هل تلعب ميكانيكا الكم دورا أكبر مما نتخيله في تشكيل الكون؟

مقدمة:

هل هذا الكون بالأعلى منفصل عن ذواتنا، أم أننا نحن مَن نوجده بالصورة التي هو عليها الآن؟ إنه سؤال هائل ومُعقَّد، لكن الطبيعة الغريبة لميكانيكا الكم تُعيد صياغته، وتُحيله من سؤال فلسفي إلى نتيجة نظرية، في ميكانيكا الكم نجد ظواهر مثل التراكب الكمي، وهي الحالة التي يمكن فيها للإلكترون مثلا أن يوجد في مكانين مختلفين في الوقت نفسه، والتشابك الكمي، وهي الحالة التي يمكن خلالها لجسيمين أن يكونا على بُعد مسافة هائلة من بعضهما بعضا لكنهما يتأثران ببعضهما بعضا.

غالبا ما تميل الطبيعة داخل العالَم الكمي، أو قل عالَم الأجسام دون الذرية، ناحية الاحتمالية وعدم اليقين، في حين أن الطبيعة في عالمنا الكلاسيكي، أو قل العالَم الكبير الذي يحتوي على أجسامنا وسياراتنا وفناجين القهوة، يقينية بدرجة أكبر، وطالما كان هذا الفارق محيرا للعلماء، ببساطة لأن أجسامنا تتركَّب من ذرات، لِمَ إذن توجد أجسامنا في العالَم الكلاسيكي وذراتها في العالَم الكمي؟

نص الترجمة:

الشيء الوحيد الذي يعرفه الجميع عن ميكانيكا الكم هو أن العالَم الكمي أو "عالَم الفيزياء" غامض ولا يحمل شيئا مؤكَّدا، وأقرب مثال لذلك هي التجربة التي أجراها عالِم الفيزياء النمساوي إروين شرودنغر، التي أُطلق عليها "قطة شرودنغر"، وهي التجربة التي أثارت الكثير من النكات حولها. تبدأ القصة حينما يوقف رجل شرطة سيارة العالِم الفيزيائي شرودنغر ويسأله إن كان يوجد أي شيء في صندوق السيارة، فيُجيبه الأخير:

  • توجد قطة.
  • يفتح الشرطي صندوق السيارة ويصرخ مفزوعا: "يا إلهي! هذه القطة ميتة".
  • يرد شرودنغر بغضب: "حسنا، أصبحت الآن ميتة".


في هذه التجربة الذهنية، يتخيَّل شرودنغر أنه وضع قطة في صندوق معدني إلى جانب عداد جايجر وقارورة من السُّم، بالإضافة إلى مطرقة ونظير لمادة مُشِعَّة. عندما يتحلَّل النظير المُشِع، يكتشف عداد جايجر ذلك ويدق المطرقة لإطلاق السُّم في القارورة الذي يقتل القط بعد ذلك. يُعتبَر التحلُّل الإشعاعي عملية عشوائية، ولا توجد طريقة للتنبؤ بموعد حدوثها. إلى أن يُفتح الصندوق، لا يعرف الراصد ما إذا كانت القطة حية أم ميتة، وذلك لأن مصير القطة مرتبط بما إذا كانت الذرة قد تحلَّلت أم لا، وستكون القطة -كما قال شرودنغر- حية وميتة على حدٍّ سواء حتى تُرصَد.

من الكمي إلى الكلاسيكي

أمر تلك الاحتمالات ليس بهذا السوء كما هو واضح من نكات الفيزياء. توضِّح التجربة على الأقل أن ما قام به شرودنغر عمل جيد ساهم في خلق صورة جذابة كفاية لتصبح "ميما" ثقافيا. ربما يرى المرء أن تجربة القطة كانت ناجحة للغاية، فما زال يُستشهَد بها بصفتها تعبيرا عن الحيرة البشرية إزاء حقيقة أن النطاقات المحدودة لعالَم الفيزياء الكمية، التي تختص بالأجسام الدقيقة وسلوكها (العالَم الصغروي)، يمكن أن تؤثر على عالَم الفيزياء الكلاسيكية، الذي يشملنا نحن البشر (العالَم الكبروي).

الميزة هي أن ما يُسمى بالانتقال من الكمي إلى الكلاسيكي (الذي تُمثِّله حالة فتح صندوق السيارة) أصبح حاليا واضحا ومفهوما إلى حدٍّ كبير. تغيَّرت الأمور وتقدَّمت لدرجة يمكن معها الآن تفسير السبب والكيفية التي يصبح من خلالها عالَم الكم كلاسيكيا بدقة أكبر بكثير مما فسَّره شرودنغر ومعاصروه، كما أن الجواب قد يكون رائعا ومذهلا إلى حدٍّ ما.

على نطاق أوسع، لا يمكن استبدال ميكانيكا الكم لصالح نوع آخر من الفيزياء، لكن بإمكان ميكانيكا الكم أن تُسفِر حقا عن ظهور الفيزياء الكلاسيكية، كما حدث في تجربة شرودنغر. إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فسنكتشف أن واقعنا اليومي المنطقي يعتمد ببساطة على ما تبدو عليه ميكانيكا الكم عندما يبلغ طولك ستة أقدام، وربما تُقِرّ في هذه الحالة بأن العالَم من حولك كمي، لكن السؤال هنا لن يكون لماذا العالَم الكمي "غريب"، وإنما لِمَ لا يبدو عالمنا هكذا أيضا؟

على أيام شرودنغر، بدا الانتقال من الكمي إلى الكلاسيكي كأنه عبور محيط بين قارتين، قد يكون رسم الحدود في مكان ما في عرض البحر حدثا اعتباطيا وعشوائيا، لكنَّ القارتين بلا شك مُحدَّدتان. تعليقا على ذلك، يقول شرودنغر إن هناك قارة تُمثِّل العالَم الكمي، وهو عشوائي ولا يمكن التنبؤ به، بينما العالَم الكلاسيكي (الذي هو عالمنا اليومي) منظم وحتمي لأنه يعتمد فقط على التنظيمات الإحصائية، في مقابل كل هذه الفوضى الموجودة على النطاق الذري.

فكرة شرودنغر الخطيرة

راود شرودنغر حلم إجراء تجربته الفكرية "الشيطانية" هذه عام 1935 (كان هذا وصفه الشخصي للتجربة)، كان الغرض منها تقديم تحدٍّ أمام التفسير الذي أعلن عنه عالِم الفيزياء الدنماركي "نيلز بور" تجاه ميكانيكا الكم، إذ اتفق شرودنغر بنسبة كبيرة مع الشكوك التي ساورت ألبرت أينشتاين تجاه تفسير بور لميكانيكا الكم، فقد اقترح الأخير وزملاؤه أن جسيمات الكم تتصرَّف وفقا لقوانين الاحتمالية، وهو الأمر الذي وجده أينشتاين غير مقبول.

كان من الجيد جدا أن يفرض بور حدًّا فاصلا وصارما بين ميكانيكا الكم والميكانيكا الكلاسيكية، وأن يجعل الملاحظة هي العملية التي تُميِّز بينهما. لكن السؤال هنا: ماذا سيحدث إذا اقترنتْ ميكانيكا الكم بالعالَم الماكروسكوبي (أي عالَم الأجسام الكبيرة مثل حركة الأجرام السماوية وسرعة الضوء وعلم الفلك) دون أن نلاحظ ذلك؟

كان شرودنغر يبحث في فرضية بور التي رأى أنها فرضية مثيرة للسخرية، وما هي في الحقيقة إلا برهان الخلف (a reductio ad absurdum) (هي برهنة أساسها إثبات صحة المطلوب بإبطال نقيضه أو إفساد المطلوب بإثبات نقيضه)، ولا يجب الإيمان بها أو تصديقها بالمعنى الحرفي، وهذا لأننا نواجه تراكبا للحالات الماكروسكوبية التي لا تبدو فقط غريبة (مثل وجود جسم كبير في مكانين مختلفين في الوقت ذاته على غرار ما يحدث في ميكانيكا الكم حين نقول إن إلكترونا ما موجود في مكانين بالوقت ذاته)، لكنها أيضا تنافي المنطق.

أثار أينشتاين احتمالية أن تكون حالة برميل البارود غير المستقرة تحتوي على تراكب لكلٍّ من الحالات المتفجرة وغير المتفجرة، وزاد شرودنغر الرهان بقطته التي تعتمد حياتها أو موتها على حدث كمي مثل التحلُّل الإشعاعي للذرة. إذا كانت حالة الذرة، كما قال نيلز بور، غير محددة بعد (أي في حالة تراكب، بمعنى أن الحالات الكمومية المتاحة يُمكن أن تُضاف إلى بعضها بعضا)، فلا بد أن تكون حالة القطة كذلك أيضا.

أضداد في عالم واحد

تُجبرُنا قطة شرودنغر على إعادة التفكير فيما يميز السلوك الكمي عن السلوك الكلاسيكي، ونتساءل لماذا يتحتم علينا أن نقبل إصرار بور على أنهما شيئان مختلفان جذريا ما لم نتمكَّن من تحديد هذا الاختلاف؟ طبقا للفيزياء الكلاسيكية، فإن الأجسام الكلاسيكية مثل فناجين القهوة تحمل سمات محددة، بينما الأجسام الكمومية لا تتمتع بالضرورة بخصائص معينة مثل مواضع وسرعات محددة بدقة، أو خصائص تصف الجسم نفسه.

ربما نقول إن العالَم الكلاسيكي تغلب عليه سمة اليقين، بينما العالَم الكمي ليس أكثر من مجموعة من الاحتمالات التي تعتمد على نتائج القياس الفردية التي تُحدِّدها المصادفة، ومع ذلك فإن نقطة التمييز الحقيقية بينهما تكمن في أن الأجسام الكمية تتسم بطبيعة موجية، وهذا يعني أن المعادلة التي ابتكرها شرودنغر عام 1924 لتحديد سلوك هذه الأجسام توضِّح أنه ينبغي وصفها كما لو كانت موجات.

يؤدي ‏هذا التفاعل بين الموجات إلى خلق ظواهر كمية واضحة مثل التداخل والتراكب والتشابك، وتصبح هذه الأوضاع أو السلوكيات ممكنة عندما توجد علاقة محددة بدقة بين "الموجات" الكمومية إن كانت في حالة تطابق، وتُعرَف هذه العملية باسم "الاتساق" (Coherence) (الذي يصف اتساق جميع الخصائص الفيزيائية بين عدة موجات).

 

ينشأ أصل هذا المفهوم من علم الموجات العادية الذي يحدث خلاله التداخل المنتظم للموجات أيضا، مثل ذلك التداخل الناتج من تجربة "الشق المزدوج" أو ما يُعرف بـ "شِقَّيْ يونج"، التي تُعَدُّ إحدى أهم التجارب الفيزيائية التي بحثت في طبيعة الضوء وإثبات طبيعته الموجية (تتكوَّن أية موجة، مثل موجة البحر، من قمة عليا وقاع بالأسفل، وإذا تداخلت موجتان وتوافقت القمم مع القيعان فإنها تعطي موجة أكبر).

لا يحدث هذا التداخل إلا إذا كان هناك اتساق بين ذبذبات الموجات المتداخلة. لكن إن لم يحدث هذا الاتساق، فربما لن يوجد أي تزامن منتظم لقمم وقيعان الموجات، ولن يكون هناك نمط للتداخل المنتظم بينهما، وكل ما سيتبقى هو مجرد اختلافات عشوائية بلا ملامح محددة في الموجة الناتجة.

وبالمثل، إذا كانت وظائف الموجات الكمية غير متسقة لحالتين (لجسمين)، فستفقد هذه الموجات خاصية التداخل، ولن تتمكَّن من الحفاظ على التراكب الكمي. وطبقا لذلك، فإن إزالة الترابط أو التماسك (أو ما يُسمَى "بفكّ الترابط أو التماسك الكمومي" (decoherence)) يُدمِّر هذه الخصائص الكمومية الأساسية للجسيمات، وتتصرَّف الجسيمات مثل الأنظمة التابعة للفيزياء الكلاسيكية.

لا تُظهِر الأجسام الكبيرة (الكلاسيكية) تداخلا كميا، ولا توجد في حالات تراكب، وهذا لأن وظائفها الموجية غير متسقة مع بعضها بعضا. من المفيد والجيد أن نُفكِّر في أن هذه العناصر الكبيرة، مثل أجسامنا وفنجان الشاي والسيارة، ذات وظائف موجية، فهي -في النهاية- مؤلَّفة من أجسام كمية أصغر، وبالتالي يمكن التعبير عنها على أنها مجموعة مكافِئة للدالة الموجية (تُستَخدم الدالة الموجية المرافقة لكل جسيم في تحديد احتمال وجوده في أي نقطة من الفراغ، كما تُعبِّر عن الصفات الموجية للجسيم). المشكلة هي أن الوظائف الموجية للأجسام العيانية -التي تُرَى بالعين المجردة- مثل فنجان القهوة في هذا المكان أو ذاك ليست متسقة كميا، والاتساق الكمي هو أساسا ما يسمح بظهور "الحالة الكمومية".

البيئة المحيطة

لم نتوصَّل إلى أي سبب حتى الآن يوضِّح لماذا لا يمكن للأجسام أن تبقى في حالات كمية متماسكة بغض النظر عن حجمها، وبشرط عدم إجراء قياس كمي عليها، لكن يبدو أن القياس بطريقة ما يُدمِّر الاتساق الكمي، فيؤدي بذلك إلى انهيار الدالة الموجية (يحدث انهيار للدالة الموجية عند الانتقال من حالتها الموجية المنتشرة إلى حالة جسيم موضعيّ). إذا تمكَّنَّا من فهم كيف يؤثر القياس على الاتساق الكمي، فسنستطيع حينها أن نُدخِل القياس في نطاق نظرية الكم، بدلا من جعله حدًّا تتوقَّف عنده النظرية.

العامل الحاسم في فهم فك الاتساق الكمي هو أن هناك أشياء توجد في كل مكان حولنا، أشياء نسميها: البيئة المحيطة. الحقيقة هي أن كل نظام كمي حقيقي في الكون له مكان ما، ومُحاط بأشياء أخرى يتفاعل معها، بمعنى أن قطة شرودنغر مثلا حينما تُوضَع داخل صندوق مغلق، يجب أن يتوفر لها هواء بالداخل حتى تحصل على فرصة لتبقى على قيد الحياة، من المنطقي تخيُّلها مرتاحة على سطح ما داخل الصندوق تتبادل معه الحرارة.

في ميكانيكا الكم، تلعب البيئة دورا محوريا في كيفية جريان الأمور، واتضح فيما بعد أن هذا الدور هو بالضبط السبب في استدعاء وهم انفصال الفيزياء الكلاسيكية عن ميكانيكا الكم. غالبا ما يُنظَر إلى الخصائص الكمية مثل التراكب على أنها ضعيفة وهشة. تقول الأسطورة: اعرض هذه الخصائص على بيئة صاخبة، وانتظر لترى كيف تُدمِّر الاهتزازات الموجودة في البيئة المحيطة هذه الحالات (الخواص) الكمومية الهشة، وكيف تتسبَّب في انهيار الدالة الموجية وتحطيم التراكبات الكمية (يُقصد هنا أن ظروف البيئة المحيطة هي ما يفك الاتساق الكمي، وهو ما يحدث حينما نفتح صندوق السيارة في حالة قطة شرودنغر، وبذلك تتعرَّض القطة لملاحظتنا والبيئة المحيطة).


واقعيا، هذه الأقاويل ليست صحيحة تماما، إذ لماذا يجب أن تكون الخصائص الكمية هشة إن كانت ميكانيكا الكم هي التي توفر الوصف الأساسي للكون؟ الحقيقة التي قد تكون مفاجِئة للبعض هي أن التراكبات الكمية للجسيمات ليست هشة، بل على العكس تماما، إنها شديدة العدوى والتنقل وسريعة الانتشار، ويبدو أن هذا هو السبب وراء تدميرها.

إذا تفاعل جسيم كمي في حالة متراكبة مع أي جسيم آخر، فسيرتبط كلاهما ويظهران في حالة تسمى "التشابك الكمومي"؛ وهو حالة لجسيمين أدَّى تفاعلهما إلى تحويلهما إلى كيان كمي واحد. ينطبق الأمر نفسه على الفوتون مثلا، الذي قد يتشابك مع فوتون آخر أو جسيم آخر بعد ذلك. وبالمثل، إذا اصطدم الجسيم بجزيئات الهواء، فسيصبح الكيانان في حالة تشابك أيضا. وفقا لميكانيكا الكم، فإن التشابك هو الحالة الوحيدة التي ستظهر حينها، لذا ربما ترى أن الارتباط الكمي ينتشر بسرعة.

نظريا، لا يوجد حدٌّ أو نهاية لهذه العملية، إذ يبدأ الموضوع باصطدام جزيء هواء متشابك بجزيء ثانٍ مثلا، وسرعان ما يشتبك الجزيء الثاني بجزيء ثالث، وهكذا دواليك. بمرور الوقت، يصبح النظام الكمي الأولي أكثر تشابكا مع بيئته، وهذا يوضِّح حقيقة أنه لم يعد لدينا نظام كمي واضح الملامح ومحدد بدقة ومتموضع في بيئته. لكن بدلا من ذلك، ستكتشف أن كلًّا من النظام والبيئة مدمجان معا في تراكب كمي واحد. إذن، نتوصَّل في النهاية إلى أن البيئة لا تُدمِّر التراكبات الكمومية في الحقيقة، وإنما على العكس تماما، فإن هذه التراكبات هي التي تُصيب البيئة بالحالة الكمومية، ويتحوَّل العالم إثر ذلك إلى حالة كمية واحدة هائلة.

هذا الانتشار هو الذي يُدمِّر مظهر التراكب في النظام الكمي الأصلي، ولكن لأن التراكب أصبح الآن خاصية مشتركة للنظام وبيئته، فلم يعد بإمكاننا رؤيته بمجرد النظر إلى جزء صغير منه، أي إننا لا نستطيع مثلا رؤية الخشب بمجرد النظر إلى الأشجار. ما نعتقد أنه عبارة عن فك الترابط ليس في الحقيقة فقدان خاصية التراكب الكمي، وإنما فقدان قدرتنا على اكتشافه في النظام الأصلي.

من خلال النظر فقط عن قُرب إلى حالات كل هذه الجسيمات المتشابكة في النظام الكمي ومحيطه، يمكننا استنتاج أنها في حالة تراكب متماسك، إذن كيف يمكننا التعرُّف على هذه الحالات؟ هل بمراقبة كل فوتون أم متابعة تصادم كل جزيء هواء مع آخر؟ بالطبع لا يُعَدُّ هذا منطقيا، لأنه بمجرد أن تتسرَّب الخصائص الكمية إلى البيئة، فلن نتمكَّن أبدا من إدراك التراكب الكمي المنتشر، أو إعادته لحالته الأولى.

إذن، فك الاتساق هو حدث مادي وحقيقي يحدث تدريجيا بمعدل معين، يمكننا الاستعانة بميكانيكا الكم في بعض الأنظمة البسيطة نسبيا لحساب هذا المعدل، لنتمكَّن من معرفة المدة التي يستغرقها فك الاتساق لجسم كمي موجود بموقعين مختلفين، فكلما تباعد هذان الموضعان في الفراغ، أصبح الترابط بينهما أسرع تشابكا مع البيئة، ومع الوقت ينفك هذا الاتساق ويتسرَّب بعيدا عن البيئة.

سؤال أينشتاين

لإثبات ذلك خذ ذرة غبار مجهرية تطير في الهواء بقُطر واحد من المئة من الملليمتر، ما مدى سرعة فك الترابط بين موضعَيْ ذرة الغبار تلك إذا كان الفاصل بينهما يساوي قُطرها؟ لو افترضنا أن الغرفة مظلمة، وتجاهلنا الفوتونات في الوقت الحالي وفكَّرنا فقط في التفاعلات بين ذرات الغبار وجميع جزيئات الهواء المحيطة بها، فستوضِّح الحسابات الكمية أن فك الترابط يستغرق حينها نحو 10 أس -31 ثانية (إنه رقم صغير جدا لا يمكن تخيُّله).

تُعَدُّ هذه المدة قصيرة جدا لدرجة توضِّح أن فك الاتساق عملية تحدث فورا، إذ تستغرق وقتا يساوي جزءا من المليون من الوقت الذي يحتاج إليه الفوتون للانتقال بسرعة الضوء من جانب أحد البروتونات إلى الجانب الآخر. لذا إن كنت تعتقد أنك سترى تراكبا كميا لحالات غير متداخلة لذرة غبار، فعليك التفكير من جديد.

فك الاتساق إذن هو ما يُدمِّر إمكانية ملاحظة التراكبات في حالة عالمنا الكبير، بما في ذلك قطة شرودنغر الحية والميتة في الوقت ذاته، وهذا لا علاقة له بالملاحظة أو المراقبة بمعناهما الطبيعي، فلسنا بحاجة إلى عقل واعٍ لدفع الدالة الموجية للانهيار، كل ما نحتاج إليه هو أن تُشتِّت البيئة الترابط الكمي في الجسيمات، وسرعان ما سنحصل على الحالة الكلاسيكية (هناك بعض الآراء التي تقول إن فك الاتساق مرتبط بوجود عقل واعٍ يلاحظ الحالة الكمية، أي القطة في حالتنا).

عبَّرَ أينشتاين ذات مرة عن استيائه من موقف نيلز بور تجاه ميكانيكا الكم وغرابتها، وأرسل حينها إلى الفيزيائي الأميركي أبراهام بايز يقول له ذلك، فكتب الأخير يقول: "أتذكر ذات مرة ونحن نتمشى، توقَّف أينشتاين فجأة واستدار نحوي وسألني عما إذا كنت أعتقد حقا أن القمر موجود فقط عندما أنظر إليه".

يساعدنا الآن فهمنا لفك الترابط بأن نحظى بإجابة عن سؤال أينشتاين، فالقمر موجود بالفعل حتى وإن لم يلاحظه أحد، لأن الكون موجود بالفعل ويقع القمر ضمن نطاق قياسه. جميع الفوتونات المنبعثة من ضوء الشمس التي تنعكس على سطح القمر هي عوامل لفك الاتساق، كما أنها أكثر من كافية لتحديد موقعها في الفضاء، نعم، الكون موجود، وينظر لنا دائما من بعيد.

___________________________________________

ترجمة: سمية زاهر

هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يظن العلماء أن هناك خطأ ما يتخفّى بالنماذج الرياضية التي قاموا ببنائها، ولذلك فهم يحاولون قلب كل الأوراق كي تظهر أي إشارة، أثناء ذلك فإنهم يستكشفون خصائص بعض الأرقام التي لم نكن لنتصوّر حجم تأثيرها.

Published On 11/6/2021

تطلب الأمر 12 فريقا من علماء الفيزياء، وأكثر من 100 ألف لاعب، ونحو 100 مليون وحدة بيانات، تم توليدها بشكل عشوائي، لكي نتمكن من إثبات أن أينشتاين كان على خطأ!

Published On 20/12/2018
ميدان - ميكانيكا الكم

“من لم تصدمه ميكانيكا الكم فإنه لم يفهمها بعد” هكذا يتحدث بعض علماء الفيزياء. نقدم لك بهذا التقرير مجموعة من كتب ميكانيكا الكم التي تعطيك مقدمة قوية للبحث فيما بعد.

Published On 23/10/2017
midan - ميكانيكا

ربما لم يتطور الإنسان لحل مشكلات عقلية مجردة كتلك البنى الرياضياتية التي تحتويها عوالم الفيزياء النظرية مثلا؛ لكننا على علم بما يمكن أن تقدمه لنا تلك العلوم من خدمات حقيقية.

Published On 12/4/2017
المزيد من دائمة الخضرة
الأكثر قراءة