ليس فرطا في العاطفة فحسب.. لماذا تبكي النساء أكثر من الرجال؟

ليست كل الدموع عاطفية، وليست جميعها تُعبِّر عن الحزن أو الأسى، هناك بالطبع "دموع التماسيح" التي قد يذرفها البعض دون أن يمتلك مشاعر حقيقية صادقة، وإن كانت بعض الدراسات قد أشارت إلى أن التماسيح نفسها تمتلك دموعا حقيقية، لكن المقصود هنا أن هناك بالفعل نوعين آخرين من الدموع بخلاف الدموع العاطفية، لكلٍّ منهما سبب ووظائف صحية يقوم بها لأجل دعم صحة العين وتعزيزها.

تركيبة الدموع التي توجد في العين منذ الولادة وطوال الحياة مُشابهة لتركيب اللعاب الذي يتكوَّن في الغالب من الماء. لا يُفرز الأطفال حديثو الولادة الدموع عندما يبكون لأن غددهم الدمعية لم تتطوَّر بشكل كامل، وبالتالي فإنهم يبكون دون دموع في الشهر الأول بعد ولادتهم. (1)

بالإضافة إلى الماء، تحتوي الدموع على الملح والزيوت الدهنية والجلوكوز والليزوزيم، والأخير هو إنزيم يُفكك جدار الخلية الخاص بالبكتيريا، مما يُساعد على تطهير العين. كذلك تحتوي الدموع على مجموعة من المعادن والأملاح ذات الشحنة الكهربائية​، وتوجد أيضا في الدم والبول والأنسجة وسوائل الجسم الأخرى، مثل الصوديوم والبيكربونات والكلوريد والبوتاسيوم وكميات صغيرة من المغنيسيوم والكالسيوم. (2)

لا تتعلَّق الدموع فقط بالتنفيس العاطفي، إذ ترى بعض الدراسات أن لها أهمية تكيّفية رئيسية في العلاقات بين البشر، فالدموع تُستخدم -بشكل إستراتيجي- لانتزاع الرحمة وفي إثارة التعاطف والاسترضاء، وكذلك فإن البكاء يقوي التعلُّق والصداقات. لكن المحظورات لا تزال موجودة في بعض الحالات، ففي بعض الثقافات والمجتمعات والظروف، يُفهم التعبير عن المشاعر بالبكاء بوصفه ضعفا ويُقمَع إنتاج الدموع. على سبيل المثال، نادرا ما يكون من المقبول البكاء أمام رئيسك في العمل، خاصة إذا كنت رجلا.

لكن على الرغم من كل ذلك، فإن المهام الفسيولوجية بالغة الأهمية التي تقوم بها الدموع تتمثَّل في تنظيف العين وحمايتها وترطيبها. للدموع أيضا خصائص مُضادة للجراثيم، وهي عموما ضرورية للحفاظ على صحة العيون.

هناك ثلاثة أنواع أساسية من الدموع، هي: الدموع الأساسية/القاعدية، والدموع الانعكاسية، والدموع العاطفية. يُمكنك التعرّف على كلٍّ منها أكثر من خلال السطور التالية.

  • الدموع الأساسية/القاعدية:

يُفرَز هذا النوع من الدموع بكميات صغيرة لتنظيف القرنية والحفاظ على تشحيم العينين، كما أن له خصائص مُضادة للجراثيم. هذه الدموع ضرورية لضمان تحقيق الرؤية الجيدة، وكذلك الحفاظ على صحة العين وراحتها، خاصة بعد قضاء وقت طويل أمام الشاشات الإلكترونية أو التعرُّض للرياح أثناء قيادة الدراجة، (2) خاصة عندما تواجه غبارا أو حطاما.

تُغلِّف هذه الدموع العين كلها، وتُزوِّد هياكلها الخارجية بالمغذيات وتحميها من الجفاف. (3) تتساقط الدموع الأساسية من عينيك باستمرار على الرغم من أنك قد لا تلاحظ ذلك.

  • الدموع الانعكاسية:

تُسمى الدموع الانعكاسية أيضا بالدموع المهيجة، لأنها تحدث في الأغلب بسبب تهيُّج العين. قد يعود حدوث هذا التهيُّج إلى الجزيئات الغريبة أو الأبخرة الكيميائية أو رذاذ العطور القوية أو دخان الغاز المُسيل للدموع أو الأضواء الساطعة أو تقطيع البصل، وكذلك إذا دخلت حشرة في عينك فإن العين تُنتج هذه الدموع لطردها.

الدموع الانعكاسية قد تحدث أيضا بسبب تناول الطعام الحار أو القيء أو السعال أو التثاؤب أو قضاء وقت طويل أمام الشاشات، وقد يُرافق هذا النوع من الدموع احمرار العينين.

يتكوَّن هذا النوع من الدموع في الغدة الدمعية، وعادة ما تُطلَق الدموع الانعكاسية بكميات أكبر من الدموع القاعدية. بصرف النظر عن تعدُّد أسباب حدوث الدموع الانعكاسية، فالغرض الأساسي هو حماية العين وتنظيفها. (4)

  • الدموع العاطفية:

هي التي تُعبِّر عن العاطفة والمشاعر، وهي أكثر أنواع الدموع شيوعا وشهرة، وتُسمى أيضا بالدموع النفسية. قد تحدث هذه الدموع بسبب الإجهاد العاطفي، والغضب، والحزن، والألم الجسدي، أو حتى السعادة الشديدة، فيما يُعرف بـ "دموع الفرح"، وأحيانا تحدث هذه الدموع بسبب الضحك.

تُنتَج الدموع العاطفية بكميات أكبر من الدموع القاعدية، وقد تكون بكمية الدموع الانعكاسية نفسها. يمكن للفرد أن يوقف الدموع العاطفية طواعية وقتما يريد، وهي في ذلك على عكس الدموع القاعدية والانعكاسية. (2)

كل أنواع الدموع السابق ذكرها (5) لها ثلاث طبقات رئيسية، هي: الطبقة المخاطية، والطبقة المائية، والطبقة الدهنية. لكل طبقة من هذه الطبقات وظيفة حيوية وأساسية، فالطبقة المُخاطية تتمثَّل وظيفتها في حفظ توزيع الدموع بمختلف أجزاء العين، أما الطبقة المائية فهي الطبقة الوسطى بين الطبقة المخاطية والطبقة الدهنية، والطبقة الدهنية الخارجية تمنع حدوث تبخر الدموع حتى لا تتعرَّض العين للجفاف. (6)

هناك العديد من الفوائد المُثبتة علميا التي تستطيع الدموع العاطفية تحقيقها لك، منها: (7)

  • · تُساعدك على التهدئة الذاتية:

قد يكون البكاء من أفضل آلياتك لتهدئة نفسك، حيث وجد الباحثون أن البكاء يُنشط الجهاز العصبي السمبثاوي، وهو أحد أقسام الجهاز العصبي اللا إرادي، ويساعد الجهاز العصبي السمبثاوي جسمك على الشعور بالراحة، لكن لا تنتظر أن تكون آثار البكاء فورية، فقد يستغرق ذرف الدموع عدّة دقائق قبل أن تشعر بآثار البكاء المُهدئة. (8)

كذلك فإن البكاء لفترات طويلة يُطلق هرمون الإندورفين، الذي يُعرف بأنه أحد هرمونات السعادة، ويُساعد هذا الهرمون في تخفيف الآلام الجسدية والعاطفية، فبمجرد إطلاق الإندورفين قد يدخل جسمك إلى حدٍّ ما في حالة تُشبه التخدير.

  • تُساعد على استعادة التوازن العاطفي: 

البكاء، كما سبق الذكر، لا يحدث فقط استجابة لشيء حزين، فقد تبكي أحيانا عندما تكون سعيدا للغاية أو خائفا أو متوترا. يعتقد الباحثون في جامعة ييل أن البكاء بهذه الطريقة قد يساعد في استعادة التوازن العاطفي. عندما تكون سعيدا جدا أو خائفا بشأن شيء ما وتبكي، فقد يكون ذلك طريقة جسدك للتعافي واستعادة توازنه من تجربة مثل هذه المشاعر القوية. (9)

  • البكاء يساعد طفلك على النوم:

قد يساعد البكاء أيضا الأطفال على النوم بشكل أفضل في الليل. في دراسة حول نوم الرضع، تُرك الأطفال يبكون لعدد مُحدد من الدقائق قبل تدخُّل والديهم، فأدَّى البكاء إلى زيادة مُدّة النوم وتقليل عدد مرات استيقاظ الرضع أثناء الليل. (10)

  • تُشفَّر الإشارات العاطفية في الدموع:

عندما نبكي نرسل بوضوح كل أنواع الإشارات العاطفية. أوضح الباحثون من خلال ورقة بحثية نُشرت في مجلة "ساينس" المرموقة أن بعض هذه الإشارات يتم ترميزها كيميائيا في الدموع نفسها. على وجه التحديد، وجدوا أن مجرد شم دموع المرأة، حتى في حالة عدم البكاء، يُقلِّل من الإثارة الجنسية لدى الرجال. (11)

أظهرت الدراسات أيضا أن النساء عموما يبكين أكثر من الرجال، وأرجعت الدراسات سبب هذا إلى بعض العوامل البيولوجية والاجتماعية والبيئية المختلفة، حيث تبكي النساء مرتين إلى خمس مرات في الشهر، أو من ثلاث إلى خمس مرات أكثر من الرجال. (12)

عموما، يبكي الرجال والنساء على الأشياء نفسها، مثل وفاة أحد أفراد الأسرة، والانفصال الرومانسي، والحنين إلى الوطن. وقد تبكي النساء أكثر على الأحداث الصغيرة، مثل الشجار أو تعطل الحاسوب. كما تميل النساء إلى البحث عن أنشطة ترفيهية تجعلهن يشعرن بالحزن، وذلك بسبب اختبار راحة مُعينة يجدنها في تجربة الدموع، فالمسلسلات الدرامية تحظى بنسبة مشاهدة أكبر نسبيا من الإناث، وهي أعمال لديها قدرة عالية على إثارة الدموع، إذا شاهدت امرأة عملا دراميا مُثيرا للدموع مرة واحدة في الأسبوع، بينما كان زوجها جالسا مع أصدقائه أو يلعب ألعاب الفيديو في الوقت نفسه، فإن هذا وحده أمر كافٍ لتوضيح فرق نسبة البكاء بينهما.

قد تلعب المهن أيضا دورا في فروق البكاء بين الجنسين، فتهيمن النساء مثلا على وظائف التمريض، التي يمكن أن تحتوي مواقف عاطفية أكثر، في حين يميل الرجال إلى الدخول في مجالات تقنية أكثر، التي من المحتمل أن تُقدِّم فرصا أقل للتعبير عن المشاعر. هذا بخلاف الثقافة المجتمعية التي لا تسمح للرجال بالبكاء وتعتبر هذا علامة على الضعف.

كذلك وفقا لدراسة أجرتها ديان فان هيمرت من المنظمة الهولندية للبحث العلمي التطبيقي وزملاؤها في مجلة "Cross-Cultural Research"، يمكن أن تحدث الاختلافات في البكاء بين الرجال والنساء أيضا بسبب البيولوجيا، وتحديدا بسبب مستويات الهرمونات. (13) وجدت دراسة نُشرت عام 2012 أن النساء لديهن 60% أكثر من هرمون البرولاكتين، وهو هرمون تناسلي يُحفِّز إنتاج الحليب لدى النساء بعد الولادة، لذا تكون الدموع العاطفية عالية خاصة بسبب هذا الهرمون، مما قد يُفسِّر سبب بكاء النساء أكثر من الرجال. (14)

من ناحية أخرى، يمكن أن تمنع مستويات هرمون التستوستيرون الرجال من البكاء، حيث وُجد أن الرجال الذين يُعالَجون بأدوية سرطان البروستاتا التي تخفض مستويات هرمون التستوستيرون يكونون أكثر عُرضة للبكاء، لأن هرمون التستوستيرون يبدو أن له تأثيرا مثبطا للبكاء.

_____________________________________________________

المصادر:

1- Newborns don’t produce tears

2- What Are the Three Types of Tears?

3- Dry eyes

4- What Are Tears Made Of? 17 Facts About Tears That May Surprise You

5- Facts About Tears

6- What are the types of tears?

7- Ways Crying May Benefit Your Health

8- Is crying a self-soothing behavior?

9- Dimorphous expressions of positive emotion: displays of both care and aggression in response to cute stimuli

10- Behavioral Interventions for Infant Sleep Problems

11- Emotional signals are chemically encoded in tears, researchers find

12- Emotional expression and health: Advances in theory, assessment and clinical applications.

13- Culture and Crying: Prevalences and Gender Differences

14- Tears Production: Implication for Health Enhancement

المصدر : الجزيرة