ماذا لو كانت الأم مصابة باضطراب الشخصية النرجسية؟

عندما يأتي الحديث عن الأم، فإن أحد أشهر التعليقات التي يستخدمها صُنَّاع "الميم" على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية خاصة، والعربية عموما، تكون عادة عن المقارنة التي تعقدها بعض الأمهات للتقليل من شأن إنجازات أولادها، إذا نجحت بمجموع جيد فإن ابن خالتك نجح بمجموع ممتاز، وإذا سافرت إلى شرم الشيخ فقد سافر إلى باريس، وإذا تزوجت من ابنة تاجر ذهب فقد تزوج من ابنة تاجر ألماس.

 

من حين لآخر، يحدث أن تستخدم بعض الأمهات تلك الأدوات، ربما لغرض السخرية أو التهكُّم، لكن ماذا لو كان هذا هو الطبيعي في المنزل؟ ماذا لو كان كل إنجاز لك مهما كان بسيطا يُواجَه بنوعية كهذه من التعليقات التي تُقلِّل دائما من شأنك؟ ماذا لو أُضيف إلى ذلك شعور أنك دائما بحاجة إلى بذل قدر هائل من الجهد في سبيل لفت نظرها، لدرجة أنك أصبحت كماليا في كل تصرفاتك، لكنها لا تستجيب على أية حال؟ ماذا لو شعرت أن طفولتك، مع أمك، كان فيها شيء غير مفهوم، لم تكن مثل بقية زملائك، يبدو وكأنها -بوجه أو بآخر- قد سُرقت منك؟

الأم النرجسية

 

عنوان ميدان

حسنا، لفهم الأمر دعنا نبدأ من الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات العقلية (DSM-5) الذي يصف اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder) بأنه نمط ثابت من الشعور بالعَظَمة، والحاجة الدائمة إلى الإعجاب، على سبيل المثال، سيُبالغ المصاب بهذا الاضطراب في إنجازاته والمواهب التي يمتلكها، ويتوقع أن يُعترف به بوصفه متفوقا دون أن يتناسب ما يفعله مع هذا الاعتراف، بل وسيظن عندما يُحقِّق إنجازا ما أنه إنجاز نادر في طبيعته، حتّى وإن حقق أحدهم مثلما حقق بالضبط، فسيظن أن الأمر كان مختلفا معه.

 

من جانب آخر فإنه عادة ما يُتبع هذا بخيالات وأحلام يقظة وحكايات عن نجاح مستقبلي هائل في حياته أو عمله، لا يتناسب مع قدراته أو ما يمتلك حاليا أو حتّى ما يفعله للوصول لهذا الإنجاز، أحد أشهر الأمثلة هنا هو شخصية "علي بيه مظهر" التي لعبها الفنان محمد صبحي في فيلم يحمل الاسم نفسه صدر سنة 1985، إذ يعتقد علي أنه عبقري ويستحق أن يمتلك الثروة والسلطة، فيحاول تحقيق الثراء السريع على منوال ما جاء في كتاب "كيف تصبح مليونيرا".

في الفيلم، يمكن أيضا أن تلاحظ أن البطل يعتقد أنه متميز وفريد بطبعه، بالتالي يجب أن يُصاحَب فقط من قِبَل أناس مميزين أو من طبقة عليا أو من قِبَل مؤسسات كبيرة، العَرَض الذي عادة ما يجعل المصاب باضطراب الشخصية الحدية متعجرفا في سلوكه، هذا الشعور بالعَظَمة يجعل متطلباته الأساسية، في حياته، تتضمّن تلقي الإعجاب الشديد، وبالتالي سيمتلك تصورات غير معقولة عن معاملة تفضيلية خاصة من المفترض أن تكون تلقائية بدون حتّى سابق معرفة، لو تعاملت إذن معه بوصفه شخصا طبيعيا كأن تقول له "يا أستاذ علي" فقط وليس "علي بيه"، رغم أنها أول مرة تلتقيه ولا يوجد سابق معرفة بينكما، فإن ذلك يُعَدُّ إهانة شديدة بالنسبة له.

 

أضف إلى ذلك أن شعورا بهذه الضخامة سيتطلّب لا شك أن يستغل هذا الشخص الآخرين لتحقيق أهدافه، ومن هذا المنطلق فإنه سيكون غير شاعر بالتعاطف معهم، لأن كل ما هو موجود ويستحق الاهتمام هو "هو"، يؤدي ذلك إلى شعور بالحسد والغيرة تجاههم مع تصور أنهم، ما داموا لا يتعاملون معه كما يستحق، يُكنِّون له مشاعر الحسد والحقد.

 

كما تلاحظ، فإن اضطراب الشخصية النرجسية يدور حول مدى شعور هذا الشخص بأهميته وعظمته، ومن خلال تلك النقطة المركزية تنشأ كل الأعراض الأخرى، لكن لأن اضطرابات الشخصية في العموم هي نمط للسلوك يظهر أساسا في العلاقات مع الآخرين، فإن هذه الأعراض قد تظهر بتنويعات مختلفة تتعلق بطبيعة العلاقة وشخصيات أطرافها، وهو ما لا يجعلها تظهر واضحة "كما يقول الكتاب". حالة الأم المصابة بهذا الاضطراب هي نموذج مثالي لذلك، لأن علاقة الأمومة هي الأكثر مثالية وتأثيرا في حياتنا.

الأم النرجسية

 

عنوان ميدان

من الطبيعي أن تشعر الأم أن إنجازات أبنائها الدراسية والرياضية والعملية هي أيضا إنجازاتها، لكن بالنسبة للأم المصابة باضطراب الشخصية النرجسية فإن أبناءها هم فقط امتداد لها، ليست لهم ذوات مستقلة بعيدا عنها، لذلك فإنها عادة ما تستخدم نجاحهم وسيلةً لاستعراض قدراتها وإنجازاتها العظيمة أمام الآخرين، الأمر الذي سيُلاحظه الابن أو الابنة من سن صغيرة، سيشعر أبناؤها دائما أن كل شيء في حياة هذه العائلة يدور حول هذه السيدة فقط.

 

لكن الأسوأ من ذلك يحدث حينما يفشل أحد الأبناء في تلبية هذه الصورة التي تُصدِّرها الأم عن نفسها. في تلك الحالة فإن الأم تكون ناقدة لهم بصورة دائمة، وعادة ما ستُقارنهم بآخرين يحيطون بهم مثل الأقارب، فإذا حقق الطفل إنجازا عاديا في شيء ما فإنها ستُقارنه بابن عمه أو ابنة خاله مثلا، ودائما ما ستستمر في ممارسة هذا النوع من التلاعب لكي تصل إلى مرادها، وهو دفع أبنائها لتحقيق صورة يمكن أن تستخدمها لإظهار عَظَمتها أمام الآخرين، أو لتحقيق أمنياتها ورغباتها في الحياة، تلك التي لم تتمكّن يوما من تحقيقها.

 

إحدى الطرق للتلاعب هي العكس تماما، أن تلعب الأم دور الضحية ببراعة، سواء عبر أن تُشعر أبناءها بالذنب لأنهم يُهملون في حقها ولا يُقدِّرون ما تفعل، فتجد أنها عادة ما تستخدم جُملا مثل "بعد كل ما فعلته من أجلك"، أو عبر تخويفهم من أنها قد تتسبَّب في أذى لنفسها، أو "تختفي بلا عودة ولن يعرفوا مكانها" إن لم يُنفِّذوا ما تريد.

صورة ميدان

إحدى أشهر علامات هذا الاضطراب في هذه النقطة هو أن الأم لا تغفر أبدا، مهما اعتذرت بعد خطأ ما ومهما طال الزمن، ستستخدم هذا الخطأ في مرحلة ما للضغط عليك. يُثير كل ذلك مشاعر الأبناء ليُصبحوا دائما أداة لتحقيق أهداف الأم، ويُعطيها ذلك بالتبعية القدرة على التحكُّم الكامل في حياتهم، وعادة ما يمتد هذا التحكُّم لكل شيء تقريبا، حيث ستغضب من الابن أو الابنة إن عارضاها في سلوك أو رأي أو اختيار، وستحاول كذلك التحكُّم في نوعية ألعاب أبنائها وملابسهم واختياراتهم في الأصدقاء والطعام والأفلام والموسيقى.

 

يظهر هذا التحكُّم في صورة أخرى حينما يبدأ الابن أو الابنة بالتعرف على شخص من الجنس الآخر ويقع في حبه، هنا تجزع الأم وتُصاب بقدر من الغيرة الشديدة، لأنها تظن أن كونها أُمًّا، بطبيعة الحال، يعطيها الحق للتحكُّم في حياة أبنائها تحكُّما كاملا، ومن واجب هذا الابن -في المقابل- أن يكون موجودا من أجلها وجودا كاملا ويحاول دائما إرضاءها، لذلك ما إنْ يتحدث عن أصدقاء جدد أو حتى هواية جديدة فإنها فورا تشعر بالتحسس، وكأنه سيهجرها.

 

عنوان ميدان

في كل الأحوال فإن الأم المصابة بهذا الاضطراب ستعرف أين يمكن أن تُوجِع أبناءها جيدا، لأن الأمر سيتعلق دائما بقدر الحب الذي تعطيه أو تمنعه، ستحبك إنْ فعلت ما تريد وستهملك تماما إنْ لم تفعل. لهذا السبب فإن أبناء المصابات بهذا الاضطراب عادة ما يكونون كماليين في طباعهم، ينشدون الكمال في كل سلوك، لأنهم يرغبون في إرضائها وهي لا تفعل ذلك بسهولة.

 

لكن في أثناء ذلك كله فإن الطفل يفتقد لأهم ما يمكن أن يحصل عليه من أمه، وهو الدعم والمساندة والشعور بالحب ناحيته لذاته، الحب غير المشروط الذي يتطلّبه كل طفل في الدنيا. سيتضح ذلك مع الوقت وفي كل سلوك تقريبا، خذ مثلا تلك الأوقات التي تحكي لها عن مشكلة ما تخصك، موقف ما أسأت التصرف خلاله، وبينما تود منها أن تدعمك وتُقدِّم لك بعض النصح ستجد أنها قد حوَّلتْ حديثكما معا ناحية إنجازاتها الخاصة في موقف شبيه تعرَّضتْ له قديما ثم تصرَّفتْ تصرُّفا صائبا تماما، على عكسك، مُهملةً وجودك في هذا الحديث من الأساس!

 

أحد الأمثلة أيضا هو تلك المواقف التي عادة ما تجمع أفراد العائلة أو الأصدقاء ثم تقوم الأم بإطلاعهم على أمر يتسبّب في الحرج لك، قصة وقوعك في المدرسة، أو فشلك في هزيمة خصمك في مباراة ما، أو كيف أن المثلجات قد غطت ملابسك في زيارة لحديقة الحيوان وكان مشهدا لا يوصف، إنها تفعل ذلك لأنها لا تشعر بالتعاطف معك، لكن ذلك كله نابع من نقطة أساسية وهي رغبتها في إثارة اهتمام الآخرين بكل طريقة ممكنة، حتى لو كان ذلك عن طريق دفعهم للضحك عليك.

صورة ميدان

على الرغم من كل ما ذكرناه من أعراض، فإنه يمكن أن تكون هناك تنويعات أخرى في العلاقة بين الأم المصابة باضطراب الشخصية النرجسية وأبنائها، لكن كل الأعراض ستدور دائما حول مركز واحد هو أساس الشخصية النرجسية، الشعور الهائل بالعَظَمة، هذا العالم كله يجب أن يدور حول الأم، سواء كان ذلك بالسلب أو بالإيجاب، بمعنى أن نرضخ ونحاول أن نجعله بالفعل يدور حولها، أو أن تشعر بأنها ضحية مظلومه لأنه لا يفعل، فيستمر في الدوران حولها.

 

يتسبّب ذلك كله في كوارث عدة، أهمها أن يفقد الأبناء ثقتهم في ذواتهم، لقد تربّوا منذ الطفولة وكأنهم مربوطون كالثيران في ساقية، سيبذلون كل الجهد لكنهم لا يلفتون انتباه أمهم كفاية، ولأنها الأم، جوهر العاطفة في المنزل، فإنهم يشعرون أن الخطأ فيهم، وأنهم لا يبذلون جهدا كفاية للفت انتباهها، وتستمر المأساة. من جانب آخر فإنهم يخرجون للعالم بدون قدرة على تنظيم حياتهم وعواطفهم، لقد تعوّدوا على درجات مرتفعة من التحكُّم في حياتهم، وللأسف فقد يقعون في أسر علاقات سامة، كالصداقة والزواج في المستقبل، تضعهم تحت تحكُّم شخصيات نرجسية أيضا، وتستمر كرة الثلج في التضخُّم.

 

عنوان ميدان

في الكثير من أفلام هوليوود، صُوِّرت الشخصية النرجسية بأنها عنيفة وقاسية وتتلاعب بالآخرين في صورة غاية في الشر وتتضمّن القتل في كثير من الأحيان، دفع ذلك بنا إلى تجاهل التنويعات المختلفة للشخصية المصابة بهذا الاضطراب، ومنها حالة الأم المصابة به، التي عادة ما تستمر لفترة طويلة جدا قبل أن تُكتشف وتُشخَّص، ثم تقتنع العائلة من الأساس أن هذا اضطراب نفسي وليس شيئا طبيعيا، لكن المشكلة أن الضرر سيكون قد حلَّ بالأبناء الفعل (لذلك فإن التوعية بهذه الأنماط ضرورية).

 

لا بد أنك قد لاحظت من كل ما سبق عَرَضا أو أكثر فيك، أو في أحد تعرفه، أو في أمك، لكن هناك ملاحظتان أخيرتان غاية في الأهمية، أُولاهما أن النرجسية طيف واسع، قد تكون في النمط الطبيعي لكنك قريب أو بعيد عنها بحسب شخصيتك، لذلك من الطبيعي أن تجد بعض تلك الصفات في نفسك أو أمك، لكن من المهم معرفة أن "الحالة المَرَضية" تتميز بأنها تتسبَّب في أضرار واضحة لحياتك وعملك وعلاقاتك، أما الملاحظة الثانية فهي أن هذا التقرير ليس دليلا للتشخيص وإنما هو أداة للتعريف بحالة خاصة جدا من هذا الاضطراب، الطبيب هو الشخص الوحيد المختص بالتشخيص، وإذا شعرت أن والدتك، أو أنك، تحمل بعضا منها وأردت التأكد، فلن يضر أن تذهب في زيارة إليه.

 

اضطراب الشخصية النرجسية هو حالة مَرَضية متطرفة من شيء يوجد فينا جميعا، وهو أننا نشعر بدرجة ما من العَظَمة، تُشير التقارير البحثية في عالم علم النفس الإدراكي إلى أن الناس "في المتوسط" يُصنِّفون أنفسهم على أنهم "أعلى من المتوسط" في كل معارفهم وقدراتهم المهنية، لذلك فإنه من المُثير للانتباه حقا أن نحاول النظر إلى الشخصية النرجسية ونتأمل أعراضها ثم نرى انعكاسها في ذواتنا، فنتعلَّم بعد ذلك أن هذا التصرُّف أو ذاك كان مرتبطا فقط بحبنا لذواتنا وشعورنا بأهميتها، وليس بالواقع أو الحق أو الخير كما كنا نظن!

——————————————————————

المصادر

  1. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fifth Edition (DSM-5) – American Psychiatric Association
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تمكَّن “مستر حسين” من جمع مبلغ يُقدَّر بنحو 1.5 مليار جنيه مصري من المواطنين بغرض تشغيل أموالهم، ثم بعد أن تأتي الأرباح يقوم بتوزيعها عليهم، وتبين بعد ذلك أنه كان محتالا. فلماذا يُصدق الناس المحتالين؟

Published On 10/2/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة