"ميدان" يحاور أستاذا بطب جون هوبكينز: هل الصيام المتقطع فعّال حقا أم مجرد موضة؟

اضغط للاستماع

قال أبو الطب أبقراط قديما: "الأكل بينما أنت مريض هو تغذية للمرض"، أما طبيب عصر النهضة "باراسيلسوس" فوصف الصيام بأنه أشبه ما يكون بـ "طبيب في جسمك". في كل الثقافات البدائية تقريبا كان الصيام فعلا تطهّريا، ومارسه البعض في حالات الإقبال على الحروب أو قبيل الدخول إلى مرحلة البلوغ، وبالطبع نعرف أن الديانات كافة، تقريبا، تهتم بالصوم.

 

وعبر تاريخنا الطويل، بحث البشر عن فوائد الصيام، حيث اعتقد البعض أنه ينظم العمليات الحيوية بالجسد وينظفه من بقايا الأكل، وصولا إلى طرد الأرواح الشريرة، لكن البحث العلمي حول فوائد الصيام بدأ من القرن التاسع عشر، يمكن مثلا أن تتأمل كتاب الطبيب الأميركي الشهير إدوارد ديوي "العلم الحقيقي لأن تحيا" في عام 1894، والذي يقول فيه إن "كل مرض يصيب الإنسان قد تطور، بشكل أو بآخر، من عادة أكل الكثير من الطعام".

التبادل بين الصيام والأكل يشبه بالضبط أن تتمرن في صالة الألعاب الرياضية، عضلاتك لا تنمو في أثناء التمرين بل أثناء الراحة

في القرن التاسع عشر انتشرت حالات الصيام الطويل وقام عدد من الأطباء بدراسة تأثيرها الفسيولوجي، بينما تم تقديم الصيام كعلاج لحالات الوساوس القهرية في فرنسا سنة 1910، واستُخدم كذلك علاجا لحالات السكري قبل ابتكار الإنسولين، وفي العشرينيات اقترح راسل وايلدر من "مايو كلينيك" وجود علاقة بين حالات التجويع والتخفيف من نوبات الصرع، لكن هل الصيام مفيد حقا؟ وهل هناك من البحث العلمي ما يؤيد هذا التوجُّه؟

عند هذه النقطة، اتجهنا في "ميدان" إلى الدكتور مارك ماتسون، أستاذ علم الأعصاب من كلية الطب بجامعة جون هوبكينز المرموقة، والذي فحص جدوى الصيام المتقطع على مدى أكثر من عقدين، يقول ماتسون: "أظهرت الدراسات على الحيوانات والبشر أن هناك العديد من الفوائد الصحية للصيام المتقطع، لكن الأمر ليس ببساطة نتيجة انخفاض إنتاج الجذور الحرة الضارة في الجسم أو بسبب انخفاض الوزن، بل إن له جذورا أعمق من ذلك".

مارك ماتسون أستاذ علم الأعصاب بكلية الطب جامعة جون هوبكنز (مواقع التواصل)

يرى ماتسون أن للصيام المتقطع جذورا تطورية، حيث عكفت أجسامنا -قبل نحو مئة ألف سنة من الآن- على التكيّف مع الأوضاع البيئية القائمة وقتها، وكانت ببساطة حالة من الجوع الدائم، في تلك الأوقات كان هدف الواحد منا هو الحصول ربما على ثمرة هنا أو هناك أو حيوان بري لاصطياده، لكنّ ذلك كان شيئا نادرا، وقد يمر يوم كامل أو أكثر دون طعام، لذلك تكيّفت أجسامنا -ليس فقط لتعمل بشكل طبيعي في أثناء فترات الصيام- بل لكي تعمل بشكل أفضل في تلك الأثناء.

 

يقول ماتسون في حديثه مع "ميدان": "في أثناء الصيام، فإن الجسم يبدل بين آليتين للعمل على حرق الغذاء"، إن التبادل بين الصيام والأكل يشبه بالضبط أن تتمرن في صالة الألعاب الرياضية، عضلاتك لا تنمو في أثناء التمرين بل أثناء الراحة، لكن التمرين هو بالأساس ما يدفعها لذلك، كذلك الأمر بالنسبة لجسمك، في أثناء الصيام يُعِدُّ الجسم خلاياه للكثير من العمليات المفيدة التي تحدث أثناء الأكل، يسمّي ماتسون هذا التبادل بـ "التبديل الأيضي".

 

ويعني ذلك -بحسب مقال بحثي كان قد نشره قبل عام في دورية نيتشر المرموقة- قدرة الجسم على التبديل بين نظامين، الأول أثناء الأكل، وخلاله يقوم الجسم بهضم الكربوهيدرات التي تتكسّر إلى أحد أنواع السكر، والذي يحترق متحوّلا إلى طاقة، أما النظام الآخر فيكون في حالة الصوم، وفي تلك الأثناء يقوم الجسم بحرق الدهون بشكل أساسي، ويحوّلها إلى أحماض دهنية، والتي تُغذي خلايا الجسم بالطاقة.

 

يقول أستاذ علم الأعصاب لمحرر "ميدان": "على النقيض من الناس اليوم، أسلافنا القدماء لم يستهلكوا ثلاث وجبات متباعدة بانتظام وبينها وجبات خفيفة ومقرمشات وغيرها، كذلك بذلوا الكثير من الجهد ولم يكونوا مستقرين"، أضف إلى ذلك أن الطعام في كل مكان تقريبا، إعلانات الأطعمة الجاهزة والمشروبات الغازية تضرب وجوهنا مئات المرات يوميا في التلفاز والشارع وعلى الإنترنت، ما يدفعنا للمزيد من الأكل، ويمنع ذلك نمط التبديل الأيضي من الحدوث، وهو ما يفوّت علينا فوائده.

في الواقع، لا أحد يعرف بالضبط كيف نشأ نمط ثقافي بشري يقول إنه يجب علينا أن نأكل ثلاث مرات في اليوم، أليس هذا كثيرا بعض الشيء؟ نعرف الآن أن نمط الحياة المعاصر، والذي يمتزج فيه الكسل مع الكثير من الأكل أصبح -بشكل أو بآخر- ضارا للبشر، وفي تقريرنا السابق "الإنسان والسمنة.. التاريخ العاصف لمثلجات الفانيليا" يمكن أن تلمس بوضوح بعض النماذج المهمة للحالات التي تعيش حياة صحية مثل الأوكيناوا والتشيماني.

 

وبحسب ماتسون، أثناء حديثه مع محرر "ميدان"، فإن هناك عدة أنواع من الصيام المتقطع المعروفة والتي تؤدي هذا الغرض الأيضي، بشكل خاص النظام 16:8 والذي يعني صيام 16 ساعة وإفطار 8 ساعات، ونظام الصوم كل يومين، ويعني أن تأكل ما تريد لمدة يوم لكن في اليوم الذي يليه تحصر استهلاكك بين 500-700 كيلو كالوري فقط، وصيام 5:2، ويعني أن تتغذى على حمية طبيعية خلال 5 أيام أسبوعيا لكن فقط تحصر استخدامك في إطار 500-700 كيلو كالوري لمدة يومين، يضيف ماتسون: "هذه هي الأنظمة الأكثر خضوعا للفحص في الأبحاث العلمية".

يقول أستاذ علم الأعصاب لـ "ميدان": "في فترات الصيام، يتم تنظيم الجلوكوز في الدم بشكل أفضل، ويقاوم الجسم وخلاياه أنواع الإجهاد المختلفة، ويتم تنظيف بعض أنواع الخلايا من بقايا العمليات الأيضية"، إن العمل البحثي في هذا النطاق -على مدى واسع من الدراسات- يميل إلى الإشارة إلى وجود الكثير من الفوائد للصيام المتقطع، وبشكل خاص لمرضى السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم.

 

بل وكانت دراسة صادرة في دورية "BMJ" الشهيرة، فقط قبل عام من الآن، على الرغم من العينة الصغيرة، قد أشارت إلى أن الصيام المتقطع يمكن أن يكون قادرا على عكس اتجاه السكري من النوع الثاني، بمعنى أن الخاضعين للدراسة، وكانوا مرضى سكري من النوع الثاني، قد توقفوا عن استخدام الإنسولين، وبعضهم توقف عن استخدام معظم أدويته التي يستخدمها لضبط نسبة الجلوكوز في الدم، وانخفضت قياسات السكري لديهم بشكل واضح.

undefined

وفي دراسة أخرى، قبل عدة أعوام، فحصت فاعلية النظام القائم على صيام (5:2) مع مئة امرأة مصابة بالوزن الزائد، أشارت الدراسة إلى أنهن فقدن القدر نفسه من الوزن مثل زميلاتهن اللواتي قلّلن من السعرات الحرارية عبر حميات غذائية أخرى، لكن مقاييس حساسية الإنسولين الخاصة بهن تحسّنت بشكل أفضل.

وبجانب ذلك، يُعدِّد ماتسون لـ "ميدان"، الدراسات التي أُجريت على الحيوانات والبشر، والتي وجدت أن الصيام المتقطع أدّى إلى -بحد تعبيره- "انخفاض ضغط الدم، ومستويات الدهون في الدم، ومعدلات ضربات القلب أثناء الراحة"، مضيفا أن التحسن العام في وظائف الجهاز القلبي الوعائي كان قد بدأ في الظهور خلال مدة تتراوح بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع فقط من بداية التجربة، وعادت الأمور كما كانت خلال عدة أسابيع من قطع الصيام.

 

ويتطوّر الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك في الحقيقة، فعلى الرغم من أن الجدل ما زال دائرا حول الفاعلية الإضافية التي يقدمها الصيام المتقطع في حالات فقدان الوزن تحديدا مقارنة بالحميات الأخرى المعروفة والتي تعتمد بالأساس على تخفيض نسبة "الكالوري" اليومي، فإن هناك فوائد أخرى متوقعة للصيام المتقطع في نطاقات طبية، في تلك النقطة يمكن أن نتأمل دراسة صدرت قبل عدة سنوات فقط لباحثين من جامعة هارفارد، تشير إلى أن عملية التلاعب في شبكات الميتوكوندريا الخاصة بالخلية عن طريق الصوم المتقطع يمكن لها أن تساعد في تحسين الصحة وإطالة العمر. أقام باحثو هارفارد تجاربهم على نوع من الديدان الأسطوانية يبلغ متوسط عمره أسبوعين، تحسن هذا المتوسط مع الصيام المتقطع. دراسات أخرى على الفئران والقرود كانت لها نتائج شبيهة.

 

من جهة أخرى، يقول ماتسون في حديثه مع "ميدان": "إن الصيام قد وجد طريقه إلى حالات السرطان، وكانت دراسات سابقة قد أشارت إلى دور فعّال لنمط الحياة الذي يحوي صياما متقطعا على تخفيض عدد الطفرات العشوائية المسببة للسرطان في الفئران"، وكانت دراسة نُشرت في الدورية الشهيرة "ساينس" قد أشارت إلى أن درجات تقلص الأورام كانت أفضل بفارق واضح في حال مُنع الطعام عن الفئران مدة قد تصل إلى اليومين قبل جلسات العلاج الكيميائي، مقارنة بالجلسات وحدها دون صيام. وكانت تلك الدراسة هي امتداد لأخرى سبقتها قبل عدة سنوات أشارت إلى أن إحدى وظائف الصيام المهمة هي الحفاظ على الخلايا السليمة من التأثيرات السامة للعلاج الكيميائي.

undefined

وفي مقال بحثي لماتسون، نُشر في دورية "نيو إينجلاند جورنال أوف ميدسن"، يركز أستاذ علم الأعصاب بشكل رئيسي على العلاقة بين الصيام وصحة أدمغتنا. فقد وجدت دراسات سابقة أُجريت على الحيوانات علاقة بين الصيام المتقطع وتحسن واضح في الذاكرة العاملة، وهي ذلك الجزء من وظائف أدمغتنا، والذي يعمل على معالجة المعلومات، ثم تصنيف الذكريات كقطع، بذلك نتمكّن من أداء وظائف معقدة وفهم أفكار عميقة، بمعنى آخر، فإن الذاكرة العاملة تؤثر على ذكائنا.

 

يقول ماتسون لـ "ميدان": "كشفت تجربة سريرية متعددة المراكز في جامعة تورنتو في أبريل/نيسان الماضي أن 220 شخصا بالغا يتمتعون بصحة جيدة، كانوا قد حافظوا على نظام صيام متقطع لمدة عامين، أظهروا علامات على تحسن الذاكرة في مجموعة من الاختبارات المعرفية". ويشير ماتسون في تلك النقطة إلى أن الكثير من العمل البحثي الحالي يركّز بشكل أكبر على فحص آثار الصيام المتقطع على التعلُّم والذاكرة، ويضيف أن ذلك قد يفتح الباب لتنظيم أفضل لأمراض عصبية مثل الزهايمر أو باركينسون، أو تأخير حدوثها، خاصة أن منع أنسجة الجسم عن غذائها يدفعها إلى إطلاق كميات أكبر من البروتينات التغذوية والتي يمكن أن تكافح تدهور الخلايا العصبية.

ما زال النطاق البحثي الخاص بالصيام المتقطع في حاجة إلى المزيد من التأكيدات، ومع زيادة عدد الخاضعين للتجارب من البشر سنتمكّن يوما بعد يوم من ذلك، لكن من وجهة نظر عامة، وبدون مبالغات، فإن هناك ميلا واضحا إلى أن الصيام المتقطع مفيد، كما أن أكبر مزاياه هي أنه -من جهة أخرى- غير ضار، بمعنى أنه يمكن لك بسهولة أن تتبع نمطا غذائيا يحوي درجة من الصيام المتقطع ولن تخسر شيئا. وباستمرار الحديث مع "ميدان"، يقول ماتسون: "في كل حال، فإن الصيام المتقطع يمكن أن يكون جزءا من أسلوب حياة صحي".

