أحلام الأثرياء.. هل حقا يريد إيلون ماسك الذهاب إلى المريخ من أجلنا نحن؟

لا شك أن استكشاف المريخ خطوة مهمة للبشرية، لكنَّ تصوير هذه الرحلة بوصفها خطوة لإنقاذ البشرية من كوكب الأرض ليس دقيقا. هذا التأطير للرحلة يُخفي خلفه مآرب شخصية لإيلون ماسك وأمثاله، ليس أقلها تحقيق المجد والشهرة واستعمار الفضاء لأجل مشاريع تخص الأثرياء وحدهم.

 

ما من مكان يُضاهي الأرض، ما لم تكن إيلون ماسك. بحسب ماسك، فمن المرجح تدشين نموذج أوّلي من "سبيس إكس ستارشيب"، التي قد ترسل البشر إلى المريخ يوما ما عما قريب، بل وربما خلال الأيام القادمة. لكن ما الذي يُحفِّز ماسك؟ لماذا يزعج نفسه بالمريخ؟ مقطع مرئي من مقابلة أجراها ماسك في 2019 يكاد يُلخِّص رؤية ماسك وكل شوائبها.

 

في المقطع المرئي، نرى ماسك يقرأ فقرة من كتاب كارل ساجان بعنوان "نقط زرقاء باهتة". الكتاب المنشور في عام 1994، كتبه ساجان (ترجمة عالم المعرفة، الكويت 2000) في استجابة لصورة شهيرة لكوكب الأرض يبدو فيها كبقعة ضوء تسبح في الشعاع الشمسي. وهي لقطة توسَّل ناسا لالتقاطها عبر مركبتها "فواياجيه 1" عام 1990 حينما أقلعت إلى الفضاء على بُعد 3.7 مليارات ميل عن كوكب الأرض. كان ساجان يعتقد أننا إن حصلنا على صورة لأنفسنا من هذه المسافة، فإنَّ الأمر سيُغيِّر منظورنا لموقعنا من الفضاء إلى الأبد.

يقرأ ماسك من كتاب ساجان قائلا: "كوكبنا ليس سوى بقعة وحيدة ضئيلة في غلاف من الظلام الكوني الفسيح المحيط بنا. وفي ظلمتنا، في كل هذا الاتساع، لا تبدو أي إشارة خفية أو حتى تلميح إلى أن مساعدة ستأتي من مكان آخر لإنقاذنا من أنفسنا. إن كوكب الأرض هو الكوكب الوحيد المعروف حتى الآن بوصفه مأوى للحياة، ولا يوجد أي مكان آخر يمكن أن يهاجر إليه نوعنا في المستقبل القريب".

 

هناك يقاطع ماسك نفسه ويشرع بالضحك، ويقول بنبرة ملؤها الشك: "هذا غير صحيح. إنه خاطئ، فهناك المريخ".

 

لكنه لا يمكن أن يكون مُخطئا أكثر من ذلك. هل قال المريخ؟ المريخ بؤرة جحيم. إنَّ النقطة المحورية بشأن المريخ هي أنه ليس كوكب الأرض، ولا يكاد يقترب منها. في الحقيقة، فإن الأشياء الوحيدة التي يتشاركها كوكبنا والمريخ هي أنَّ كليهما كواكب صخرية فيها شيء من المياه الجليدية، وأن كليهما تعيش على سطحه الروبوتات، وليس في المريخ الكثير منها.

هذه الصورة لسطح المريخ في اليوم الذي هبطت فيه المركبة الفضائية التابعة لناسا على الكوكب الأحمر

 

الغلاف الجوي للمريخ رقيق جدا، وليس فيه حقل مغناطيسي يساعد على حماية سطحه من الإشعاع الشمسي أو الإشعاعات الفضائية المجرّية، ناهيك بأنَّ هواءه غير قابل للتنفس ومعدّل حرارة السطح فيه يبلغ 80 درجة مُميتة تحت الصفر. هل يعتقد ماسك أنَّ المريخ مثل الأرض؟ لكي يعيش البشر على سطحه بأي إمكانية كانت سيتعيّن عليهم إقامة الأنفاق والعيش تحت الأرض، وأيُّ روعة تُضاهي العيش داخل نفق تمتد على طوله الإنارات المخصصة لاضطراب الاكتئاب الموسمي وإنبات الخس باستخدام الأشعة فوق البنفسجية؟ بإمكانك أن تودّع استنشاق الهواء العليل والسير دون الحاجة إلى حماية بزة فضائية (على كوكب الأرض)، لكن اعلم أنك إن ذهبت للقيام بنشاط خارج المركبة وحدث خطب ما، فإنَّه ستكون أمامك 60 ثانية من الألم المدوي المُفضي إلى الموت. لا شك أن التجوال على سطح المريخ سيكون تجربة رائعة فارقة وعميقة، لكن زيارته لإثبات تقدُّم تكنولوجي أو توسعة آفاق الإمكانيات البشرية لمختلف جدا عن العيش هناك. إنَّه ليس بالمكانِ الذي يلائم بني البشر؛ المريخ سيفتك بك.

 

ماسك ليس من المريخ، لكن يبدو أنه وكارل ساجان يأتيان من عوالم مختلفة. حاله حال ساجان، يُبدي ماسك نوعا من التكريس الديني للفضاء، في رغبة محمومة بالذهاب إلى هناك، لكن أغراض كل واحد منهما تختلف كليا. لقد ألهم ساجان أجيالا من الكُتّاب والمعلمين والمهندسين الذين شعروا بأنهم مدفوعون لمطاردة الرهبة التي طاردها هوَ من أعماق قلوبهم. كل مَن يشيرون إلى ساجان على أنه السبب وراء الحقل العلمي الذي اختاروه لأنفسهم إنّما يرتبطونَ بأعجوبة أن نكون كائنات إنسانية وتُثير دهشتهم فكرة أننا ترعرعنا على سطح كوكب جميل نادر.

 

أما تأثير إيلون ماسك على الأجيال فمختلف جدا. لقد استخدم ماسك وسيلة للحلم والاستكشاف لأغراضِ إثبات الأحقيّة والجشع والغرور. ليس لدى ماسك توق للاستكشاف العلمي ولا رغبة لفهم العوامل التي تجعل الأرض مختلفة عن المريخ، وكيف نتجانس ونرتبط جميعا بعضنا ببعض. ماسك ليس كشّافا، إنه سمسار أراضٍ، ويبدو أنَّه قد فوَّت جملة من كتاب "نقطة زرقاء باهتة" تقول: "ربما ليس هناك برهان أفضل على سخف الأوهام البشرية من هذه الصورة البعيدة لعالمنا الصغير".

إيلون ماسك

لقد اعتقد ساجان بإرسال البشر إلى المريخ لاستكشافه أولا ثم العيش فيه، لضمان نجاة البشرية على المدى الطويل، لكنه قال أيضا: "وماذا سنفعل بالمريخ؟ ثمة العديد من الأمثلة على إساءة البشر للأرض لدرجة أن صياغة هذا السؤال تبعث في نفسي القشعريرة. إن كانت هناك حياة على المريخ، فأعتقد أنَّ علينا أن ندع المريخ وشأنه. المريخ للمريخيين، حتى إن كانوا محض ميكروبات".

 

أما ماسك، على النقيض منه، فإنَّه يحفّز شعورًا بالأحقية في الفضاء، بأننا نستطيع ويجب أن نستعمر الفضاء، بغض النظر عما يمكن أن يكون هناك، لا لشيء إلا في الرغبة البعيدة بالأمن.

 

ثمة أسباب منطقية للقلق بشأن نجاة البشر على المدى البعيد، وصحيح أن امتلاك القدرة على السفر بفعالية أكبر في أرجاء النظام الشمسي سيكون أمرا جيدا. لكنني أشكك في رواية أي شخص من أثرياء العالم بأنَّه يهتم كثيرا لنجاة البشرية لدرجة أن عليه أن يرسل الصواريخ إلى الفضاء. وكان من باب أولى بأشخاص في هذه المراكز القيام بالكثير من الأشياء على سطح نقطتنا الزرقاء لمساعدة أولئك المحتاجين على ربوعها.

 

التندُّر على كلمات ساجان يعني أن ماسك قد فوّت القصد من كلماته كليا: ثمة فعلا مكان واحد لنا، ونحن فيه بالفعل.

——————————————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

نحن لا نعرف بعد إن كان الهيدروكسيكلوروكين مفيدا أم لا بعلاج الحالات المتقدمة من “كوفيد-19″، لكن المشكلة أن إجابة هذا السؤال تأخرت كثيرا بسبب بلبلة سياسية حول الأمر وضعت باحثي العالم أجمع بمنطقة الشك.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة