شعار قسم ميدان

"الأجنوتولوجيا".. لماذا علينا ألا نُصدِّق العلم أحيانا؟

تبغ وتغير مناخي وكوكاكولا

"لقد رأيت رونالدو يُبعد الكوكاكولا، أما أنا فسأضعها أمامي وسأضع الهاينيكن، اتصلوا بي"، كان هذا هو ما قاله نجم المنتخب الأوكراني أندريه يارمولينكو في السابع عشر من يونيو/حزيران الماضي في أحد المؤتمرات الصحفية بعد فوز منتخب بلاده على مقدونيا الشمالية، هادفا لجذب الانتباه بعد موقف حدث قبلها بيومين حينما أبعد نجم البرتغال كريستيانو رونالدو زجاجات الكوكاكولا عنه في أحد المؤتمرات الصحفية وقال: "اشربوا الماء".

سرت بعد ذلك شائعات أن ما قاله رونالدو قد تسبَّب في خسارة قدرها 4-5 مليارات دولار لشركة كوكاكولا، وعلى الرغم من أن الحسابات المالية لا توافق هذه الشائعات، فإن سلوكيات كلٍّ من يارمولينكو أو رونالدو تؤثر بقوة في سلوك الجمهور المتابع لهما، الأمر نفسه ينطبق على المغني الشهير تامر حسني أو نانسي عجرم أو أمير عيد أو أيٍّ من نجوم الفن أو المؤثرين الذين يُقدِّمون إعلانات الشركة نفسها، لكن السؤال المهم هنا هو: كم مرة يشرب أيٌّ منهم الكوكاكولا في يومه؟

 

ملوك المجتمع

بالنظر إلى البنية الجسدية لكلٍّ منهم، لمعظم الفنانين حاليا، فيبدو أنهم يتبعون حميات غذائية صحية، الأمر كذلك في حالة رياضيين مثل كريستيانو رونالدو أو غيره، مع فارق أن الرياضيين عادة ما يتبعون حميات غذائية قاسية لا يمكن لمشروب غازي مثل كوكاكولا أو بيبسي أن يكون جزءا منها، لكن الكثير منهم يشاركون في إعلانات هذه الشركات على أي حال، على أساس أن الأمر غير ضار.

 

ولكن هل هو كذلك حقا؟ في الوطن العربي على سبيل المثال، تتجاوز نِسَب السمنة حاجز ثلث السكان وتصل إلى النصف في بعض الأحيان، وهذه المشروبات الغازية وغيرها من الأطعمة السريعة، والمُثبت ضررها الطبي على المدى الطويل، تساهم بقدر كبير في هذه الأزمة، لكنَّ أحدا لا يلتفت، الأمر كذلك بالنسبة للتدخين أيضا، مع الفارق الهائل في أضرار التدخين، وفي الحملات التي جعلته مألوفا للناس كذلك.

 

يمكن أن تلاحظ مدى عمق الأمر في لقاء المخرج المصري "عمرو سلامة" حينما قال إن أحد ملامح شخصية رفعت إسماعيل، في مسلسله "ما وراء الطبيعة"، هي أنه مُدخِّن، الأمر الذي واجه مشكلة في السماح به من قِبَل شركة "نتفليكس"، هذا لأن الشركة تتخذ اتجاها سياسيا مضادا لليمين الأوروبي والأميركي الذي يدعم شركات التدخين وإعلاناتها، من هنا يتضح أن الأمر أصبح أكثر من مجرد دعاية، تلك الشركات ألصقت نفسها بسياسات الدول، بل وبالرأسمالية نفسها.

في كتابها "تجار الشك" تقول نايومي أوريسكس، أستاذة تاريخ العلم من جامعة هارفارد، إن شركات التبغ دفعت مليارات الدولارات في سبيل أن تظهر السيجارة في يد كل مؤثر، سواء كان نجم روك أو بوب مشهورا أو كان مُمثِّلا في أحد الأفلام، بحيث يبدو أن السيجارة هي ما يعطيه القوة، أو أنها سِمة ملازمة لهذا المستوى من الروعة، وإلى الآن يمكن أن نلاحظ ذلك في الكثير من الأفلام العربية، لكن بجانب كل هذا التأثير النفسي الإعلامي، واجهت شركات التبغ في الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت عدوا مختلفا تماما، إنه العلم.

كتاب "تجار الشك" نايومي أوريسكس
كتاب "تجار الشك" نايومي أوريسكس (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

قتال العلم بالعلم

حينما ظهرت الأبحاث الأولى التي تُشير إلى وجود علاقة مُحتمَلة بين التدخين وأمراض القلب والسرطان، بدا أن نهاية التبغ باتت قريبة، لكن بحسب عشرات الآلاف من الوثائق التي سُرِّبت لاحقا من اتحاد شركات التبغ، وحصل عليها الكثير من الصحفيين والباحثين، فإن هذه الشركات قرَّرت أن تقاوم عسى أن يُكتب لها البقاء، في كتابه "الهولوكوست الذهبي: أصول كارثة السجائر وقضية الأبطال" يقول أستاذ تاريخ العلم بجامعة ستانفورد "روبرت بروكتور"، وهو واحد ممَّن درسوا تلك الوثائق، إن تلك الشركات قد اجتمعت على هدف واحد فقط، وهو إثارة الشك.

 

ليس الهدف، من وجهة النظر تلك، أن نُثبت خطأ الأبحاث العلمية التي تقول إن التدخين ضار جدا بالصحة، ولكن أن نُشكِّك الناس في تلك الأبحاث ولو بدرجة واحدة، والجمهور عادة ما يريد أن يركن إلى يقين ثابت، لا يعترف بالاحتمالات، فما دام أن شيئا ما أو تأثيرا ما "مُحتمَل"، فإن الأمر "جدلي" مع هامش للمراوغة. أطلق بروكتور على الأدوات التي استخدمتها شركات التبغ لقب: "إستراتيجيات التبغ".

 

تضمَّنت تلك الإستراتيجيات تأليف أبحاث مُشتِّتة تهدف لصرف نظر البحث العلمي عن الأسئلة المهمة المرتبطة بالعلاقة ما بين التدخين وأمراض القلب مثلا أو سرطان الرئة، تضمَّنت كذلك إنشاء منظمات بحثية مقاوِمة للأبحاث العلمية الحقيقية، بل وتجييش عدد من الخبراء لا لتأكيد صحة أو خطأ أبحاث التبغ، بل لإعطاء تفسيرات متنوعة ومتضاربة وفي بعض الأحيان مُضلِّلة لنتائج تلك الأبحاث، ثم طلب تعديلات وأبحاث إضافية ودلائل أكثر تأكيدا لن يقدر أحد على الوفاء بها في هذا الوسط.

 

في الوقت نفسه، عملت تلك الشركات على كتابة مقالات "صديقة للتدخين" في المجلات العامة الشهيرة، ونشر أبحاث مؤيدة للتدخين في مجلات علمية ضعيفة (بل وتأسيس مجلات من هذا النوع)، ثم الترويج لتلك الأبحاث بكثافة في وسائل الإعلام وإعطاء الفرصة لكُتَّابها ليصبحوا نجوما، بجانب ذلك فتحت شركات التبغ النار على العلماء الذين أكَّدوا أضرار التدخين، بل وأدخلت حياتهم الشخصية في قلب اللعبة، كان شعار شركات التبغ هو "قتال العلم بالعلم".

كتاب "الهولوكوست الذهبي: أصول كارثة السجائر وقضية الأبطال" لأستاذ تاريخ العلم بجامعة ستانفورد "روبرت بروكتور"
كتاب "الهولوكوست الذهبي: أصول كارثة السجائر وقضية الأبطال" لأستاذ تاريخ العلم بجامعة ستانفورد "روبرت بروكتور"

 

ماذا يعني الإجماع؟

العلم بطبيعته احتمالي، ربما يظن الناس واهمين أن هناك خطأ واضحا وصوابا واضحا في جميع نطاقاته، ويرجع ذلك إلى أن أكثر الأخبار العلمية انتشارا عادة تجيء من نطاقات الفيزياء والفلك وتقول: "وجدنا كوكبا يحتوي على مركب كذا"، أو "أثبتنا وجود البوزون هيجز"، لكن في نطاقات البيولوجيا والطب فإن هناك دائما درجات من التأييد والرجحان، حينما نقول إن الإجماع العلمي يُشير إلى شيء ما، فإن ذلك لا يعني كل العلماء، وإنما الغالبية العظمى منهم.

 

خُذ مثلا قضايا التغير المناخي، حيث يمكن القول إن الادعاء الذي يُشير إلى أن (97% من العمل البحثي في مجال الاحترار العالمي يقول إن للبشر دورا في حدوثه) هو إحدى أشهر الجُمل المستخدمة إعلاميا أو بحثيا، وكان جون كوك عام 2013 قد بحث نتائج ما يقترب من 4000 دراسة علمية تتحدَّث عن الاحترار العالمي وعن دور البشر فيه، هنا تقول دراسة كوك إن 97% من تلك الدراسات تُشير إلى وجود دور للإنسان في الاحترار العالمي، ما يعني إجماعا علميا على هذا الرأي.

التغير المناخي Brussels, Belgium. 21st February 2019. High school and university students stage a protest against the climate policies of the Belgian government.

لم يكتفِ كوك بذلك، خاصة بعد جدل شديد حول دراسته الأولى، فعمل في 2016 على دراسة تتحدَّث عن "إجماع الإجماع"، أي إجماع العلماء في مجال التغير المناخي على نتائج الدراسات التي تحاول فحص الإجماع في الوسط العلمي، هنا توصَّلت النتائج الجديدة إلى أنه دائما ما سيقع هذا الإجماع في الوسط العلمي بين 90-100% من العلماء على أن للبشر دورا في الاحترار العالمي الذي نعيشه حاليا، لكن لأن الناس يفهمون الإجماع العلمي خطأ، فيظنون مثلا أنه يتحدَّث عن كل العلماء، وعن آراء العلماء وليس أبحاثهم، وهنا يقعون في الشَّرَك.

 خمسة أخطاء في فهم الإجماع العلمي

في كتابها سالف الذكر، تقول أوريسكس إن شركات الطاقة الكبرى استخدمت إستراتيجيات التبغ نفسها لمقاومة أبحاث التغير المناخي التي أشارت، منذ أكثر من نصف قرن مضى، إلى دور البشر في هذه الكارثة، وبحسب دراسة صدرت في دورية "نيتشر" في مايو/أيار 2019، فإن سبب ذلك التباطؤ الشديد في التعامل مع الأزمة هو الضغط السياسي من أجل منع اتخاذ قرارات بيئية حاسمة في هذا الشأن.

 

في الواقع، يمكن تقدير حجم الإنفاق من أجل الضغط السياسي ضد المبادرات المناخية خلال العقدين الماضيين بنحو مليارَيْ دولار، وكانت دراسة أجرتها جامعة دريكسيل قد توصَّلت، عام 2013، إلى أن شريحة كبيرة من التبرعات للمنظمات التي تُنكر الاحترار العالمي تُمرَّر من خلال شركات تُخفي المُمول الأصلي، إنها الإستراتيجيات نفسها: أبحاث مضادة، قفز على الإجماع، منظمات مضادة، مقالات في مجلات عامة ودوريات بحثية، إلخ.

 

علم التجهيل

عند تلك النقطة، يمكن أن نتعرَّف إلى اصطلاح جديد أسَّس بروكتور له وهو "الأجنوتولوجيا" (Agnotology) ويعني "علم التجهيل"، من تلك الوجهة فإن الجهل أكثر تعقيدا مما كنا نظن، فهو ليس نقيض العلم، ولا ما يحدث إذا غابت المعرفة كما ينتج الظلام إذا غاب النور، ولكنه يصف عمل جهة ما، غالبا ما تكون ذات مصالح سياسية أو اقتصادية، عمدا على حجب المعلومات أو تشويهها بغرض تشكيك المجتمع، هنا يمكن للعلم نفسه أن يعمل، بأدواته نفسها، على إنقاص المعرفة أو حتّى حجبها. وعند تلك النقطة تحديدا، ربما يتسبَّب العلم في ضرر للناس.

يتفرَّع الأمر إلى ما هو أعمق من ذلك ليصبح نطاقا فلسفيا كاملا يدرس آليات التجهيل بسبب العلم، في محاولة للإجابة عن أسئلة تفرض نفسها حاليا مثل: لِمَ يرفض الناس اللقاحات؟ لِمَ يتصوَّرون أن "كوفيد-19" ما هو إلا مؤامرة؟ لِمَ يتصوَّر 12 مليون أميركي أن هناك طائفة من السحالي تحكم العالم؟ كيف فقد الكثيرون الثقة في الدلائل العلمية؟ نقول ذلك هنا والآن لأنه لا يبدو لنا أن هناك مخرجا مما نحن فيه إلا العلم، لكن ماذا لو كان العلم نفسه هو سبب كل الجدل؟!

 

في إحدى محاضراته يقول روبرت بروكتور إن إستراتيجيات التبغ كانت قوية لدرجة أنها غيَّرت شكل العالم المعاصر، وساهمت في إضافة الشك جزءا من تكوينه، ويُضيف أن أصحاب تلك الشركات لم يُصدِّقوا أصلا أنه يمكن لهم أن يستمروا كل ذلك الوقت أسيادا للتبغ، لكنه حدث في النهاية!

——————————————————————————————-

المصادر

  1. Proctor, Robert N. (2012). Golden Holocaust: Origins of the Cigarette Catastrophe and the Case for Abolition. Berkeley: University of California Press. ISBN 9780520270169.
  2. Oreskes, Naomi; Conway, Erik M. (2010). Merchants of Doubt: How a Handful of Scientists Obscured the Truth on Issues from Tobacco Smoke to Global Warming. Bloomsbury Press. ISBN 978-1-59691-610-4
  3. للمزيد عن الاجماع العلمي
  4. للمزيد عن التغير المناخي
المصدر : الجزيرة