 

ومع التعقّد الشديد الذي تواجهه الحميات الغذائية حاليا وصعوبة فهمها، هناك أنظمة بسيطة جدا وفعالة جدا يمكن أن تطبقها في حياتك بشكل مباشر، هذا أحدها: اعتبر الصيام نمط حياة، ليكن موعد الطعام من 7 صباحا إلى 3 مساء، أو من 10 صباحا إلى 6 مساء، لكن ليس بعد ذلك. في النهاية يجب أن يكون هناك فارق كبير بين آخر وجبة والنوم. بالإضافة إلى ذلك، ضع السكر في حده الأدنى من استخدامك اليومي وكُل الفواكه والخضراوات بدلا من ذلك، وفقط.

 

في الواقع، لقد كان نمط الصيام المتقطع موجودا بأشكال مختلفة خلال العقود الفائتة، إلا أنه حظي بشعبية كبيرة في عام 2012 بسبب برنامج وثائقي لصحفي في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وهو الدكتور ميشيل موسلي، تلا ذلك العديد من الكتب التي لاقت رواجا عالميا واضحا وصولا إلى كتاب الدكتور جيسون فونج بعام 2016 -وكان ضمن قائمة الأكثر مبيعا- بعنوان The" "Obesity Code والذي رفع من الضجة الإيجابية حول الصيام المتقطع.

 

"لكن الأمر يجب أن ينتقل إلى ما هو أبعد من ذلك"، يقول ماتسون لـ "ميدان": "يمكننا قريبا التفكير في إضافة معلومات حول الصيام المتقطع إلى مناهج كلية الطب جنبا إلى جنب مع النصائح القياسية حول الوجبات الصحية والتمارين الرياضية"، ويُشير أستاذ علم الأعصاب إلى أن التوعية يجب أن تمتد لتعليم الأطباء كيفية توطين مرضاهم، أو الأشخاص الطبيعيين، على أنماط الصيام المتقطع المناسبة لهم.

لقد بات إلزاميا علينا أن نوعّي أنفسنا بضرورة اتباع نمط حياة صحي، لا يؤثر فقط على أجسامنا، بل على حالتنا النفسية وعلاقاتنا مع الآخرين من حولنا

"أضف إلى ذلك أن النقطة الرئيسية التي يجب أن يتعلّمها المرضى والناس العاديون تتعلّق بأن الاشتياق للطعام لن يستمر بالحدة نفسها"، يضيف ماتسون أن تلك نقطة فارقة، فمعظم الخاضعين لنمط الصيام المتقطع يتوقفون سريعا بسبب شعورهم بالحاجة الماسة إلى الطعام في أوقات الصيام المتقطع، لكن ذلك الشعور السيئ لا يستمر كثيرا، فمع الوقت ستتعود عليه تماما بحيث يكون شيئا طبيعيا في نمط حياتك اليومي.

 

في النهاية، بالطبع لا ننصح أن ترفع سقف التوقعات تجاه الصيام المتقطع، ولا يمكن لك بأي حال أن تستبدل الصوم المتقطع بنظام علاجي ما تحت أي ظرف، ما زالت هذه الدراسات -التي تحدثنا عنها- بحاجة إلى المزيد من التأكيد، كذلك فإن الصيام المتقطع في العديد من الحالات المرضية كان علاجا إضافيا وليس رئيسيا، كما أن بعض التجارب كانت على الحيوانات، ورُصد التحسن في حالات لكنه لم يُرصد في أخرى.

 

لكن في كل الأحوال، فإن تحسين نظامنا الغذائي اليومي ليس درجة من الرفاهية، بل هو -إلى جانب التمرين المستمر- ضرورة أساسية في العالم المعاصر، ومع ارتفاع نسب السمنة وتوابعها من الأمراض القاسية بات إلزاميا أن نوعّي أنفسنا، وربما الآخرين، بضرورة اتباع نمط حياة صحي، لا يؤثر ذلك فقط على أجسامنا، بل أيضا على حالتنا النفسية وعلاقاتنا مع الآخرين من حولنا ووظائفنا ودخلنا السنوي، إنه استثمار غير مكلِّف بالمرة يعتمد فقط على أن تكون جديا تجاه رغباتك في الحصول على حياة أفضل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة