عُدة كشف الخرافات.. كيف تحمي نفسك من الأخبار الكاذبة والعلوم الزائفة؟

يمكننا القول إن المشكلة الرئيسية التي تواجهنا في عالم التواصل الاجتماعي ليست فقط أطنان الأخبار الكاذبة والخرافات والعلوم الزائفة التي نتلقَّاها في وجوهنا كل ساعة، ولكن أن كل ذلك يجد قبولا واسعا بين الناس، لأن لدينا نحن البشر ميلا فطريا لقبول كل ما صيغ في صورة قصة مثيرة حول علاج سحري لكل مشكلاتنا، خاصة ونحن نواجه جائحة تفتك بالملايين حول العالم، إلى جانب اضطرابات سياسية ومشكلات اقتصادية لا حصر لها.

 

في هذه السياقات المضطربة تزدهر الخرافات والعلوم الزائفة، ولكي نُحصِّن أنفسنا في مواجهتها لا بد لنا أن نُمرِّن عقولنا على آليات كشف الخرافة، والتفريق بين مَن يُقدِّم حلولا حقيقية لمشكلاتنا، وبين مَن يحاولون اجتذابنا إلى عوالم هرائية بهدف تفريغ جيوبنا أو اكتساب بعض الشهرة، لهذا السبب قرَّرنا في ميدان أن نقوم بترشيح مجموعة من الكتب التي تُعرِّفك بعوالم الخرافات، وتمنحك أدوات تساعدك على تفنيد ادعاءاتها.

 

حسنا، لندع المقدمات الطويلة جانبا ونبدأ مع الدكتور عادل مصطفى، وهو طبيب وفيلسوف مصري وكاتب شهير طالما عرفناه بكتابه "المغالطات المنطقية"، الذي يُفنِّد فيه الكيفية التي تُصنع بها الاستنتاجات الخاطئة أثناء محاولات البعض إقناعنا بحجة ما، هذا الكتاب أساسي في سياق حديثنا عن الخرافات والعلوم الزائفة، لأنه يعود بالقارئ إلى أصول الحوار المُثمِر وقواعد الجدل الصحيح، التي أصبحت الآن مبحثا قائما بذاته هو المنطق العملي أو المنطق غير الصوري، الكتاب متاح مجانا على منصة "هنداوي"، تجده هنا.

لكن لأن "المغالطات المنطقية" يجد شهرة واسعة بين القُرَّاء العرب، فضَّلنا أن نلفت الانتباه لكتاب آخر مُكمِّل له لعادل مصطفى نفسه، ولا يجد الكثير من الاهتمام مثل سابقه، وهو "الحنين إلى الخرافة". في الحقيقة فإن هذا الكتاب أروع من أن تتجاهل المكتبة العربية الحديث عنه، خاصة أنه يضع يديه في أول كلمات الكتاب على المشكلة التي نواجهها، حينما يقول: "تِجارتان لا تَعرفان البَوار؛ تجارة الخُبز، وتجارة الوَهم".

 

يبدأ الكتاب بمقدمة مختصرة، في نحو 25 صفحة، يُفصِّل خلالها الكاتب أهم علامات العلوم الزائفة بأنواعها، يُمكنك أن تستخدمها بوصفها عُدَّة نافعة لكشف الزيف في محيطك، وهي يسيرة بحيث يمكن تطبيقها بسهولة، ثم ينطلق بعد ذلك، في الفصل الأول، للغوص بصورة أعمق في معنى الخرافة، وأصولها، ويحاول أن يجيب عن سؤاله الرئيسي: لِمَ تسحرنا الخرافة؟ وخلال الفصول التالية، يعرض مصطفى لإسهامات مجموعة من كبار المفكرين والعلماء وفلاسفة العلم في مسألة التمييز بين العلم والعلم الزائف والخرافات بأنواعها من أمثال توماس جيلوفيتش، وباري بيريشتاين، وكارل بوبر، وإمري لاكاتوش، وسكوت ليلينفِلد، وغيرهم.

مزايا الكتاب كثيرة، فهو عُدَّة ممتازة لكشف الهراء والخرافات، ناهيك بأسلوب مصطفى السهل المُمتنع، وتطعيمه الكتاب باقتباسات بديعة، بخلاف كون كل فصل من فصول الكتاب منفصلا نسبيا في موضوعه عن الآخر ما يمنح فرصة لإزاحة الملل، حيث يشبه الأمر أن تقرأ مقالا طويلا وتنتهي منه دون هذا الشعور الثقيل بالحاجة إلى الاستكمال الآن، الكتاب كذلك متوفر مجانا من هنا.

 

الآن دعنا ننتقل إلى جوناثان سي سميث، أستاذ علم النفس الذي قضى ما يقرب من نصف قرن في دراسة الظواهر الخارقة للطبيعة وخرافات العلم الزائف. في كتابه "العلم الزائف وادعاء الخوارق"، سيعطيك سميث دليلا عمليا للتفكير النقدي، وكيفية فصل ما يُعَدُّ علما عما لا يُعَدُّ كذلك، هنا ستتعلَّم أن أسئلة بسيطة مثل "أين المصادر؟"، و"هل تستند الادعاءات إلى الملاحظة؟"، و"ما التفسيرات البديلة الممكنة؟"، إلخ، يمكن أن تساعدك على تفنيد ما تقابله يوميا على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة الهراء المُتعلِّق بالعلاج بالطاقة الحيوية وطاقة المكان والعلاج باللمس والإبر الصينية، كما يُعالِج الكتاب نطاقا مهما جدا للخرافات يشمل أفكارا مثل التخاطر والإسقاط النجمي والتنجيم والكلمات السحرية وقراءة الطالع.

أسلوب سميث سهل، يتعمَّد التبسيط، ويستخدم لغة يومية غير مُعقَّدة يمكن أن تقرأها في الصحيفة مثلا، كذلك يستخدم عددا كبيرا من الأشكال التوضيحية والمقارنات، ويستخدم دائما فكرة الخطوات (1، 2، 3، إلخ) لتحقيق بنية منطقية سليمة، والأهم من ذلك أنه يُقسِّم كتابه بشكل جيد يجذبك للاستمرار فيه، وعلى الرغم من ضخامة الكتاب فإن سهولته ستساعدك على إتمامه بأسرع وقت.

 

ربما تجدر الإشارة هنا أيضا إلى كتاب عربي صدر سنة 1979 في هذا الشأن، من تأليف الدكتور عبد المحسن صالح، أستاذ علم الكائنات الدقيقة، الذي عاين الكثير من الخرافات التي انتشرت في الوطن العربي في تلك الفترة، مثل هبوط الكائنات الفضائية للأرض وبنائها للأهرام ولعنة الفراعنة والتخاطر ومثلث برمودا وغيرها، ويمكن القول إن معظم هذه الأفكار روَّجها الكاتب المصري الشهير "أنيس منصور" في عدة كتب ظلَّت في قائمة الأكثر مبيعا طوال عقود، منها مثلا "الذين هبطوا من السماء" و"أرواح وأشباح".

في هذا الكتاب يحاول صالح، بطريقة سلسة، أن يضع القارئ، من خلال نقاش منطقي، على خط المنهج العلمي قدر الإمكان، ويهدف في النهاية إلى توضيح أن العجز المرحلي للعلم عن تفسير بعض ظواهر الكون لا يعني أن نندفع إلى الخرافة قفزا على قواعد التفكير السليم التي أثبتت قدرتها على تحقيق إنجازات هائلة انتقلت بالبشرية نقلة نوعية حاسمة، وبدلا من ذلك، فإن علينا مواصلة البحث العلمي وتشجيعه لنستكمل رحلة الإنسان إلى عالم المستقبل وليس إلى غيابات الماضي.

 

في السياق نفسه تقريبا، لكن مع مجال مختلف، يبرز كتاب "أشهر 50 خرافة في علم النفس: هدم الأفكار الخاطئة الشائعة حول سلوك الإنسان"، من تأليف مجموعة من أساتذة علم النفس. دائما ما نقوم بترشيح هذا الكتاب بوصفه مُقدِّمة لعلم النفس، وعادة ما يتساءل الناس عن السر في ذلك، والجواب ببساطة هو أن أول خطوة في تعلُّم شيء جديد هي تفريغ أدمغتنا من الأوهام الشائعة عنه، وفي الحقيقة سوف نجد أن علم النفس الشعبي قد ضلَّل الكثير من الناس وزرع في عقولهم مفاهيم خاطئة، خذ مثلا تلك الفكرة التي تقول إن كبار السن ينامون عدد ساعات أقل، أو إن تقطيع الورق أو تكسير الأطباق له تأثير مهدئ، أو إن الاستيعاب يقل حينما تزيد أعداد الطلبة في الفصول، أو إن الإنسان يشعر بأمان أكثر وسط مجموعة… كل تلك خرافات لا تمت لعلم النفس بصلة.

وكما هي العادة في ترشيحاتنا، يتميَّز الكتاب بالبساطة، وهو يستخدم طريقة الحكايات في السرد، ويأخذك من نقطة إلى أخرى بسهولة، ويصدمك في كل مرة تلتقي فيها بأسطورة جديدة حول عالم علم النفس، مع مُقدِّمة مهمة جدا عن سبب خضوع الناس للخرافات وتصديقهم لتلك الأشياء، وتلميح مهم جدا للعلوم الزائفة. يقع الكتاب في نحو 450 صفحة، لكننا نعدك أنك ستُنهيه سريعا.

 

وإذا انتقلنا إلى جون جولديكر، الكاتب والمذيع والطبيب البريطاني الذي اشتهر بكتابة عمود يحمل عنوان "العلم الزائف" في صحيفة الغارديان، فسوف يأخذنا كتابه "العلم الزائف" إلى منطقة مختلفة، حيث يُركِّز اهتمامه -من بين أمور عدة- على الممارسات العلمية الزائفة التي قد يمارسها متخصصون في نطاقاتهم الطبية، ولا يتطرَّق فقط إلى الطب البديل، بل ويفتح لك الباب أمام خرافات مستحضرات التجميل وخبراء التغذية وكيف يمكن لوسائل الإعلام أن تُضلِّل الجمهور من خلال نقاشاتها حول العلم.

الكتاب مُقدَّم بلغة حكائية صحفية بسيطة، وفي كلٍّ من فصوله سيهتم بتوضيح ثلاث نقاط غاية في الأهمية، الأولى هي الكيفية التي يحاول هذا "الخبير" من خلالها اجتذابك إلى عالمه ثم العبث برغباتك، والثانية هي التحيُّزات التي لا نُدركها وتُوقِعنا في الفخ في كل مرة، والثالثة هي توضيحه للآليات العلمية أو الطبية الحقيقية التي تقف في مواجهة هذه الادعاءات، سواء تلك التي ذكرها أو الادعاءات الأخرى التي يمكن أن تُواجهها في حياتك.

 

حسنا، كل هذه الكتب السابقة كان محاولة من مؤلفه لإعطائك ما يمكن أن نسميه، بحد تعبير الصحفي الأميركي مايكل شيرمر، "عُدَّة لكشف الهراء"، التي يمكن أن تساعدك على تفنيد الادعاءات التي تقابلها على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس فقط في نطاق الخرافات أو العلوم الزائفة أو القدرات الخارقة للطبيعة، ولكن أيضا في مواجهة تسونامي الأخبار الكاذبة الهائل الذي تواجهه البشرية حاليا. في أوقات كهذه، فإن تعلُّم مهارات كتلك لا يُعَدُّ ترفا اختياريا، بل ضرورة لأجل حياة سليمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة