على أبواب فاقوس.. هل غزا الهكسوس مصر حقا؟!

على مسافة نحو سبعة كيلومترات شمال مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية المصرية، وعبر طريق معبّد لكن لا يمكن أن تتحرك سيّارتك عبره بسرعة، سوف تصل بعد المرور على مجموعة من العِزَب والقرى إلى قرية صغيرة تسمع أخبارها من حين لآخر في التلفاز، وربما إذا كنت متابعا للأخبار العالمية أيضا، إنها منطقة "تل الضبعة"، والتي كانت قديما عاصمة إحدى أشهر الحقب في تاريخ مصر الفرعوني، وهي أيضا واحدة من أكثرها غموضا.

 

تقول كريستينا ستانتيس، الباحثة بقسم علم الأنثروبولوجيا والآثار من جامعة "بورنيموث" البريطانية، في حديث مع "ميدان": "بشكل شخصي، تفاجأت من تلك النتائج التي حصلنا عليها من منطقة تل الضبعة، لدرجة أني أعدت النظر بها أكثر من مرة خلال عدة أشهر"، ستانتيس قادت دراسة أخيرة أثارت انتباه أوساط علوم الآثار في العالم كله تقول إن الهكسوس الذين سيطروا على حكم مصر قبل أكثر من 3500 سنة جاؤوا كمهاجرين إلى مصر وليسوا غزاة.

 

والشائع بين الناس عن الهكسوس أنهم قوة غازية اجتاحت مصر بشكل مباغت من الشمال الشرقي، ثم غزت دلتا النيل في وقت كانت فيه مصر دولة ضعيفة، ومع إمكاناتهم التقنية العالية تمكّنوا من السيطرة على شمال شرق مصر وأسسوا ما نعرفه الآن بالأسرة الخامسة عشرة. اتخذوا أواريس أو آفاريس -تل الضبعة حاليا- عاصمة لهم، وحصّنوها جيدا، ثم بقوا في مصر أكثر من مئة سنة.

 

لكن دراسة ستانتيس الأخيرة، والتي نُشرت فقط قبل أيام قليلة في دورية "بلوس وان"، تشير إلى أن وجهة النظر تلك قد تكون غير صحيحة، تقول ستانتيس في حديثها مع "ميدان" إن "نتائج الدراسة تتحدى الرواية الكلاسيكية للهكسوس كقوة غازية"، وبدلا من ذلك تدعم نظرية تقول إن حكام الهكسوس لم يكونوا من أصل موحّد، ولكنهم أجانب جاء أسلافهم إلى مصر خلال الدولة الوسطى، وعاشوا هناك لقرون طويلة، ثم سيطروا على الحكم.

طبيعة ملابس مختلفة للقادمين من شمال شرق مصر (مواقع التواصل)

قبل الأربعينيات من القرن الفائت لم نكن نعرف الكثير عن الهكسوس، لكن البعثات الأثرية التي بدأت بالسفر إلى منطقة تل الضبعة المصرية، خاصة البعثة النمساوية بقيادة مانفريد بيتاك، أظهرت أنه كانت لهم بعض الاختلافات الثقافية عن المصريين والتي أشارت إلى أن أصولهم قد تكون متنوعة لكنها ربما تكون راجعة جغرافيا إلى ما نعرفه الآن باسم منطقة "بلاد الشام"، فمثلا كان لديهم أسماء مختلفة عن أسماء المصريين، وارتدوا ملابس طويلة متعددة الألوان خلافا للملابس البيضاء المصرية العادية.

 

كذلك كانت عادات الدفن الخاصة بهم غير مصرية الطابع، حيث كانوا يدفنون الذكور بالزي الحربي البرونزي، بدون وجود أيٍّ من التمائم التي استخدمها المصريون وقتها، خارج المقابر يمكن أن تجد أزواجا من الحمير المدفونة، كان ذلك غير معتاد في تلك الفترة. لكن على الرغم من ذلك، فإن الهكسوس قد اندمجوا ثقافيا مع المصريين بشكل كبير، خاصة في جانب العبادات حيث عبدوا الإله "ست".

 

تقول ستانتيس في حديثها مع "ميدان": "للوصول إلى تلك النتائج، استخدمنا عينات من المينا من أسنان 75 شخصا مدفونا في عاصمة الهكسوس القديمة بمنطقة تل الضبعة"، موضحة أن سر الكشف كان له علاقة بنظائر عنصر السترونشيوم، والتي تمتلك طبيعة خاصة تُمكِّن الباحثين من التعرف إلى مكان ميلاد شخص ما. يمتلك السترونشيوم عدة نظائر، أي صور للعنصر نفسه مع كتلة ذرية مختلفة بسبب اختلاف عدد النيوترونات في النواة. من وجهة نظر جيولوجية، فإن كل مكان يحتوي على نسب مميزة له تُمثِّل خليطا من بعض هذه النظائر، ما يعني أشبه ما يكون بـ "بصمة مكانية"، في تلك النقطة تدخل أسنان الإنسان، فعندما يولد يدخل السترونشيوم -الذي انتقل من التربة إلى الماء والنبات- إلى جسمه، ثم يصل إلى الأسنان.

 

تقول ستانتيس في حديثها مع محرر "ميدان": "يستبدل السترونشيوم الكالسيوم في مينا الأسنان بسهولة لأن له نصف قطر ذري مماثلا"، موضحة أن هذه هي الطريقة نفسها التي يدخل بها الرصاص نظام الهيكل العظمي لدينا، لكن الرصاص خطير، إلا أن السترونشيوم ليس كذلك.

عنصر السترونشيوم (مواقع التواصل)

بالتالي إذا كنت مولودا في مكان ما، فإن معدلات نظائر السترونشيوم في أسنانك ستكون المعدلات نفسها في محيطك الجيولوجي، أما لو اختلفت قيم تلك المعدلات فذلك يعني أنك ولدت في مكان ما ثم انتقلت للحياة في مكان آخر، تقول ستانتيس لـ "ميدان": "لن تمنحك قيم السترونشوم رمزا بريديا، ولكن يمكنك، مع بعض الثقة، تحديد إن كان الشخص محليا أم لا".

 

في هذه الدراسة استخدمت ستانتيس وفريقها نظيري السترونشيوم 86 و87 (87Sr/86Sr)، وكشفت النتائج أن معظم الأشخاص الذين فحصت الدراسة بقاياهم من منطقة تل الضبعة المصرية لم يكونوا من أبناء البلد، لكن هؤلاء الأشخاص كانوا موجودين في هذه المنطقة 350 سنة قبل فترة حكم الهكسوس، وكان البعض القليل منهم قد وُلِد في مصر، بحسب نتائج السترونشوم في الدراسة. أشار ذلك إلى أن الهكسوس الذين كانوا موجودين في آواريس كانوا مهاجرين، وُلِدوا في أماكن أخرى وجاؤوا إلى مصر، وهو ما استُخدم لتأييد فرضية أنهم لم يقوموا بغزو مفاجئ.

 

تتأكد تلك النتائج من جانب آخر، حيث استخدم الفريق تقنيات تحليل جيوكيميائية للتوصل إلى جنس أصحاب تلك الأسنان، وتبين أن تقريبا نصف العيّنة قيد الفحص كانت لنساء، يعني ذلك بالتبعية أن قدوم الهكسوس إلى مصر قبل وصولهم للحكم كان للعيش وليس للغزو، لأنه في المجتمعات القديمة كانت جيوش الغزاة من الرجال.

 

تؤيد تلك النتائج فرضية بحثية ليست بجديدة، بل أشار إليها الدكتور سليم حسن في موسوعة مصر القديمة، وقال إنها الأكثر قبولا ويميل لها الباحثون في هذا النطاق، تقول إن الهكسوس جاؤوا إلى مصر في صورة موجات من الهجرة السلمية، قبل فترة حكمهم بقرون طويلة، وأنهم تكاثروا وأنشؤوا مجتمعا خاصا بهم اندمج في المجتمع المصري بقوة لكن بصورة غير كاملة، وأنهم كذلك استقروا بشكل رئيس في الجانب الشرقي من دلتا النيل، قبل أن تصبح آواريس عاصمة لدولتهم، خلال تلك الفترة عملوا على توسيع سلطاتهم.

موسوعة مصر القديمة، سليم حسن (مواقع التواصل)

بحد تعبير ستانتيس في حديثها لـ "ميدان"، فإن دلتا النيل الشمالية الشرقية كانت في تلك الفترة مركزا متعدد الثقافات قبل فترة طويلة من حكم الهكسوس، الذين كانوا خبراء في أمور عدة من بينها -على سبيل التخصيص- التجارة وبناء السفن والملاحة، الأمر الذي أفاد المصريين كثيرا، لكن على حساب ذلك فإن الهكسوس كانوا قد أصبحوا مع الزمن نخبة غنية مميزة في المجتمع المصري، كما يقول إيان شو في كتابه "تاريخ مصر القديمة"، بحسب الآثار التي وجدت لهم.

 

وبينما كانت البلاد تمر بمرحلة ضعف، كان الهكسوس يسيطرون اقتصاديا على شرق البلاد وبدأ بعضهم في التسلل إلى أروقة الحكم كمساعدين ووزراء، ثم بعد ذلك انقلبوا على الحكم بالكامل -وربما بعنف- في شمال مصر (مصر السفلى)، والتي انفصلت عن جنوب مصر (مصر العليا) بسبب ذلك.

لاحِظ آثار القتل في الحرب على جمجمة مومياء سقنن رع (مواقع التواصل)

ظلت الأمور بعد ذلك مستقرة لفترة، ويورد المؤرخ المصري القديم مانيتون أن الهكسوس في أوج قوتهم تحرشوا سياسيا بمصر العليا، الأمر الذي دفع سقنن رع، والد أحمس وكامس، للقيام بعدة حملات عسكرية عليهم، لكنها فشلت ومات على أثرها، ثم جاء كامس واستكمل مهام أبيه، وورد في الآثار المصرية أن كامس قال: "لماذا وأنا بهذه القوة يوجد زعيم في أواريس وآخر في كوش، فأبقى شريكا لآسيوي ونوبي وكل واحد يحوز قطعة في مصر؟".

 

جاء أحمس بعد ذلك وحاربهم بعد نحو عقدين من الزمن من بداية حكمه، ثم انتصر عليهم وطاردهم وصولا إلى آخر حصونهم في فلسطين، وسُمّي "شاروهين"، وفتّت شملهم هناك في معركة كبيرة سنة 1580 قبل الميلاد، استسلموا بعد ذلك ولم يظهروا في التاريخ من تلك اللحظة.

 

لكن الأكثر إثارة للانتباه في هذه النتائج، بجانب ما تُقدِّمه من معلومات تاريخية، هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الكيمياء في إثراء الدقة التاريخية، في الواقع فإن هذه الدراسة تعد الأولى من نوعها، والتي استخدمت علم الآثار الكيميائي لتتبع أصول سكان مصر من الهكسوس.

تميمة وختم يحملان لقب ملك الهكسوس أبوفيس (مواقع التواصل)

الأمر لا يتوقف على السترونشوم فقط. على سبيل المثال، يمكن أن يُستخدم تحليل نظائر الكربون والنيتروجين والزنك لدراسة النظم الغذائية للناس في العصور القديمة، ومع السترونشيوم أو الأكسجين يمكن الإجابة عن أسئلة حول تحركات البشر والتفاعلات الثقافية بينهم. في نهاية حديثها مع "ميدان" تقول ستانتيس: "تضيف الكيمياء طبقة أخرى من المعلومات إلى الاكتشافات في هذا النطاق، سواء المكتوبة أو الملموسة، وعندما نجمع كل ذلك معا، فإننا نقوم ببناء بحث قوي ودقيق".

 

في كل الأحوال، فإن دراسة منطقة تل الضبعة ما زالت أرضا واسعة ممتدة بها عدد أكبر من الأسئلة مقارنة بالإجابات، وكان المجلس الأعلى للآثار في مصر قد أعلن قبل سنوات أن المنطقة -بحسب بيانات الرادار- تحوي مدينة كاملة تحتها يرجح أنها كانت جزءا من عاصمة الهكسوس أواريس، وإلى الآن يعمل باحثو علم المصريات في مصر وجميع أنحاء العالم على استخراج الإجابات من باطن الأرض عن "حقاو خاسوت"، الجملة التي تحولت فيما بعد إلى هكسوس، وتعني حكام الأقاليم الأجنبية.

_______________________________________________

*ملاحظة:

استعان الكاتب إلى جانب الدراسة بالجزء الرابع من موسوعة مصر القديمة للدكتور سليم حسن وكتاب "تاريخ مصر القديمة" من تحرير إيان شو وهو من إصدارات المركز القومي للترجمة بمصر.

المصادر

  1. ورقة ستانتيس ورفاقها Who were the Hyksos? Challenging traditional narratives using strontium isotope (87Sr/86Sr) analysis of human remains from ancient Egypt
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة