تريد تعلُّم الكونيات؟ هذه المساقات تُقدِّم تاريخ الكون ومستقبله تقديما ممتعا

يهوى البعض علم الفلك بينما ينفر البعض الآخر منه، لكن الجميع تقريبا يقعون في حب الكونيات، حيث ينبهر الإنسان عادة بأحاديث بداية الكون ونهايته، وأصوله ونشأته وتمدُّده، إلى درجة أن النظرية النسبية -على الرغم من تعقيدها الشديد- تظل الأكثر رواجا بين كل النظريات العلمية، وهو أمر طالما تعجَّب منه ألبرت أينشتاين ولم يجد له سببا، لكن يبدو أن أينشتاين نفسه، بشكله المثير للانتباه واقتباساته اللافتة، الحقيقية منها والمفبركة، كان أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الرواج.

 

عادة ما نُقدِّم في "ميدان" مساقات أو كتب تفتح الأبواب أمام محبي دراسة العلوم الرئيسية، كالفلك أو الفيزياء أو البيولوجيا، لكن لأن هناك نهما لدى الشباب العربي لبعض العلوم الأكثر تخصُّصا فقد قرَّرنا أن نُقدِّم في هذه المادة مساقات لدراسة علم الكونيات، وكالعادة دعنا نوضِّح أن هذه الترشيحات ليست الأفضل على الإطلاق، لكنها متدرجة من البساطة إلى التعقيد، ويعدك الكاتب أن تُقدِّم لك جرعة من المعرفة الدسمة مع قدر لا بأس به من الاستمتاع.

 

نبدأ معا من جامعة كاليفورنيا إيرفين الأميركية، حيث يُقدِّم الدكتور جيمس بولوك، أستاذ الفيزياء والفلك بالجامعة، مساقا غاية في الروعة لطلبة السنوات الأولى عن علم الكونيات، خلال نحو 24 محاضرة، مدة الواحدة منها نحو الساعة. يتميز بولوك ببساطة أسلوبه وسهولة لكنته حتى بالنسبة للطلاب غير الناطقين بالإنجليزية، وهو يُقدِّم مادته تقديما أنيقا ومرتبا، وعادة ما يتطرق لقصص متعلقة بها، ما يزيد الأمر إمتاعا.

 

أهم ما يميز هذا المساق هو قدر الهدوء الذي يتدرَّج به المحاضر في تقديم المادة العلمية، فهو يبدأ من تاريخ هذا العلم السحيق في نحو ست محاضرات، مرورا بحقب الفلسفات اليونانية، والحضارة الإسلامية، ثم يعرج على كبلر ونيوتن، بعد ذلك يُقدِّم لك مجموعة من الأساسات المهمة التي ستحتاج إليها فيما بعد لدراسة الكونيات، فيتحدث عن قوانين الجاذبية وعن طبيعة الضوء، وينتقل إلى فصل قصير عن الذرات والقوى الكونية الأربعة (الجاذبية، الكهرومغناطيسية، القوى النووية بفرعيها).

ينتقل المساق بعد ذلك ليعطي مقدمات قصيرة في النجوم والسدم وغيرها من مكونات مجرتنا، ثم يشرع بهدوء في التقديم لأفكار مثل تمدُّد الكون، والانفجار العظيم، والنظريات السائدة في علم الكونيات، وفي النهاية يصل إلى الأسئلة الكونية الكبرى: كم عُمْر الكون؟ كيف نشأ وكيف سينتهي؟ ما الجوانب المظلمة للكون (الطاقة والمادة المظلمتيْن)؟ وكيف نجيب عن كل تلك الأسئلة؟

 

يستخدم المساق قدرا يسيرا من الرياضيات، وهي -في المجمل- لا تتخطى المستوى المبتدئ لطالب في الثانوية العامة درس بعض المعادلات البسيطة، وهذا ما يجعله مساقا مناسبا للمبتدئين في هذا العلم، وهو يعادل قراءة كتاب ضخم يشرح علم الكونيات للمبتدئين، وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لك أيضا أن تتأمل مجموعة من المساقات المهمة جدا في الفيزياء تُقدِّمها جامعة كاليفورنيا إيرفين إلى جانب مساق بولوك، حيث ستجد هناك مقدمة للفيزياء في ثلاثة مساقات، ومقدمة للرياضيات الخاصة بها، ومجموعة من المساقات الأخرى الممتعة. تجد مساق الكونيات هنا، وقائمة المساقات هنا.

 

ما زلنا نقف عند مستوى المبتدئين، حيث يمكن أيضا أن نتأمل هذا المساق القصير الممتع من جامعة طوكيو، الذي يُقدِّمه هيتوشي موراياما في أربعة أسابيع فقط تحت عنوان "من الانفجار العظيم إلى الطاقة المظلمة"، لكنه يتطلَّب -لو قرَّرت اتباع كل جوانب المساق- نحو 30 ساعة عمل. يهتم هذا المساق بالبحث حول نشأة الكون بالدرجة الأولى، وتوضيح مفاهيم مثل الانفجار العظيم ونشأة العناصر والمادة والطاقة المظلمتيْن وفترة التضخم الكوني، مع تبسيطها تبسيطا يلائم الدارسين الهواة، وعلى الرغم من أنك ستصادف بعض المعادلات الدراسية خلال رحلة التعلُّم، فإنها لن تعوقك عن التقدُّم، لذا يعتبر هذا المساق واحدا من أهم وأقوى وأكثر مساقات منصة "كورسيرا" شهرة في النطاق العلمي، تجده هنا.

 

الآن دعنا ننتقل إلى فتى الفيزياء المشاكس، الدكتور ليونارد ساسكيند من جامعة ستانفورد، الذي يُقدِّم بدوره مساقين رائعين في علم الكونيات، أحدهما يستغرق في أساسات العلم، فيعرج على موضوعات مهمة مثل طبيعة المادة والطاقة في الكون، وتمدُّد الكون وفترة تضخمه الأولى وطبيعة الفضاء الكوني الهندسية، أما المساق الثاني فيتحدث في المقام الأول عن الثقوب السوداء، وهي بالطبع أحد الموضوعات الأساسية في نطاق الكونيات.

ينتمي كلٌّ من هذين المساقين إلى "مجموعة الحد النظري الأدنى" (Theoretical Minimum)، وهي قائمة من نحو 20 مساقا يُقدِّمها ساسكيند مجانا لهواة التعلُّم الذاتي، حيث تقف عند الحد الفاصل بين العلم الشعبي والدراسة الأكاديمية، وهي مرحلة نفتقدها كثيرا في المحتوى العربي. تحتوي محاضرات ساسكيند على كل ما هو مطلوب لاكتساب فهم أساسي لكل مجال من مجالات الفيزياء الحديثة بما في ذلك الرياضيات الأساسية، في كل مساق منها تجد من الدقة النظرية والرياضية ما يكفيك لفهم أساسيات الموضوع قيد الدراسة، وعلى الرغم من أن كلًّا من تلك المساقات قائم بذاته، فإنها تعتمد على بعضها بعضا، بحيث تعمل جميعا على تكوين أفضل فهم ممكن للنظريات الأكثر تقدُّما في الفيزياء الحديثة، لذلك يُفضَّل اتباع الترتيب.

 

تبدأ مجموعة ساسكيند بالصور الحديثة للميكانيكا الكلاسيكية، ثم تنتقل إلى النسبيتين العامة والخاصة، ثم إلى ميكانيكا الكم، ثم إلى علم الكونيات الحديث والميكانيكا الإحصائية، هذه هي مجموعة المساقات المركزية، يتبعها ساسكيند بمجموعة مُكمِّلة تشرح موضوعات متقدمة في فيزياء الكونيات والثقوب السوداء والكوانتم والبوزون هيجز (جسيمات هيجز)، مع ثلاثة مساقات في فيزياء الجسيمات، ومساق في نظرية الأوتار، وبذلك تكتمل مجموعة ساسكيند الرائعة. يحتوي كل مساق على نحو 10 محاضرات، كلٌّ منها يمتد ما بين ساعة وساعتين، وهي تُمثِّل هدية ذهبية لمحبي الكونيات، والفيزياء في العموم. طالع المجموعة كلها من هنا.

الثقب الأسود

الآن لنتقدم قليلا إلى واحد من أهم مساقات علم الكونيات وأشهرها، يسمى "The Evolving Universe" أو "الكون المتطور"، ويُقدِّمه الدكتور جورج دورجوفسكي من معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك)، وهو أحد المساقات التي يتلقاها طلبة السنوات الأولى في المعهد، لكنه يتطلب معرفة سابقة ببعض الأساسيات الفيزيائية والرياضية، لكنه لا يتبحَّر بعمق في هذه النطاقات، بالتالي فإن حصولك على مقدمة سابقة في الفيزياء وبعض الرياضيات (التفاضل والتكامل تحديدا) سيكونان خير عون لك في هذه الرحلة.

 

يبدأ المساق بمقدمة بسيطة عن الكونيات، ينتقل بعدها إلى بيان قوانين كبلر والإحداثيات السماوية ثم ينطلق إلى الأساسيات التي يتطلَّبها علم الفلك في العموم، مثل البصريات ونطاقات الرصد، ثم إشعاع الجسم الأسود، ونشأة النجوم وأنواعها والمجموعات الشمسية وتطورها، وبعد ذلك يشرع في حديث مُفصَّل عن مجرتنا وخصائصها، ويُعمِّم تلك النقاط بالبحث حول المجرات في العموم، نشأتها وتطورها، وينطلق منها إلى نشأة الكون نفسه وتطوره.

المساق مُنظَّم تنظيما جيدا، وهناك الكثير من الأسئلة في كل أسبوع عمل، وهو مُقسَّم إلى 10 أسابيع تتطلَّب منك 6 ساعات عمل في كلٍّ منها، إذا تمكَّنت من إجبار نفسك على الالتزام بفروض المساق وساعاته فسوف تُحقِّق إنجازا ممتازا بوصفك مبتدئا في علم الكونيات، ويمكنك بعد ذلك الخطو بثقة فيما هو أعمق من ذلك. تجد المساق هنا عبر منصة "كورسيرا"، وهنا عبر منصة "إيدكس".

 

أما جامعة أستراليا الوطنية فتُقدِّم ما هو أكثر من مجرد مساق في علم الكونيات، حيث يمكن لك أن تلج إلى المساقات الأربعة الرئيسية التي تُقدِّمها الجامعة إلى طلاب السنة الأولى في قسم الفيزياء الفلكية، وهي مساقان للكونيات، ومساق للكواكب التي تدور حول النجوم غير الشمس، ومساق عن أعنف الظواهر الكونية، وفي المجمل فإن هذه السلسلة، التي تتطلَّب استذكارا يصل إلى أكثر من 38 أسبوعا متتاليا (10 أشهر مع دراسة لمدة 2-4 ساعات أسبوعيا)، تعطيك مقدمة دسمة ومهمة في علم الفيزياء الفلكية عامة، والكونيات خاصة.

 

في مساقات الكونيات يمكن أن تتعلَّم عن النظريتيْن النسبيتيْن الصغرى والكبرى، نشأة الكون والانفجار العظيم والمادة والطاقة المظلمتيْن وفترة التضخم الكوني، تمدُّد الكون والزمكان (هندسة الفضاء والزمان)، وكذلك آليات القياس التي يستخدمها الباحثون في بناء أرصادهم على النطاقات الكونية الهائلة، وأخيرا مصير هذا الكون، هل سيستمر في التمدُّد، أم سيستقر، أم سينكمش على ذاته؟

المساق مُقدَّم بطريقة جيدة جدا، مُنظَّم ويستهدف هواة التعلُّم الذاتي ولا يحتاج إلى الكثير من المصادر الخارجية، ولكنه يتطلَّب مقدمة صلبة في الفيزياء والرياضيات الأولية، هو ليس مساقا مُتقدِّما بالطبع، ويمكن لأي أحد الخوض فيه، لكن هذه المقدمات ضرورية لتحقيق فهم كامل لمادة المساق والخروج منه بأفضل ناتج ممكن، ونحن ننصحك أن تستكمل هذه الدورات الأربعة الموجودة على منصة "إيدكس" مجانا، تجدها هنا.

 

وبالطبع لا يمكن أن نُنهي حديثا عن مساقات علم الكونيات من دون أن نعرج على ألان جوث، العالم الأميركي واسع الشهرة، الذي يُقدِّم مساقا طويلا لطلبة معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) يختص بدراسة البدايات الأولى لهذا الكون، الانفجار العظيم ثم التضخم الكوني وإشعاع الخلفية الميكروي، وسائر الموضوعات الأساسية لعلم الكونيات، يمكن أن تجد المساق مجانا في منصة المعهد للتعليم المفتوح، من هنا.

 

يأتي مساق جوث في 23 محاضرة، مدة الواحدة منها أكثر من ساعة، وهو مُتقدِّم بفارق كبير مقارنة بسابقيه، ويتطلَّب معرفة صلبة بأساسيات الفيزياء ومستوى مُتقدِّما في الرياضيات وصولا إلى المعادلات التفاضلية، ويتطلَّب استذكارا في مرجع مقدمة في علم الكونيات (Introduction to Cosmology) لباربرا ريدن بالدرجة الأولى، التي وضعت بدورها مقدمة لكتابها في أربع محاضرات ممتعة وثقيلة سيحبها كل الراغبين في التعلُّم عن علم الكونيات، ولذلك فضَّلنا أن نرفقها في هذا التقرير.

حسنا، كما يمكن أن تلاحظ، فإن التقدُّم خطوة للأمام في مجال ما، أيًّا كان، يتطلَّب قدرا أكبر من الجهد، يمكنك أن تقع في حب أحد الفروع العامة للعلوم الطبيعية والإنسانية، لكن ما إن تبدأ في الدخول إلى التفرعات الصغيرة الخارجة منه حتّى تشعر بثقل الأمر، لكن فقط لو قررت الصبر قليلا، فإن قدرا هائلا من المعرفة والمتعة قادم في الطريق.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أثارت حياة فارادي انتباه الكثير من الكُتّاب، حتّى إنك ستجد قصّته في كل كتاب فيزياء قُدِّم للعامة تقريبا، لكن الأكثر دعوة للتأمل هو أنه كان أحد العلماء الذين قرّروا خوض عالم الدين والعلم معا.

18/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة