لأن فنجان القهوة الصباحي الذي تعشقه قد يختفي قريبا.. للأبد

فوق إحدى الهضاب المرتفعة في منطقة "جيديو" جنوب دولة إثيوبيا، يعمل "نيجاسي"، وهو رجل يبلغ من العمر نحو خمسة وستين عاما، في الإشراف على مجموعة من العمال في أحد حقول القهوة الخاصة جدا، طوال نصف قرن مضى تعلَّم صديقنا، ربما بالطريقة الصعبة، أنه لا يوجد مجال للخطأ، يجب أن تتعرَّض تلك الحبات الثمينة من قهوة "ييرجاتشيف" لنسبة محددة من الضوء والماء والمخصبات والمبيدات الحشرية طوال الموسم، وإلا ستفقد خصائصها المميزة وتصبح مجرد قهوة عادية.

 

ليست "يرغاتشيف" وحدها هي القهوة المخصوصة (Specialty Coffee) التي تُنتجها إثيوبيا، بل هناك أنواع أخرى مثل "سيدامو" و"هرار" و"نيكمتي" و"ليمو"، من بين عشرات التنويعات لنبات البن العربي (أرابيكا) في البلد الذي يُعَدُّ أكبر منتج للقهوة في القارة السمراء، فإن هذه المجموعة تحديدا تتميز عن غيرها بأنها الأجود بفارق كبير، وبالتالي فإنها تقع في قائمة الأغلى سعرا حول العالم، لكن "يرغاتشيف" ورفيقاتها تواجه حاليا كارثة هي الأكبر في تاريخ القهوة، منذ بدأ استخدامها في إثيوبيا قبل أكثر من ألف سنة.

 

في حديثه مع محرر "ميدان"، يقول أبيل تشيمورا، الباحث في معهد بوستدام لبحوث التغيُّرات المناخية في ألمانيا: "4 من أصل 5 أنواع من القهوة المخصوصة التي تُنتجها أثيوبيا ستفقد قدرتها على التكيُّف مع بيئاتها في المستقبل القريب، أتحدَّث عن سنة 2030″، مُضيفا أنه من بين هذه الأنواع المُهدَّدة بالانقراض، فإن "يرغاتشيف" و"هرار" تحديدا عليهما طلب مرتفع جدا في العالم أجمع.

 

حينما تقول نشرات الأخبار إن متوسطات درجات الحرارة حول العالم قد تخطَّت حاجز الدرجة ارتفاعا عن عصر ما قبل الثورة الصناعية، نظن -بينما نجلس على الأريكة لنشاهد التلفاز أو نتصفَّح فيسبوك- أن ذلك لن يُؤثِّر في حياتنا، ماذا سيحدث لو كانت درجة الحرارة في الصيف 36.5 مئوية ثم أصبحت 37.5 مثلا؟! لا شيء. لكن في الواقع، فإن هذا الفهم الخاطئ للتغيُّر المناخي هو أحد أسباب عدم اهتمام الناس بالمشكلة.

 

هذه الدرجة التي ترى أنها يسيرة تفعل ما هو أكثر من ذلك، فالمنظومة البيئية والمناخية العالمية، التي يُعَدُّ الإنسان جزءا منها، تشبه في عملها ساعة دقيقة وضخمة جدا بحجم كوكب كامل، يتكيَّف كل ترس من تروسها مع الآخر، بحيث تعمل في اتزان وهدوء، بما يعني أن أي ارتباك مهما كان طفيفا في هذه المنظومة يتسبَّب في موجات واسعة من التوتر تُؤثِّر على كل شيء آخر.

 

يؤكد تشيمورا في حديثه مع "ميدان": "جودة القهوة تتأثر بشدة بالعوامل المناخية والطوبولوجية والتكوينية المحلية"، مُضيفا: "حتى التغيُّرات الطفيفة في هذه العوامل ستُؤثِّر على المظهر والطعم النهائي للقهوة"، في الواقع فإن القهوة المخصوصة تحديدا هي أول الأنواع تأثُّرا بالتغيُّر المناخي، لأنها تحتاج إلى ظروف مناخية دقيقة كي تخرج بأفضل نضج ممكن، أي تعديل في درجة الحرارة أو نِسَب الرطوبة أو كميات الأمطار التي تتعرَّض لها قادر على جعلها قهوة عادية، لكن حتّى القهوة العادية لن تسلم من الأذى.

 

بحلول عام 2050، وحتّى لو قرَّرنا أن نبدأ الآن في إجراءات خفض نِسَب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، من المُرجَّح أننا سنفقد 49% من أراضي القهوة حول العالم، يرتفع الرقم بنسبة 10% إذا لم تبدأ الإجراءات، ونقصد هنا بالدرجة الأولى ما يُسمى بـ "حزام حبوب البن" أو "حزام القهوة"، وهو المنطقة الواقعة بين مدارَيْ السرطان والجدي، حيث يتوفر المناخ الاستوائي المناسب لزراعتها.

 

في حديثه مع "ميدان" يقول كاو دي سوسا، الأستاذ بكلية الزراعة في الجامعة النرويجية الداخلية للعلوم التطبيقية: "تقلُّب المناخ يمكن أن يؤدي إلى الإزهار مبكرا جدا أو متأخرا جدا، وفي الحالتين فقد لا يكون لدى النبات الطاقة اللازمة للاحتفاظ بالزهور، يؤدي ذلك بالتبعية إلى انخفاض الإنتاج السنوي للقهوة"، ويُضيف مُؤكِّدا أن تقلُّب المناخ يُعرِّض النباتات لمستوى أكبر من الإجهاد، ويتسبَّب ذلك في أن الحبوب لا تنضج في وقت واحد؛ الأمر الذي يضطر المزارعين إلى الحصاد أكثر من مرة، مما يزيد من التكاليف بالتبعية.

 

إحدى علامات التغيُّر المناخي بالطبع هي التقلُّب الشديد في طبيعة الطقس، فمع اهتزاز المنظومة المناخية يواجه الطقس عددا أكبر، ومستويات أكثر تطرُّفا، من الموجات الحارة على سبيل المثال، وكذلك الموجات الباردة والعواصف الترابية والرملية وموجات الجفاف، خذ مثلا موجة الجفاف التاريخية التي ضربت البرازيل في عام 2014، دمَّرت ثلث المحصول، وتسبَّب ذلك في ارتفاع سعر البن بأكثر من 50% في الفترة التي تلتها.

 

من جانب آخر، كما يُوضِّح دي سوسا في حديثه مع "ميدان": "فإن ارتفاع متوسطات درجة الحرارة عالميا يجعل أراضي القهوة بيئة خصبة للكثير من مسببات المرض"، ويخشى الباحثون في هذا النطاق تحديدا من أمراض مثل "صدأ أوراق البن". في عام 1869، وبينما كانت سريلانكا قوة عالمية في إنتاج القهوة، انتشر فطر "هيميليا فاستاتريكس" المُسبِّب لهذا المرض في البلاد، وفي أقل من 20 عاما قتل صناعة البن في البلاد نهائيا.

في عام 1970، ظهر الفطر نفسه في البرازيل وانتشر لاحقا إلى أميركا الوسطى وكولومبيا، وتسبَّب في كوارث لا حصر لها، أما بين عامَيْ 2012-2013 فقد أدَّى ارتفاع درجات الحرارة إلى تأجيج أزمة صدأ أوراق البن الكبرى في أميركا الوسطى، ما تسبَّب في تدمير أكثر من نصف المساحة المزروعة من البن، وفقدان أكثر من 350 ألف شخص وظائفهم. وفي عام 2017، وقعت أزمة أخرى شبيهة ضربت 70% من المحصول في أميركا الوسطى نفسها.

 

كل شيء يتأثر بشكل لا تتوقَّعه، خذ مثلا ما يحدث في إثيوبيا حاليا، حيث يتطلَّب البن العربي (أرابيكا) أن يُزرع بين أشجار عالية، يساعد ظلها على تخفيف درجة الحرارة وضوء الشمس وكميات الأمطار الواصلة إلى شجرة البن، عندما فحص دي سوسا ورفاقه الأشجار العشرة الأولى الموجودة حاليا في أنظمة زراعة البن والكاكاو، بحسب وصفه لمحرر "ميدان"، اكتشفوا بقلق أنها الأكثر عُرضة لتغيُّر المناخ، حيث وجدوا أن نطاق توزيع ما يقرب من 80% من أنواع الأشجار في مناطق البن سيتقلَّص كثيرا.

 

لكن الأهم من ذلك كله هو تأثير التغيُّر المناخي على التنوُّع البيولوجي، فعلى الرغم من أن نوعين أساسيين من البن هما ما ينتشر في العالم ("أرابيكا" ذو الطعم الأفضل، و"روباستا" الأقل جودة لكن مع كم كافيين أكثر)، فإن آلاف الأنواع البرية من البن، التي لا تُستخدم لغرض تجاري، تُعَدُّ هي الحافظة الجينية الثمينة لمستقبل القهوة.

 

كلما ازداد عدد فصائل نوع ما، ازدادت بالتبعية قدرته على التكيُّف لأن محتواه الجيني يكون أكثر مرونة في التعامل مع تقلُّبات المناخ، وكلما انخفض يعني ذلك أنه على مقربة من الانقراض. في إثيوبيا، يوجد أكبر تجمُّع من الفصائل المُنتجة للبن في العالم، ولكن لأن البلاد تُعاني من مشكلات التغيُّر المناخي، فإن أعداد هذه الفصائل آخذة في الانخفاض. تحديدا، أشارت دراسة مُكثَّفة نُشرت في يناير/كانون الثاني 2019 إلى أن 60% من أنواع البن البري في العالم مُعرَّضة لخطر الانقراض، في تلك النقطة قد تسأل: هل ستختفي القهوة بالفعل يوما ما من حياتنا؟!

 

يقول تشيمورا في حديثه لـ "ميدان": "لا أعتقد أنها ستختفي نهائيا"، ولكنه يُضيف أنه "ستكون هناك تحوُّلات دائمة في مناطق الإنتاج في ظل تغيُّر المناخ"، بالطبع ستظل بعض مناطق الإنتاج الحالية أكثر ملاءمة من غيرها لإنتاج القهوة، وقد تظهر مناطق جديدة أكثر ملاءمة في أماكن كانت قبل التغيُّر المناخي أقل حرارة، على سبيل المثال فإن الكثير من مزارعي القهوة في كولومبيا قد بدأوا بالفعل في اختيار مناطق أعلى من السابقة لزراعة القهوة، لأن ارتفاع الأرض يخفض قليلا من درجة الحرارة، فيصبح الأمر وكأن المَزارع عادت للمناخ الطبيعي قبل ارتفاع متوسطات الحرارة العالمي.

 

لكن هذا التغيُّر سيكون ذا أثر واضح على تجارة القهوة، فقد لا تحتوي المناطق الجديدة على البنية التحتية المطلوبة لإنتاج البن، أو ربما كانت تُستَخدم بالفعل لإنتاج محاصيل أخرى، ويستكمل تشيمورا حديثه مع "ميدان" قائلا: "ستكون الجودة بالتأكيد أقل في ظل تغيُّر المناخ، وسيكون من الصعب العثور على القهوة الجيدة، وستكون مُكلِّفة أكثر".

 

لكن بعيدا عن الآثار البيئية، وجودة القهوة التي تود احتساءها صباحا، فإننا ننسى شيئا آخر لا يقِل أهمية، فالقهوة تجارة تبلغ قيمتها 55-70 مليار دولار سنويا، ثلثا هذه التجارة يخرج من مَزارع صغيرة (أقل من هكتارين) يملكها 25 مليون مُزارع حول العالم، كلهم يعيشون في بلدان نامية يعتمد اقتصادها كثيرا على إنتاج البن.

في هندوراس على سبيل المثال، تخلّى ثلث المُزارعين عن مَزارع البن في عشر سنوات فقط، وفي كولومبيا يتجه العديد من المُزارعين لزراعة الكاكاو في أراضي البن، لأن زراعة الكاكاو باتت أسهل مع التغيُّر المناخي، وحتّى هؤلاء المُزارعين الذين نقلوا زراعة البن إلى أماكن جبلية أعلى واجهوا مشكلات كبيرة في البنية التحتية للأماكن الجديدة، بجانب أن شجر البن يحتاج إلى 5 سنوات لإعطاء ثماره، الأمر الذي يضرب المَزارع بفجوة قدرها خمس سنوات بدون إنتاج أو عائد.

 

يقول تشيمورا لمحرر "ميدان": "في إثيوبيا مثلا، تساهم صادرات البن بنحو ثلث إجمالي الصادرات الزراعية للبلاد، أكثر من مليار دولار أميركي، أضف إلى ذلك أن أكثر من 10% من إجمالي الأراضي الزراعية المؤثرة تجاريا في إثيوبيا تُستخدم لإنتاج البن"، ويُضيف مُشيرا إلى أنه يوجد أيضا اقتصاد محلي للبن لا يمكن تجاهله، فإثيوبيا هي المنتج الأكبر للبن في أفريقيا، يعني ذلك أن الإضرار بالبن هو إضرار باقتصاد بلد كامل، والأمر ليس حصريا على إثيوبيا، كل البلاد الواقعة في حزام حبوب القهوة واقعة بالتبعية على خط النار، لأن التغيُّر المناخي يضرب المناطق الواقعة على خط الاستواء أكثر من غيرها.

 

قبل عدة أسابيع أعلن باحثون من وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) أن تحليلا أخيرا لمتوسطات درجة الحرارة، أخذ قراءات من 26 ألف مكان حول العالم، أفاد بأن عام 2020 كان الأعلى حرارة بفارق أكبر من 1.2 درجة مئوية عن المتوسط، منذ بدأ تاريخ هذا النوع من القياسات قبل نحو قرن ونصف، الأمر الذي يُشير إلى أن الاحترار العالمي ما زال مستمرا بنمط متصاعد، ويبدو أنه لن يتوقف قريبا.

جاءت تلك النتائج لترفع 2020 بفارق طفيف جدا عن عام 2016، الذي كان خلال الفترة الماضية صاحب هذا الرقم القياسي، وبسبب صِغَر هذا الفارق، مع درجة عدم يقين في هذا النوع من القياسات، فإن هذا العام -في كل الأحوال- يقبع مع 2016 و2019 بوصفهم أعلى السنوات حرارة في تاريخ القياس، في الواقع فإن آخر سبع سنوات، في الأساس، هي السنوات الأعلى حرارة في تاريخ القياس كله، أما عن نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي فقد تسارعت بدورها خلال سبع عشرة سنة سابقة، وبحلول نهاية عام 2016 تخطّت حاجز الـ 400 جزء من المليون (ppm) لأول مرّة في تاريخنا البشري، منذ أربعمئة ألف سنة مضت!

ما قاله دي سوسا في نهاية حديثه مع "ميدان": "لا أتمنى أن يأتي يوم وتختفي فيه القهوة تماما من كوكب الأرض"، ويُضيف: "لا يزال هناك أمل للقهوة. حتى مع ارتفاع نِسَب ثاني أكسيد الكربون يمكن أن تجد القهوة ظروف نمو مثالية، ويمكن أن نعمل على إطلاق أصناف جديدة ذات سمات تكيُّف محلية، وتنوُّع وراثي جديد".

 

هناك العديد من الأفكار البحثية المهمة جدا، التي يقترحها باحثون مثل دي سوسا وتشيمورا وغيرهم لإنقاذ القهوة، والأهم من ذلك إنقاذ منتجيها حول العالم، لكن الأمر يتطلَّب خططا ضخمة، أكثر وعيا بظروف التغيُّر المناخي وطبيعته، ويتطلَّب كذلك تدخُّلا دوليا للعمل على الحد من نفث ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، لكن يبدو لنا أن ذلك لا يحدث.

 

يمكن لأي شخص ملاحظة وجود انفصال مذهل بين ما هو ضروري لتجنُّب تطوُّر التغيُّر المناخي وبين ما أُنجِز على مستوى العالم حتى الآن، وبحسب دراسة صدرت في دورية "نيتشر" في مايو/أيار 2019، فإن سبب ذلك هو الضغط السياسي الشديد من أجل منع اتخاذ قرارات بيئية حاسمة في هذا الشأن، في الواقع لقد أفردنا تقريرا سابقا بعنوان "أعلى السنوات حرارة في التاريخ".. لأن 2020 لم تكن فقط سنة الجائحة!" ناقش تلك الفكرة بدرجة من الاستفاضة.

في النهاية، ومع مرور الوقت، يبدو أنك قد تذهب إلى المقهى المفضل لديك، أو المتجر لشراء عبوة من القهوة التي تحبها، لكن الجودة لن تكون هي نفسها التي اعتدتها سابقا، ستتأثر الأسعار مستقبلا، وسيكون من الصعب في بعض الأحيان الحصول على فنجان قهوة ممتاز صباح يوم العيد، لكن الأسوأ من ذلك أن هناك آخرين يعيشون في المناطق الاستوائية سيعانون من أجل الحصول على الطعام أصلا في الأثناء نفسها!

 

هؤلاء الناس لم يفعلوا أي شيء للتسبُّب في التغيُّر المناخي، لم ينفثوا ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ولم يُديروا مصانع الوقود والطاقة، إنهم حتّى لا يركبون السيارات. في مقابل ذلك، هناك مئة شركة فقط في العالم مسؤولة عن بث 71% من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ولا أحد يضغط عليهم بما يكفي!

——————————————————————–

المصادر

  1. دراسة أبل تشيمورا عن القهوة المخصوصة (دورية نيتشر)
  2. دراسة كاو دي سوسا عن تأثر القهوة عالميا والحراجة الزراعية (دورية نيتشر)
  3. دراسة كريستيان بون عن احتمالات فقدان أراضي القهوة بحلول عام 2050 (دورية كلايمت تشينج)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أثارت حياة فارادي انتباه الكثير من الكُتّاب، حتّى إنك ستجد قصّته في كل كتاب فيزياء قُدِّم للعامة تقريبا، لكن الأكثر دعوة للتأمل هو أنه كان أحد العلماء الذين قرّروا خوض عالم الدين والعلم معا.

18/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة