مساقات معهد "MIT" المجانية.. كنوز مدفونة لا يعرف عنها الكثيرون

على الرغم من الانتشار الواسع لمنصات التعليم عبر الإنترنت، مثل "إيدكس" أو "كورسيرا"، فإن البعض منا لا يزال واقعا إلى درجة كبيرة في حب النمط المعتاد للمحاضرات، حيث يقف المحاضر ليشرح أمام جمع من الطلاب في أحد الفصول الدراسية، وتقوم الكاميرا بتسجيل هذه المادة، ثم تُعرَض بعد ذلك على إحدى المنصات، عادة يوتيوب، بشكل مجاني.

 

تطوّرت المنصات المخصصة للتعليم الإلكتروني كثيرا بحيث خلقت نوعا جديدا من التعليم لا يمكن أن تحصل عليه إلا إلكترونيا، لكنها ما زالت تواجه مشكلات عدة، أهمها كانت محاولاتها كسب جمهور الإنترنت المتسرّع بطبيعته، مما دفعها مع الوقت إلى اختصار مساقاتها فأصبح الأمر، في كثير من الأحيان، عبارة عن قشور معرفية تُقدَّم في نحو ساعة أو ساعتين لكل المساق، مقارنة بمساقات جامعية تمتد إلى أكثر من 20-30 ساعة، تكون أكثر دسامة بفارق كبير.

 

ولأن هذا النوع الأخير لا يلقى الكثير من الاهتمام بين الطلاب والراغبين في التعلُّم ذاتيا، قررنا في "ميدان" أن نُلقي بعض الضوء عليه، خاصة أننا بالأساس نهتم بقدر من العمق في تقديم القصص المعرفية. هناك بالفعل مجموعة من المنصات الرائعة في هذا النطاق، وسوف نُركِّز بشكل أساسي على أحد أهم مصادر المحاضرات المصوّرة، وهو معهد ماساشوستس العالي للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية، واحد من أعرق المعاهد في العالم كله، لكننا لن نُغفل ترشيحين آخرين طالما أفادا الطلاب حول العالم.

 

حكاية برنامج معهد ماساشوستس العالي للتكنولوجيا للتعليم المفتوح (MIT OpenCourseWare) هي نفسها حكاية التعليم المفتوح عبر الإنترنت، التي تُعَدُّ ثورة اشتعلت قبل عقد من الزمن وكان معهد ماساشوستس أهم محطاتها، ثم تلته قفزة سلمان خان لطلبة أصغر سِنًّا في "أكاديمية خان"، التي تُعَدُّ الآن أحد أهم مصادر الطلاب حول العالم للتعلُّم المجاني.

 

بدأ الأمر سنة 1999 فكرة عمل عليها عميد المعهد آنذاك، الدكتور روبرت براون، وعُرض أول المساقات على المنصة في عام 2002، وكانت المشكلة دائما تتعلق بحقوق الملكية المطلوب التخلي عنها من قِبَل عدد كبير من الأساتذة والطلاب كذلك، فقد يرفض أحدهم الظهور في فيديو عبر الإنترنت، وهذا قد يوقف العملية كلها، أضف إلى ذلك أن الشرائح التي تُعرَض أمام الطلاب، والواجبات المنزلية والامتحانات كذلك وترشيحات الكتب، تتطلب العمليات نفسها، وبالتالي يجب التواصل مع مالكيها، لذلك في بعض الأحيان قد تجد أن الكاميرا قد تمتنع عن عرض الشريحة على السبورة، لأن حقوق الملكية تمنع ذلك، لكن هذا نادر.

 

تطوَّر الأمر بسرعة شديدة، لدرجة أنه في عام 2005 فقط كانت المنصة قد عرضت مساقها رقم 900، لكن معظم هذه المساقات كانت ناقصة، بمعنى أن بعض المساقات لا يُقدِّم المحاضرات كاملة، البعض الآخر كان يُقدِّم فقط الوجبات والمواد المدرسية التي يجب على الطلبة استذكارها، حاليا تُقدِّم المنصة نحو 2500 مساق، لكن نحو 150 منها فقط مُقدَّمة بالكامل كأنك طالب في المعهد، حيث تتلقّى المحاضرات في صيغة فيديو، وكذلك الواجبات والامتحانات وترشيحات المراجع ونسخ PDF مما عُرِض على الطلاب لحظة تقديم المساق.

 

بعد ذلك طوّرت المنصة من نفسها في نطاقين عظيمين نتمنى في الحقيقة أن يستمر التوسُّع فيهما مستقبلا، وهما برنامج معهد ماساتشوستس لطلاب المرحلة الثانوية، تجد رابطه هنا، وبرنامج معهد ماساتشوستس للتعلُّم الذاتي، تجد رابطه هنا، وكلاهما إعادة فهرسة لمحتوى المنصة مع إضافات متنوعة مفيدة جدا، من الضروري لكل محبي التعلُّم عبر الإنترنت أن يدخلوا إلى هذين البرنامجين بشكل دوري.

 

البرنامج الأول يُقدِّم مساقات لطلاب المرحلة الثانوية لكن مع إضافات جامعية متقدمة، وهي فرصة مهمة جدا حقا لطلاب هذه المرحلة من الدول العربية، لأن موادها نادرة جدا في المحتوى العربي، والبرنامج الثاني صُنِعَ خصيصا لهؤلاء الذين يودّون التعلُّم ذاتيا دون مساعدة خارجية، وبالتالي قام المعهد بإضافات مهمة جدا -في 15 مادة متنوعة- لكي تساعد الطالب بالفعل على ذلك، بداية من المحاضرات المصورة ووصولا إلى الواجبات المنزلية.

 

لأن قائمة محاضرات المعهد طويلة، يمكن لك أن تدخل إلى الصفحة الخاصة بها، من هنا، ثم تصفية النتائج لتختار "قائمة محاضرات الفيديو الكاملة" (Complete Video Lectures)، كذلك لا تنسَ أن تمر على قائمة أشهر المساقات في موقع المنصة، تجدها هنا، لأنها عادة ما تكون الأكثر أهمية بالفعل، وكذلك قائمة المساقات الصادرة مؤخرا، تجدها هنا.

 

حسنا، الآن دعنا نتحدث عن بعض العلامات المميزة جدا من منصة معهد ماساتشوستس للتعليم المفتوح، ويمكن القول إنه بالنسبة لطلاب الفيزياء والرياضيات، فإننا أمام كنز حقيقي دسم جدا، نبدؤه بثلاثية والتر لوين، أستاذ الفيزياء بالمعهد، وصاحب الشهرة العالمية بين الطلاب، وكلها للسنوات الدراسية الجامعية الأولى، المساق الأول في الميكانيكا، والثاني في الكهرباء والمغناطيسية، أما المساق الثالث فيشرح الموجات والاهتزازات، وهي مقدمات مهمة ورصينة جدا، في أكثر من 90 محاضرة، لمحبي الفيزياء، أضف إلى ذلك أن تلك المحاضرات مترجمة إلى اللغة العربية، ليس على منصة "MIT" ولكن عبر مؤسسة "شمسنا العربية"، تجد المساقات الثلاثة هنا (الميكانيكا) وهنا (الكهرباء والمغناطيس) وهنا (الاهتزازات والأمواج).

من جانب آخر يجب ألا ننسى أن مساقات الفيزياء الكمية عبر المنصة هي من أهم أهداف محبي هذا النطاق المعقد جدا، ويُقدِّمها الدكتور بارتون زوباخ في ثلاثة فصول كلٌّ منها في نحو 25 محاضرة، وتتطلب -للدخول إليها- مقدمة سابقة في الفيزياء، لكن أهمها أن تكون دارسا لمساق الاهتزازات والأمواج الذي تحدثنا عنه قبل قليل، هذه هي مقدمة شاملة ممتعة جدا ومهمة جدا ورصينة لميكانيكا الكم، إذا اجتزتها بدرجة من التركيز فستكون قد قطعت شوطا هائلا بها بوصفك طالبا مبتدئا. هنا تجد المساق الأول، وهنا المساق الثاني، وهنا المساق الثالث.

 

وبالطبع لا يمكن أن نترك هذه المنطقة إلا مع إشارة إلى أربعة مساقات مهمة جدا، ثلاثة منها في التفاضل والتكامل وتعتبر أساسية لكل محبي الرياضيات، تنقلك من البساطة إلى الاحتراف، يمكن لتلك المجموعة أن تصقل احترافيتك في التفاضل والتكامل حتى مستويات عالية، وهي "Single Variable Calculus" و"Multi-variable Calculus" و"Deferential equations"، ويمكن أن تجدها أيضا مترجمة عبر منصة "شمسنا العربية"، الرابط من هنا، في أكثر من مئة محاضرة! الأمر الذي يساعدك على تخطي حاجز اللغة بسهولة. أما الرابع فهو في الجبر الخطي، وهو نطاق مهم جدا للمُضي مستقبلا في الفيزياء، يتطلّب أن تكون قد أتممت ثلاثية التفاضل والتكامل، تجده هنا.

الآن دعنا نترك الفيزياء والرياضيات قليلا، وربما لو قرّرنا الاستمرار بهذا القسم لأتممنا كتابا صغيرا يحكي عن روائع معهد ماساتشوستس الدسمة، لكن نطاقات أخرى تستحق أيضا إطلالة عليها، وفي قسم الاقتصاد يمكن أن تجد عشرات المساقات الممتعة، منها إلى الآن 5 كاملة. نُرشِّح لك منها مساقا غاية في الأهمية والروعة بعنوان "The Challenge of World Poverty" من تقديم أبهيجيت بانيرجي وايستر دوفلو، الحاصلين على نوبل في الاقتصاد 2019، وهو المادة التي لخّصاها في كتابهما "اقتصاد الفقراء" واسع الشهرة، وفيه يحكيان عن أفكارهما التي كشفت -بشكل تجريبي- عن طبيعة مختلفة لسلوك الطبقات الفقيرة، الأمر الذي ساعد في التعامل معها، المساق من هنا.

 

أما جون جابريلي فيُقدِّم واحدا من أمتع المساقات التي تُقدِّم لعلم النفس، ميزة هذا المساق أنه يدفعك -خلال 24 محاضرة- بشكل أعمق داخل هذا النطاق، يجيبك عن أسئلة مثل: كيف يعمل العقل؟ وكيف يدعم الدماغ العقل؟ كذلك ينتقل لفهم الأُسس العقلية والعصبية للإدراك والعاطفة والتعلُّم والذاكرة والشخصية وعلم الأمراض النفسي والتفاعل الاجتماعي، المساق هو إحدى الضرورات الجوهرية لكل مَن يود التعلُّم عن علم النفس بشكل ذاتي، ويمكن القول إنه بالإضافة إلى مساق بول بلوم من جامعة ييل -وسنتحدث عنها بعد قليل- كنزان عظيمان. مساق جابريلي من هنا، ومساق بلوم من هنا.

أضف إلى ذلك أن المعهد شارك مؤخرا في التوعية، على مستوى عميق، بجائحة "كوفيد-19″، عبر مساق من 14 محاضرة مدة الواحدة منها نحو الساعة عن موضوعات متنوعة مهمة، مثل دقائق المناعة، وكيفية صنع اللقاحات، وطبيعة الوباء وانتشاره، وطبيعة المرض نفسه وما يفعله داخل الجسم، والعلاجات المحتملة، بالإضافة إلى مقدمة عن علوم الفيروسات، يشارك في المساق شخصيات رصينة مثل الدكتور أنطونيو فاوتي، ويمكن لك أن تطلع على مادته الكاملة من هنا.

 

محبو علوم الحوسبة لا شك سيكونون الأكثر استمتاعا بما تُقدِّمه المنصة من مساقات، في الواقع فإن المعهد يُقدِّم أكبر كمية من المساقات الكاملة في نطاق الحوسبة، والكثير منها يوجد في قائمة أشهر المساقات عبر منصة التعليم المفتوح، اخترنا منها مساقين للمبتدئين، يُمثِّلان فصلين دراسيين في عالم الحوسبة مع مقدمة سابقة طفيفة جدا أو حتى بدون أي مقدمات، المساق الأول، تجده هنا، هو "Introduction to Computer Science and Programming in Python"، أما الثاني فهو "Introduction to Computational Thinking and Data Science"، تجده هنا، ويهدفان إلى تزويد الطلاب المبتدئين من الصفر بفهم دقيق لدور الحوسبة في حل المشكلات، ويُعلِّمهم كتابة برامج صغيرة.

حتّى محبو السينما سيجدون مساقات رائعة في منصة معهد ماساتشوستس للتعليم المفتوح، وعلى الرغم من عدد المساقات القليل فإنها ممتعة، اخترنا لك منها مساق "The Film Experience"، ويُقدِّمه الدكتور ديفيد ثوربرن في 26 محاضرة طويلة، يُركِّز المساق على التحليل والنقد الدقيقين لمجموعة واسعة من الأفلام، بداية من الأفلام الصامتة ومرورا بأفلام هوليوود الكلاسيكية والمسرحيات الموسيقية وأفلام الأكشن وصولا إلى السينما الأوروبية واليابانية. في هذا المساق يطور الطلاب مهارات التحليل العميق للسينما. تجد المساق هنا.

 

كل هذا ولم نتحدث بعد عن مقدمات الكيمياء والبيولوجيا الأساسية التي يُقدِّمها معهد ماساتشوستس، تجدها بشكل مفصل في نطاقات برنامج التعلُّم الذاتي وبرنامج المدارس الثانوية، لكن دعنا الآن نترك كل ذلك جانبا ونتأمل مصدرين آخرين غاية في الأهمية، سنُشير إليهما سريعا جدا، حتى تكتمل مادتنا عن أهم المنصات التي تُقدِّم مساقات دسمة وطويلة تتعمق بك في نطاقات معرفية متنوعة.

 

دعنا نبدأ من جامعة ييل، التي تُقدِّم 40 مساقا مجانيا وكاملا للطلاب حول العالم، بعضها يمتلك شهرة واسعة جدا مثل مساق بول بلوم الذي تحدّثنا عنه قبل قليل، وكذلك مساق بين بولاك الرائع عن نظرية اللعبة، وكذلك مساق مقدمة إلى النظرية الاجتماعية المعاصرة الذي قدّمه إيفان سيليني، أما الدكتورة تمار جيندلر فتُقدِّم كذلك مساقا ممتعا عابرا للنطاقات عن علم وفلسفة الطبيعة البشرية، والدكتور ستيفن سميث كذلك يُقدِّم للفلسفة السياسية في مساق ضخم، أما أهم إنتاجات ييل بالنسبة لطلاب العلوم فهو مساق الفيزياء الذي يُقدِّمه رامامورتي شانكار على فصلين دراسيين مُمتعين. تجد كل مجموعة ييل هنا.

 

أما جامعة ستانفورد فهي أيضا من أوائل المنصات التي أتاحت مساقاتها بشكل مجاني عبر قناة يوتيوب الخاصة بها، خاصة محاضرات الفيزياء التي قدّمها فتى الفيزياء المشاكس الدكتور ليونارد ساسكيند، وتجدها بشكل منفصل هنا تحت اسم "مجموعة الحد النظري الأدنى" (Theoretical Minimum)، وكذلك محاضرات "Human Behavioral Biology" لروبرت سابولسكي، تجدها هنا، ويمكن لك هنا أن تجد قوائم كل مساقات الجامعة التي تُقدِّمها مجانا.

 

بالطبع هناك الكثير من الجامعات التي تُقدِّم هذا النوع من المساقات الدسمة، لكننا اخترنا أفضلها وأكثرها انتشارا. كما تلاحظ، كلها مساقات مهمة وتتطلّب جهدا كبيرا جدا في سبيلها مقارنة بما تُقدِّمه مساقات منصات التعليم الإلكتروني المنتشرة حاليا.

 

في النهاية، يجب عليك أن تكون جادا تجاه رغباتك في التعلُّم. كل شيء متاح، الكتب والمساقات والتفاعل مع محبي الفيزياء من كل العالم، لكن بقي فقط أن تحترم ما تحب، إذا كنت تحب الفيزياء على سبيل المثال، أو الفلسفة السياسية أو السينما أو الاقتصاد أو غيرها، فلا تتعامل معها على أنها "شيء ما أحبه" وكأنها مهمة جانبية يمكن -أو لا يمكن- أن تخوضها، بل كن جادا دائما تجاه ما تحب وانطلق فيه بلا توقف.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة