حين هزمت الخرافة العلم.. لماذا يروج المثقفون الشائعات والأكاذيب؟

في 21 سبتمبر/أيلول 2021، قضت محكمة بريطانية بسجن طبيب مصري يُسمى حسام متولي لمدة 14 سنة، على إثر إدانته بمحاولة(1) تسميم شريكته، عبر حقنها بمواد مخدرة ومهدئة في سياق طقوس لطرد الأرواح الشريرة، جاء ذلك بعد ثمانية أسابيع من الجلسات والتحقيق في القضية التي شغلت الرأي العام في بريطانيا، ومصر كذلك.

 

خلال خمس سنوات مضت، حقن متولي، 61 سنة، كيلي ويلسون، 34 سنة، بتشكيلة متنوعة من المواد الطبية المخدرة مثل الكيتامين والبروبوفول والفينتانيل، إلى جانب استخدام مجموعة من "الزيوت المباركة" التي رشَّها على شريكته، مع تلاوة آيات من القرآن، خلال عشرات الجلسات التي خضعت لها، انتهى الأمر بدخول ويلسون في غيبوبة يوم 4 يوليو/تموز 2019، وكانت على شفا الإصابة بذبحة صدرية مما تطلَّب نقلها إلى المستشفى، ومن هنا بدأت القضية.

 

بسبب حساسية القضية، أوضح القاضي البريطاني أن الطقوس التي استخدمها متولي مع المرأة التي استغلَّها "ليس لها علاقة بالإجراءات الإسلامية المعمول بها في مثل هذه الحالات"، لكن بعيدا عن تلك النقطة، لا بد أن سؤالا أساسيا يُلح على أذهاننا في سياقات كتلك، لِمَ يفعل الرجل ذلك؟ قد تتصوَّر أن أحد الدجالين أو المشعوذين هو مَن سيُقدم على جلسات كهذه مُستخدِما مواد مخدرة لا علم له بمدى خطورتها، لكن الطبيب يعرف كل شيء عنها، تركيبتها وكيميائها وكيفية عملها، وحركيتها داخل الجسم.

 

الطبيب الذي أجاب بـ "نعم"

لكن الأمر ليس بتلك السهولة، تأمَّل مثلا تلك الدراسة(2) التي نُشرت قبل نحو ثلاثة أشهر في دورية "بلوس وان" الشهيرة، التي حاولت أن تجيب عن سؤال يبدو بديهيا للوهلة الأولى: هل يختلف الطبيب عن المهندس -مثلا- عندما يتعلَّق الأمر بالتعامل مع الأخبار الكاذبة حول جائحة "كوفيد-19″؟

 

في الدراسة التي أجراها "سفين جونر" وفريقه من جامعة مارتن لوثر الألمانية، عُرضت 8 قصص إخبارية كاذبة عن "كوفيد-19" على 2000 مواطن ألماني مُقسمين إلى أربع مجموعات، المجموعة الأولى ضمَّت مٌتخصِّصي الرعاية الصحية (الأطباء مثلا)، والثانية ضمَّت طلاب كليات الرعاية الصحية، والثالثة حوت مُتخصِّصين من مهن أخرى، أما الرابعة فضمَّت طلاب كليات مهنية أخرى، بعد ذلك، قيست قدرات المجموعات الأربع على أنماط من التفكير التحليلي، ثم فُحصت نتائج تصديقهم لتلك الأخبار الكاذبة من عدمه. جاءت النتائج لتقول إنه لم يكن هناك فارق يُذكر بين المُتخصِّصين في الرعاية الصحية أو الطلاب في هذه النطاقات مقارنة بغير المُتخصِّصين (أصحاب المهن الأخرى) والطلاب في الكليات الأخرى التي لا تدرس أيًّا من تخصُّصات الرعاية الصحية، إنها النتيجة الغريبة نفسها التي نتحصَّل عليها.

 

ربما يأتي أحد التفسيرات من الدراسة نفسها، فبجانب فحص حالات تصديق الأخبار الكاذبة، التي بيَّنت تساويا بين المجموعات، وجدت اختبارات التفكير التحليلي علاقة طردية واضحة بين القدرات التحليلية وتمييز الأخبار الكاذبة، حيث كان الأفراد -من كل المجموعات- الذين يمتلكون قدرات أكبر في التفكير التحليلي أكثر قدرة على تمييز الأخبار الكاذبة، بغض النظر عن مهنتهم.

 

فحصت الدراسة آليتين للتفكير، الأولى هي ما يُسمى بالتفكير المنفتح النشط (AOT)، ويعني قدرة الفرد على التحرُّر من التحيُّز والبُعد عن التفكير المنغلق والمرونة في التفكير، وكذلك القدرة على الموازنة بين الأدلة المختلفة التي تُعرض عليه واختيار الدليل المناسب بغض النظر عن تفضيله الشخصي. أما الآلية الثانية فهي التفكير الانعكاسي المعرفي (CRT)، ويعني ميل الشخص لتجاوز حدسه غير الصحيح والانخراط في مزيد من التفكير والبحث للعثور على إجابة صحيحة.

 

فوضى الخرافات اللذيذة

لهذا السبب لا تتعجَّب حينما تلتقي على تويتر بأستاذ جامعي عراقي في الطب أو طبيبة مصرية كانت مهتمة في وقت سابق بالتربية الجنسية وتراهم يُروِّجون صراحة للخرافات، سواء حول "كوفيد-19" أو أيٍّ من تلك الفانتازيا المُتعلِّقة بالطب البديل والعلاج بالأعشاب والطاقة والهالات والعلاج بالماء الشافي واللمسة الشافية، الطب هنا ليس إلا مهنة، لكنه للأسف لم يتحوَّل إلى طريقة تفكير.

 

عموما، حينما نتأمل الأسباب المُحتمَلة لإيمان الناس بالخرافات والدجل والشعوذة ونظريات المؤامرة والأخبار الكاذبة، فإن مستوى التعليم يلعب دورا لا يمكن إنكاره، فعادة ما يكون الحاصلون على المؤهلات الجامعية أقل إقبالا على تلك الأفكار، لكن في حالات خاصة مثل انتشار جائحة عالمية، مع حالة الرعب التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في العالم أجمع، فإن التوتر يؤثر على عدد أكبر من الناس وينضم الكثير من أصحاب التعليم العالي إلى قطيع الدجل. في إحدى التجارب التي يحكي عنها دانيال كانيمان، العالِم الحاصل على نوبل في الاقتصاد في كتابه "التفكير بسرعة وببطء"، ثبت أن نظام التفكير المتأني الخاص بنا يتأثر بأشياء كثيرة، منها مثلا حينما يُطلب منك أن تحفظ عددا من الأرقام، فكلما ازداد هذا العدد فإن هناك فرصة أكبر للوقوع في الخطأ.

 

على جانب آخر، فإن العالم يمر بفترة استقطاب سياسي غير مسبوقة، وتُشير الدراسات في هذا النطاق إلى أن كونك جمهوريا مثلا، في الولايات المتحدة الأميركية، سيؤثر بقوة في مدى تصديقك للأخبار الكاذبة أو نظريات المؤامرة أو الخرافات التي تؤيد فريقك الحزبي أو تُسيء إلى منافسيك، في هذه الحالة فإننا ننزع إلى القبلية، أي إننا نميل إلى تصديق ما يؤيد انتماءنا إلى جماعتنا أو حزبنا، بغض النظر عن الحقائق.

الأخبار الكاذبة

يُعيدنا ذلك مرة أخرى إلى دراسة جونر، التي تؤيد أهمية التفكير التحليلي في عصرنا المسكون بالأخبار الكاذبة والخرافات، لكنها على ما يبدو ليست الدراسة الوحيدة في هذا النطاق. في دراسة أخرى(3) نُشرت قبل عدة سنوات بالدورية نفسها، فحص الباحثون البيانات من ثلاثة استطلاعات تمثيلية على مستوى الولايات المتحدة، شمل كلٌّ منها 500-1000 مشارك. كان هدف الدراسة هو فهم كيفية تشكيل الناس لمعتقداتهم، وكيف يمكن أن يساهم ذلك في قبولهم للأفكار مع القليل من الأدلة أو حتى في ظل غياب أي دليل متماسك يدعمها.

 

تلقَّى المشاركون 12 سؤالا اختياريا، تضمَّن ذلك اختيارات مثل: "أثق في حدسي لإخباري بما هو حقيقي وما هو غير ذلك"، و"الدليل أكثر أهمية مما إذا كنت أشعر أن شيئا ما صحيح" و"الحقائق يُمليها علينا مَن هم في السلطة". تضمَّنت الاختبارات كذلك أسئلة حول العلاقة بين اللقاحات والتوحُّد، والعلاقة بين النشاط البشري وتغير المناخ، وقيَّم الباحثون أيضا ميل المشاركين في الاستطلاع إلى الاتفاق مع سبع نظريات مؤامرة معروفة.

 

استخدم الباحثون الإجابات عن هذه الأسئلة لتقييم إيمان الناس بالحدس، وحاجتهم إلى الأدلة، واعتقادهم بأن "الحقيقة" هي مسألة سياسية، وجاءت النتائج لتؤكِّد أن الأشخاص الذين يميلون إلى الثقة في حدسهم، أو الاعتقاد بأن الحقائق التي يسمعونها متحيزة سياسيا، أو الاعتقاد أن الحقيقة تتشكَّل من خلال السياسة والسلطة، هم أكثر عُرضة للوقوف وراء معتقدات أو أفكار كاذبة، أما أولئك الذين يعتمدون على الأدلة فهم أقل عُرضة لتصديق تلك الأكاذيب.

 

لقد حدث ذلك معي أيضا.. أنا أُصدِّقه

محاضرة

في السياق ذاته، تكشف لنا دراسة(4) من جامعة جلاسكو البريطانية أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستويات عالية من الذكاء العاطفي أقل عُرضة لتصديق الأخبار الزائفة والخرافات المنتشرة، المميز أن هذه الدراسة جمعت تعليقات الأشخاص الذين اعتقدوا أن القصص المفبركة حقيقية، وتعليقات أولئك الذين عرفوا أنها مفبركة وكاذبة.

 

على سبيل المثال، كان من ضمن سِمَات الذين صدَّقوا هذه الأكاذيب والخرافات أنهم اعتمدوا على الخبرة الشخصية ("لقد حدث ذلك معي (أو مع أطفالي) من قبل")، أو أنهم اهتموا فقط بوجود أشكال بيانية سواء كانت صحيحة أم لا ("حجة جيدة فهو يستخدم أشكالا بيانية" أو "انظر للأشكال البيانية فهي تقول كل شيء")، كذلك فإنهم صدَّقوا الخبر الكاذب حينما تناسب مع قناعات سابقة لديهم ("بالضبط، هذا ما أفكر فيه").

 

أما الذين رفضوا تصديق الأكاذيب والخرافات فكانوا يميلون إلى التعليق على لغة المقال العاطفية ("هذه لغة عاطفية مُخصَّصة لدفعك كي تُصدِّق")، والتعقيب على الدلائل ("لا توجد دلائل"، "لا توجد حقائق"، "لا توجد بيانات")، وكذلك التساؤل حول المصادر ("أين المصدر؟ هل هو حكومي؟ هل هو عالِم مُتخصِّص موثوق به؟")، وانتقاد احترافية اللغة ("لغة غير احترافية"، "هذه آراء وليست حقائق").

 

يبدو إذن أن العمل على تطوير المهارات الفكرية (مثل التفكير التحليلي والذكاء العاطفي) لدى الناس، وهو أمر أظهرت الأبحاث أنه ممكن، قد يساعد في تطوير قدراتهم على تجنُّب السقوط في بئر الخرافة والدجل والكذب الإخباري، إلى جانب ذلك ترى مجموعة من الدراسات أن الإنسان المعاصر دخل إلى العصر الرقمي بدون أدوات تؤهِّله للخوض بهذا العالم، لذلك فإنه تحوَّل إلى مدمن، بدرجة أو بأخرى، على الخرافات والأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة.

 

محو أمية إلى الأبد

محو الأمية المعلوماتية

يقودنا الإنترنت إلى دراسة(5) أخرى في هذا النطاق نُشرت في دورية "بيهافيورال آند إنفورميشن تكنولوجي" (Behavioural and information technology)، حيث طلب الفريق البحثي من 396 شخصا من إندونيسيا تقييم مهاراتهم وسنوات خبراتهم على الإنترنت، وكذا مواقفهم تجاه التحقُّق من صحة المعلومات المتداولة عبر الشبكة العنكبوتية وموثوقيتها، بما في ذلك عدد المرات التي شاركوا فيها المعلومات دون التحقُّق من الحقائق.

 

جاءت النتائج لتقول إن عوامل مثل العمر والطبقة الاجتماعية والجنس لم ترتبط بوضوح بتصديق الناس للخبر الكاذب، في حين أن مهارات مثل محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية لعبت الدور الأكبر في التعرُّف على المعلومات الخاطئة، إلى جانب مهارات التحقُّق من المعلومات (مثل البحث عن بعض المعلومات الجديدة في خبر زائف ما على غوغل قبل مشاركتها على الفور)، وظهر أن أولئك الذين لديهم إيمان قوي بمصداقية المعلومات على الإنترنت هم أكثر عُرضة لمشاركتها دون تحقُّق.

 

محو الأمية المعلوماتية هو اصطلاح يُعبِّر عن القدرة على العثور على المعلومات وتقييمها وتنظيمها واستخدامها وتوصيلها بجميع أشكالها المختلفة، وعلى الأخص في المواقف التي تتطلَّب اتخاذ القرار أو حل المشكلات أو اكتساب المعرفة، عموما يُعبِّر هذا النطاق عن مزيج من مهارات البحث والتفكير النقدي وتقنيات الحاسوب ومهارات الاتصال.

بحث المعلومات و التدقيق بها

أما محو الأمية الإعلامية فيعني الممارسات التي تسمح للناس بالوصول إلى كل وسائل الإعلام وتقييمها نقديا وفهم تأثيرها عليهم بغض النظر عن المعلومات أو الحقائق المُقدَّمة بها، يهدف تعليم محو الأمية الإعلامية إلى تعزيز الوعي بتأثير وسائل الإعلام وخلق موقف نشط تجاه استهلاك وسائل الإعلام، يمكن لك في تلك النقطة تأمل تقرير سابق للكاتب بعنوان "الوجه المظلم لمحاضرات تيد.. هل هي حقا أفكار تستحق الانتشار؟".

 

يمكن لطلبة المدارس والجامعات أن يتلقوا مناهج تعليمية تتضمَّن مقررات لمحو الأمية المعلوماتية والإعلامية، وكذلك أساليب التفكير النقدي والتحليلي. طالما كان اصطلاح "محو الأمية" في مجتمعاتنا يعني القراءة والكتابة، ثم ظهر الحاسوب فتحدَّثنا عن محو الأمية الحاسوبية، ثم ها نحن أمام نوع جديد من الأمية بالعصر الحالي، ولا يبدو لنا أن هذا النوع من التعليم اختيار أو رفاهية، بل هو ضرورة لحياة عادية في عالم مُشبَّع بالكذب.

————————————————————————–

المصادر

  1. سجن الطبيب المصري حسام متولي لحقنه شريكته بمواد مخدرة خلال "جلسات طرد الجن"
  2. Infodemics: Do healthcare professionals detect corona-related false news stories better than students?
  3. Epistemic beliefs’ role in promoting misperceptions and conspiracist ideation
  4. Detecting fake news on Facebook: The role of emotional intelligence
  5. Recognise misinformation and verify before sharing: a reasoned action and information literacy perspective
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

سلطت حادثة انتحار فتاة المجمع التجاري في القاهرة الضوء على خطورة الدور الذي تلعبه التغطيات الصحفية ووسائل التواصل لحوادث الانتحار في منصاتنا الإلكترونية بالوطن العربي.. فكيف يساهمون في تفاقم الأمر؟

Published On 21/9/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة