200 نجم بأسماء عربية.. لهذا يستحق العرب أكثر من مجرد إشارة بسيطة في كتب الفلك

تبدأ الحكاية من شبه الجزيرة العربية، لا نعرف أين بالضبط لكنها تتحدَّث عن "سهيل"، الشاب اليمني القوي الذي قتل شخصا سُمّي "نعش"، ويبدو أنه كان اسما على مُسمّى حيث حملته بناته السبع في النعش ودرن به في بلاد الله، وأقسمن أن يأخذن بالثأر، لكن سهيل كان ذكيا كفاية لإقناعهن بأن مَن قتل والدهن كان شخصا آخر وهو الجُدَيّ، ثم هرب بعيدا.

 

بعد هذه الحادثة تزوج سُهيل من فتاة تُدعى الجوزاء، ويبدو أن صديقنا كان يواجه مشكلات مع السيطرة على غضبه، إذ حدث ذات مرة على أثر خلاف منزلي أن ضرب الجوزاء على ظهرها فانكسر، ومجددا هرب سهيل إلى أقصى الجنوب، وكانت له أختان، هما الشعريان، تبعته كلٌّ منهما لكن كان هناك نهر في طريقيهما، عبرته إحداهما (فسُمّيت العَبور)، ولم تتمكَّن الأخرى من العبور فحزنت وبكت حتى غمصت عينيها (وسُمّيت بالغُميصاء).

 

لا نتحدَّث هنا عن قصة حقيقية، بل أسطورة عربية قديمة تتعلَّق تحديدا بالنجوم، سُهيل أو (Canopus) باللاتينية هو ثاني ألمع نجوم السماء كلها، وهو عملاق أبيض مصفر يبلغ من الضخامة بحيث نحتاج إلى أن نضع عدة آلاف من الشموس داخله كي يمتلئ تماما، وبسبب لمعانه عشقه العرب قديما وقالوا فيه أطنانا من الشعر، وبسبب لونه المشرب ببعض الحمرة بسبب وجوده في أقصى جنوب السماء قيل إن ذلك هو دمُ نعش، وأختاه هما نجما الشعرى الشامية واليمانية، والنهر هو حزام المجرة.

بالأعلى ترى الجوزاء كما تخيلتها العرب قديما (رسمها رولان لافيت في كتابه "سماء العرب")، وبالأسفل ترى مجموعة النجوم نفسها لكنها تسمى الجبار، كما تخيلتها اليونان قديما، لاحظ أن النجوم الثلاث على ظهر الجوزاء هي النجوم الثلاث على سيفه.

على الجانب الآخر فإن بنات نعش ليسوا إلا مجموعة من نجوم السماء نعرفها باسم كوكبة الدب الأكبر (Ursa Major)، والكوكبة في علم الفلك هي تجمُّع لعدد من النجوم معا في السماء بحيث يصنعون شكلا ما مُتعلِّقا بأسطورة قديمة، قد يكون حيوانا أو إنسانا، يشبه الأمر أن تستخدم النجوم ليلا لترسم صورة سيارة أو تربط بينها لتكتب الحرف الأول من اسمك. والواقع أن النجوم ليست هكذا في السماء، وإنما ذلك الشكل هو ما يبدو لنا إذا نظرنا إليها من الأرض، وغالبا ما يستخدم العلماء هذه الأشكال لتحديد مواقع النجوم.

 

أما الجوزاء فليست ما تتصوَّر، حاليا يُطلَق اسم الجوزاء على أحد الأبراج، في اللاتينية يُعرف باسم "Gemini" وبالعربية يُسمّى "التوأمان"، أما الجوزاء العربية فكانت موضعا ما يُسمّيه الفلكيون الآن بكوكبة الجبّار (Orion)، ويمكن أن تراها بعينيك في الشتاء فهي تحوي مجموعة من ألمع النجوم، وتخيَّلها العربي القديم فتاة جميلة مقاتلة، تحمل قوسا وتُوجِّهه ناحية الأسد القريب، لكن في أثناء حديثنا عن الجوزاء دعنا نتأمَّل خارطة هذه الكوكبة تحديدا، لأن بها تناقضا غريبا.


تُعرف هذه الكوكبة في كتب الفلك وأطالسه باسم الصيّاد أو الجبار (Orion)، وتتعدَّد الحكايات حولها في التراث اليوناني القديم، منها حكاية حول صياد ماهر إلى درجة أنه كان يرغب في قتل كل حيوانات الأرض، وهو ما أثار غضب "جايا"، إلهة الأرض في الأسطورة القديمة، لتُقرِّر إرسال العقرب لقتله، وقد نجح في ذلك. لكن على الرغم من أن شكل الكوكبة كما تلاحظ يشبه رجلا يمسك درعا، فإن أسماء نجومها المُعترَف بها دوليا لا تزال مأخوذة من الجوزاء.

 

تأمَّل مثلا نجم "منكب الجوزاء"، باللاتينية يُكتَب "Betelgeuse"، في حال قرَّرت البحث قليلا وراء تاريخ التسمية ستكتشف أنه لم يكن يُكتَب كذلك تحديدا، بل كان يُكتَب قريبا من "Bedlgeuze"، أو "بد الجوزاء"، وكما تلاحظ فإن الكلمة العربية الحقيقية هي "يد الجوزاء"، ولكن في أثناء الترجمة من العربية إلى اللاتينية فُقدت نقطة من "يد" فأصبحت "بد"، وبعدها -لأن النجم يقع بالفعل تحت إبط الصياد- سُمّي "بت" من إبط، أي "إبط الجوزاء".

 

نجوم كثيرة في الكوكبة ترتبط بالجوزاء "الفتاة" وليس الصيّاد الرجل، خذ مثلا نجم النطاق، المُسمّى في اللاتينية "Alnitak"، أي نطاق الجوزاء، والنطاق هو الرباط الذي تربطه الفتاة حول وسطها، كما نقول عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- إنها "ذات النطاقين"، أما مجموعة النجوم إلى اليمين فتُسمّى "التاج" (Tag)، وهو تاج الجوزاء، حتّى إن نجمين من كوكبة النهر المجاورة سُمّيا نسبة إلى كرسي امتلكته الجوزاء في الحكاية القديمة وسُمّيا "كورسا" (Cursa)، و"كرسي" (Kursi).

 

اللغز في هذه المفارقة، التي تحمل فيها الكوكبة بالكامل وصفا يونانيا قديما لكن نجومها تتبع قصة عربية، ينكشف إذا عدنا بالتاريخ إلى أواخر القرن الثامن الميلادي حينما ازدهرت حركة الترجمة عند العرب، فنقلوا العلوم من كل محيطهم الجغرافي، وكان أحد أهم تلك الكتب هو كتاب "المجسطي" لكلوديوس بطليموس، الذي عاش بالإسكندرية وتوفي في القرن الثاني الميلادي.

 

عند تلك النقطة، يظهر الفلكي العربي عبد الرحمن الصوفي، الذي وُلد بالري في بلاد فارس عام 903 ميلادية، وكان على اتصال بعضد الدولة البويهي، أحد ملوك الدولة البويهية، الذي دعمه بشدة. وقد عمل الصوفي على ترجمة وتعديل الأخطاء في كتاب بطليموس، ولكن بينما كان يعمل، وجد أن بطليموس يتحدَّث عن نجوم يعرفها العرب القدماء من فترة ما قبل الإسلام، فقرَّر إضافة هذه الأسماء إلى أطلسه الجديد، الذي نعرفه الآن باسم "صور الكواكب الثابتة" (صور الكواكب الثمانية والأربعين).

نجوم الدب الأكبر في كتاب صور الكواكب الثابتة للصوفي

كانت هناك مزايا لرسوم بطليموس عن الكوكبات، فهي أكثر وضوحا وتحديدا مقارنة بكوكبات العرب القديمة التي كانت مُفرَّقة وغير واضحة، لكن من جانب آخر سُمّيت النجوم في التراث اليوناني بجمل كاملة مثل "النجم الذي يقع إلى شمال كذا"، أما العرب فكانت أسماء نجومهم القديمة من كلمة واحدة، أضف إلى ذلك أن ترجمات الصوفي لأسماء النجوم تضمَّنت أسلوب الكلمة الواحدة أيضا.

 

حينما انتعشت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية في عصر النهضة (نحو 1500 ميلادية)، قام فلكيون مثل بيتروس أبيانوس بترجمة كتاب الصوفي، الذي عُدَّ في عصور النهضة الإسلامية إحدى العلامات الرئيسية في علم الفلك والنجوم، ومن تلك النقطة انتقل ذلك التراث إلى العالمية، ولأن أسماء النجوم العربية أبسط وأسهل في الاستخدام، ورسوم المجسطي كانت كذلك أوضح، استُخدما معا في تداخل مميز، وصولا إلى لحظة كتابة هذه الكلمات.


لفهم أعمق لهذا القدر من التداخل، تأمَّل مثلا كوكبة الدب الأكبر في الصورة المرفقة، وهي تُرسم بهذا الشكل تقريبا في الكتب والأطالس الفلكية الحديثة، أما في الحكاية العربية فإنها تُعبِّر عن قصة بنات نعش التي تحدَّثنا عنها منذ قليل، وبجوار بنات نعش عاشت مجموعة من الظباء، لكن حينما ضرب الأسد بذيله ذات مرة على الأرض، هربت الظباء وقفزت ثلاث قفزات، ثم بعد ذلك ذهبت إلى الحوض القريب منها لتشرب الماء (تراث بدوي).

 

أما الأسطورة اليونانية فتحكي عن حورية فاتنة تُدعى "كاليستو"، أبهرت زيوس ملك الآلهة فاتخذها خليلة، وكان ينزل للقائها والمشي معها في زيارات سرّية خشية أن تعرف زوجته بالأمر، لكن زوجته نزلت إليه في الغابة فجأة، فما كان منه عندما لاحظ قدومها إلا أن حوَّل كاليستو إلى دبة بنية كبيرة، وبعد أحداث تسبَّبت في وفاة الدبة، رفعها زيوس إلى السماء تمجيدا لكاليستو.

 

الآن إذا تأملنا كوكبة الدب الأكبر فسنجد أن هيكلها العام مأخوذ من الأسطورة اليونانية، لكن النجوم ليست كذلك، بعض النجوم تصف الأسطورة العربية مثل نجم القفزة الأولى المُسمّى (Alula Borealis) أو الثانية (Tania Australis) والثالثة (Talitha)، كذلك نجد مجموعة نجوم الحوض (Alhaud)، هذا كله مأخوذ من أسطورة العرب القديمة.

 

على جانب آخر تجد أنه حتّى النجوم التي تُرجمت من صورة الدب نفسها كانت عربية، فتجد أسماء مثل الإلية (Alioth) وهي إلية الدب، أو المراق (Merak) وهو مرق أو دهن الدب، حتّى إن الصوفي لم يكن يعرف حيوان الدب نفسه ولم يره من قبل، فقرَّر إعطاءه ذيلا طويلا في الرسم الخاص به، على عكس طبيعة الدب الحقيقية، وبقي الذيل الطويل في التراث الفلكي ليصبح الآن شكلا رسميا للكوكبة.

 

ما عرضناه قبل قليل كان مجموعة من الأمثلة البسيطة جدا على إسهامات جوهرية للعرب والمسلمين في إعطاء النجوم أسماءها، ولو تأمَّلت الواقع لعَجِبت حقا، فمن بين أكثر من 300 نجم لديها أسماء تقليدية رسمية حتى عام 2016 (بخلاف ملايين النجوم التي باتت تُعطى أسماء علمية دقيقة وليست تقليدية)، ستجد أن هناك أكثر من 200 نجم بأسماء عربية تُكتَب بالحروف اللاتينية (مع نطقها العربي)، تشتهر هذه الأسماء في كتب تاريخ العلم وكتب الفلك وأطالسه على حدٍّ سواء، لكن هل يعرف أحد أي شيء عن جذورها، أو عن حكايات الكوكبات التي جاءت منها؟

 

الإجابة عن هذا السؤال هي للأسف "لا"، فبينما تنتشر حكايات الكوكبات اليونانية بين متخصصي وهواة علم الفلك، لا نجد الكثير من حكايات النجوم العربية، والأمر يمتد بالطبع لما هو أعمق من التمظهر الثقافي لأسماء النجوم في الكتب، حيث تُصوِّر بعض كتب تاريخ علم الفلك ما حدث بين بطليموس من جهة، وكوبرنيكوس من جهة أخرى، وبينهما العصور المظلمة الأوروبية، وكأنه قفزة فكرية شاسعة، لكن المتأمل لتاريخ تطوير هذا العلم في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية سيعرف أن الأمر لم يكن كذلك.

في كتابه "العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية" يشرح الدكتور جورج صليبا، وهو مفكر لبناني الأصل مقيم بالولايات المتحدة الأميركية يعمل أستاذا للعلوم العربية والإسلامية في جامعة كولومبيا، كيف أن العرب لم يقوموا فقط بترجمة العلوم من المناطق المحيطة بهم ومنها كتاب بطليموس، بل تفاعلوا معها وأضافوا إليها، سواء بالتعمُّق أو التصحيح أو ابتكار الأدوات، وأن ذلك يظهر، أكثر ما يظهر، في علوم الفلك.

 

يمكن أن نلاحظ ذلك بوضوح في مساهمات العرب في انتقال الفلك من التنجيم ليصبح علما يشبه صورته الآن، والانتقال الجوهري من عالم التنظير إلى التجريب، والأدوات التي طوَّرها العرب أو ابتكروها كانت خير مثال على ذلك، وأهمها لا شك الأسطرلاب، يظهر ذلك أيضا في قياسات محيط الأرض ومواقع النجوم وعلوم المواقيت، والواقع أن حاجة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت إلى هذه العلوم مفهومة، سواء من ناحية إدارية واقتصادية (الحاجة إلى قياس مساحات الأراضي وكم المزروعات مثلا) أو شرعية (حساب مواقيت الصلاة وهو الأمر الذي بات مُعقَّدا بعد توسُّع العالم الإسلامي ليشمل خطوط عرض وطول مختلفة).

 

ما يحدث إذن في حالة أسماء النجوم العربية ما هو إلا جزء بسيط من حكاية كبيرة تتطلَّب إعادة كتابتها، كي يُوضَع أبطالها الحقيقيون في أماكنهم التي يستحقونها، سواء كانوا من سكان الأساطير أو العالم الواقعي على حدٍّ سواء!

—————————————————————-

المراجع

  1. كتاب صور الكواكب الحسين عبد الرحمن بن عمر الرازي المعروف بالصوفي. / خالد بن عبد الله العجاجي
  2. موسوعة أسماء النجوم عند العرب في الفلك القديم والحديث – الدكتور عبد الرحيم بدر
  3. القاموس الفلكي.. والأبراج وصور النجوم أو كوكباتها وأسماؤها العربية – منصور حنا جرادق
  4. العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية – جورج صليبا
  5. استعان الكاتب ببرمجية "ستلاريوم" المجانية لتحديد مواقع النجوم والكوكبات ورسمها
  6. قائمة أسماء النجوم من الاتحاد الفلكي الدولي
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عالم الفلك واسع جدا، سمائه ومجموعاته النجمية بديعة، ورصدها في ليالي الربيع الهادئة لن يكون صعبا، تعلم فقط أماكن النجوم وكيفية تكوينها لمجموعاتها.. إليك مجموعة معلومات قد تحتاجها عند الرصد.

7/9/2018

النيتروجين في الحمض النووي الخاص بنا، الكالسيوم في أسناننا، الحديد في دمائنا، الكربون في فطائر التفّاح، كل ذلك صُنع في قلب النجوم المنهارة.. هكذا نحن مصنوعون من غبار النجوم!

6/5/2019
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة