقع هذه الأخطاء خلال عملية نسخ المادة الجينية من الخلية الأصلية، حيث تُكتب بعض "الحروف الجينية" بطريقة خاطئة، متسببة إما في تنشيط الجينات المسرطنة، وإما في تعطيل الجينات المثبطة للسرطان. تشير دراسة صادرة عن جامعة جون هوبكنز إلى أن أخطاء النسخ قد تكون السبب في ثلثي حالات السرطان في العالم(13). (للمزيد اقرأ تقرير ميدان: لماذا لم يكتشف العلماء علاجا نهائيا للسرطان حتى الآن؟).

يجب أيضا أن نضع في الاعتبار أن السبب الأول في حدوث الأمراض السرطانية هو سبب أصيل في البشر، وهو التقدم في العمر. هذا العامل الحتمي لا يمكن لنا أن نتحكم به على أي حال، مثل قطار سريع بلا مكابح. لكن ما يمكننا التحكم به إلى حد ما هي الأسباب البيئية الأخرى التي أوجدها الإنسان، مثل عوادم السيارات والمصانع التي يزيد استنشاق دخانها من خطورة الإصابة بسرطان الدم، والأرض المعبدة بالقطران التي تمشي عليها كل يوم ويتم رصفها أمام ناظريك، وتشكّل خطرا للإصابة بسرطان الجلد إذا ما تعرض للقطران مباشرة(14). وإذا ذُكر سرطان الجلد، فلا بد من ذكر أشعة الشمس الحارقة، والتي قد تتسبب في حدوث سرطان الجلد أيضا إذا لم تضع واقيا مناسبا من الأشعة على جلدك.

يبقى مرض السرطان الخبيث مرضا شديد التشابك والتعقيد، وما زال أمام الطب الكثير من السنوات للوصول للفهم الكامل له. هناك ما لا يمكننا تجنبه، وهو جيناتنا التي ورثناها، أو أخطاء النسخ التي لا يد لنا فيها. وهناك ما يمكننا على الأقل محاولة تفاديه، مثل دخان التبغ، والسمنة، وعوادم السيارات، وتعاطي الكحوليات، والإصابة بالفيروسات المسببة للسرطانات. بينما تقع مسؤولية مواجهة الأسباب البيئية على عاتق الحكومات، إلا أن إجراء بعض التعديلات على أسلوب حياتك قد تعطيك ميزة وقائية تدفع بها عن نفسك هذا المرض اللعين. مارس الرياضة، وتناول الكثير من الخضراوات، واحمِ نفسك من الفيروسات، وتوقف عن التدخين فورا.

___________________________________________

المصادر:

  1. .New cancer cases worldwide by type 2020 | Statista 
  2.  .Deaths from chronic diseases worldwide 2019 | Statista 
  3. What Are the Risk Factors for Lung Cancer? | CDC. 
  4. Secondhand Tobacco Smoke (Environmental Tobacco Smoke)
  5. Male Breast Cancer. 
  6. History of Breast Cancer: Timeline. 
  7. Breast Cancer Overview: Causes, Symptoms, Signs, Stages & Types 
  8. Obesity and Overweight.
  9. Breast cancer risk in residents of Belarus exposed to Chernobyl fallout while pregnant or lactating.. Epidemiology | Oxford Academic). 
  10. Study Confirms HPV Vaccine Prevents Cervical Cancer 
  11. Egypt: The flatworm’s revenge | Nature 
  12. Discovery and Features of an Alkylating Signature in Colorectal Cancer 
  13. New Study Finds That Most Cancer Mutations are Due to Random DNA Copying ‘Mistakes’ – 03/23/2017 
  14. Coal Tar and Coal-Tar Pitch – Cancer-Causing Substances – National Cancer Institute 
المصدر : الجزيرة