"وهم التفوق".. هل تعتبر ثقتك الزائدة في عقلك دليلا على جهلك؟

"الخبير هو الشخص العارف بأسوأ الأخطاء التي يمكن أن تحدث في مجال اختصاصه، وبالكيفية التي يواجه بها تلك الأخطاء".

(فيرنر هايزنبرج)

في روايته "الرائد باربارا"، يقول جورج برنارد شو على لسان بطلته التي تصف أحدهم ساخرة: "إنه لا يعرف أي شيء، ومع ذلك يظن أنه يعرف كل شيء، هذا يُشير بوضوح إلى أنه يعمل في مجال السياسة!". هذا النوع من التوصيفات ينتشر بيننا، خاصة حينما نجد أن أحدهم يتحدث بثقة زائدة في نطاق لا يعرف إلا القليل جدا فيه، في التسعينيات من القرن الفائت ظهر اصطلاح علمي يُعبِّر عن هذه الحالة، إنه "تأثير دانينغ – كروجر"(1).

 

ولأننا نعشق الاصطلاحات العلمية، فإن استخدام "تأثير دانينغ – كروجر" تحديدا تصاعد بقوة خلال السنوات العشر الأخيرة في الإنترنت العربي، عشرات الحلقات في منصة يوتيوب ومئات التقارير والمقالات، هذا بالإضافة إلى محاضرات "تيد" وكتب التنمية البشرية، لكن الغريب حقا هو أن هذا بالضبط كان أحد أكبر الدلائل على صحة هذا التأثير، ادخل الآن وابحث في منصة غوغل عن "تأثير دانينغ – كروجر" في قسم الصور.

 

أولى ملاحظاتك ستكون أن كل نتائج البحث تقريبا تتشارك شكلا بيانيا واحدا، تجده أيضا في ويكيبيديا العربية، يصف قدر ثقة الإنسان فيما يعرف. في البداية، تتصاعد ثقة الإنسان فيما يعرف تصاعدا كبيرا، بينما هو جاهل بأمر ما (يسمون ذلك "قمة الغباء")، ثم بعد ذلك تنخفض مع الوقت كلما عرف أكثر عن هذا الأمر (يسمون ذلك "قاع الشك أو اليأس")، ثم تتصاعد -بصدق هذه المرة- لتصف قدر معرفته الحقيقية في هذا الأمر، في هذه الحالة فإن "تأثير دانينغ – كروجر" هو علاقة بين الخبرة والثقة، كلما ارتفعت الأولى انخفضت الأخيرة بالتدريج لحين تحقق الخبرة الحقيقية.

من تلك النقطة ينتقل الأمر إلى حديث عن "قدر سذاجة بعض البشر"، ويتطور إلى صورة بها شخصان أحدهما "بدماغ صغير" والآخر "بدماغ كبير"، وأن الحوار مع الجهلاء لن ينفع، إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الادعاءات، لكن المشكلة الكبرى هنا هي أن أيًّا من الأوراق البحثية التي أصدرها عالِمَا النفس الاجتماعي ديفيد دانينغ وجاستن كروجر لم تحتوِ على هذا الشكل، وفي الواقع فإن تأثير دانينغ – كروجر لا يهدف أصلا للحديث عن الثقة الزائدة!

 

اهتم ديفيد دانينغ في عام 2015 بفحص تلك النقطة الخاصة بالفهم الخاطئ لهذا التأثير(2)، حيث قرَّر إجراء اختبار يفحص العلاقة بين قدر ثقة الناس في ذواتهم وتطور خبراتهم، وجرت التجربة كالتالي: سيحاول الخاضعون للتجارب تشخيص مرض افتراضي ما، بمساعدة أحد المرشدين الذي سيعمل على تعليمهم خلال 60 عملية تشخيص متتالية، فيُعرِّفهم على أخطائهم بعد التشخيص الثالث مثلا، ثم السادس، ثم التاسع، إلخ، شيئا فشيئا تتطور خبراتهم في تشخيص هذا المرض الافتراضي البسيط، بعد ذلك يقوم الفريق البحثي باختبار تطور ثقة الشخص الزائدة في نفسه مقارنة بالحقيقة.

هنا جاءت النتائج لتقول إن معيار الثقة لم يبدأ بقدر شاهق من الغباء كما يُروَّج في الأوساط الشعبية التي تتحدث عن التأثير، بل يبدأ الشخص بثقة ضعيفة جدا في نفسه، ثم مع الوقت (خلال 10-20 محاولة) يتصاعد قدر الثقة الزائدة شيئا يسيرا، ثم ينخفض مرة أخرى للسبب نفسه الذي يقترحه الناس، وهو درجة من اليأس التي تدب في نفس المشارك في التجارب، لكنه يرتفع مرة أخرى بوصولنا إلى المحاولة رقم 60.

 

تتكرر هذه النتائج في أكثر من دراسة، والأمر -كما تلاحظ- يختلف تماما عما يتصوره الناس، فلا يوجد ما نسميه "قمة الغباء" أو السذاجة، ولكن الأمر على النقيض تماما، حيث يبدأ الإنسان مُتشكِّكا في نفسه. والواقع أن الثقة الزائدة يمكن أن تساهم بالفعل في تسريع الوقوع في أسر تأثير دانينغ – كروجر، في مرحلة ما ولكن بطريقة مختلفة تماما، ويمكن هنا أن نترجم هذه الثقة الزائدة إلى مفهوم آخر هو "وهم التفوُّق".

 

يُشير وهم التفوُّق إلى اعتقاد الناس "في المتوسط" أنهم "أعلى من المتوسط"، وهو أمر منتشر إلى درجة أن 90% من طلبة جامعة لنكولن نبراسكا، و90% من سائقي سيارات الأجرة الأميركيين، و87% من دارسي ماجستير إدارة الأعمال في ستانفورد، يظنون أن مستواهم أعلى من المتوسط في اختصاصاتهم، لكن الثقة الزائدة ليست بالضبط جوهر هذا التأثير كما يظن البعض ويُروِّجون له.

 

التجارب الأولى(3) لكلٍّ من دانينغ وكروجر كانت ذات علاقة بطلبة الجامعات، حيث يُسأل الطالب عن قدر إجادته في امتحان ما، مقبل عليه أو أنهاه للتو، فيضع نسبة مئوية، لتكن مثلا 70%، ثم بعد ظهور الدرجات يقارن الفريق البحثي بين توقُّعه والدرجات الحقيقية التي حصل عليها، ويظهر هنا أن توقعات جميع الطلاب عن درجاتهم قريبة من بعضها بعضا، بينما الدرجات الحقيقية بعيدة عن بعضها بعضا، فإذا قسَّمنا طلاب فصل ما إلى أربع مجموعات، فإن المجموعة الأقل حصولا على الدرجات تعاني فجوة أكبر بين المُتوقَّع والحقيقي.

في تجارب تالية تأكَّد أن ذلك لا يرتبط بمدى خجل الطالب من الإعلان عن المتوقع، حيث كانت هناك مكافأة قدرها 100 دولار لكل طالب يتوقع درجته بدقة (زائد أو ناقص 2%)، لكن النتيجة كانت واحدة، كذلك فحص الفريق البحثي الطلاب نفسيا، هل يرى الطالب ذاته بسلبية أم إيجابية؟ هل يمتلك -بطبعه- ثقة زائدة في نفسه؟ هل له ذات متضخمة عن المتوسط الطبيعي؟ إجابات كل تلك الأسئلة أشارت إلى أن هذا التأثير لا يتعلق بمشكلة إدراكية، إنه ببساطة يتعلق بالخبرة، نحن لا نمتلك الخبرة الكافية لتقييم ضعف خبراتنا في نطاق ما.

 

الأغرب من ذلك هو حالنا حينما نحاول الحكم على خبرات شخص آخر، على سبيل المثال(4)، وُضِع الخاضعون للتجارب أمام شاشة تحوي أحجية شطرنجية، ثم طُلِب منهم أن يتوقعوا النقلة المقبلة، بعدما عُرِضت عليهم مجموعة من النقلات الأخرى المحتملة للأحجية نفسها، بعضها احترافي بالفعل ومأخوذ من أساتذة دوليين في اللعبة، وبعضها أقل من مستوى الخاضعين للتجارب، وهنا ظهر بوضوح أننا نُقيِّم مَن هم أدنى منّا بدرجة من الصواب، لكننا لا نتمكَّن من تقييم الخبراء حقا بقدر يوفيهم حقهم، حيث يقوم الخاضع للتجربة بالجدل حول قوة نقلة الأستاذ الدولي، ظانًّا أن بإمكانه بسهولة أن يتخطاه.

 

أخذ ليونايد روزنبليت وفرانك كيل، من جامعة ييل الأميركية، تأثير دانينغ – كروجر إلى منطقة مختلفة(5)، في تلك النقطة يمكن أن نتأمل تجربة أُجريت بجامعة ليفربول، فكرتها البسيطة هي أن يُسأل المشارك بها: هل تعرف كيف تعمل الدراجة؟ هل يمكنك أن ترسم لنا درّاجة الآن؟ والنتيجة: قيّم 40% من الأفراد العاديين الخاضعين للتجربة أنفسهم بدرجة أعلى مما يُفترض أنهم يعرفونه بالفعل، رغم أن التجربة تعمَّدت إقصاء احتمال أن تكون قدرات الخاضعين مرتبطة بمهاراتهم في الرسم، فحدّدت لهم الهيكل العام وطلبت إليهم وضع قطع مثل "الجادون" و"البدّال".

في عام 2002، أطلق كلٌّ من روزنبليت وكيل على ذلك التأثير اسم "وهم عمق القدرة على الشرح"، وهو يختلف قليلا عن تأثير دانينغ – كروجر الذي يتحدث بالدرجة الأولى عن الخبرة، أما وهم عمق القدرة على الشرح فيقول إن الناس في العادة يظنون أنهم يفهمون الظواهر المعقدة سببيا (كيف تعمل الأشياء) فهما أعمق مما يفهمونها بالفعل. في تجاربهما، سُئل المشاركون عن قدر معرفتهم بتركيب آلات مثل الطائرة أو الثلاجة، وكانت النتائج دائما أقل مما يتصورون حول قدراتهم في فهم آلية عمل هذه الآلات.

 

لكن جوهر تأثير دانينغ – كروجر يتعلق بما هو أعمق من ذلك. في تلك النقطة دعنا ننتقل إلى الفصام، وهو اضطراب نفسي يتسم بالفشل في تمييز الواقع إلى جانب سلوك اجتماعي غير طبيعي، أحد أعراض الفصام هي الأوهام، وهي حالة يضطرب فيها تفكير الشخص فيظن مثلا، دون دلائل، أن هناك مَن يود قتله أو أن أحد نجوم السينما واقع في حبه، أو أنه يتلقى إشارات من كائنات فضائية، بعض مرضى الفصام يُصدِّق هذه الأوهام والبعض الآخر يشعر بوجودها لكنه لا يُصدِّقها.

 

للفصل بين المجموعتيْن(6) دعنا نُجرِ اختبارا بسيطا، هناك علبتان مغلقتان كلٌّ منهما تحتوي على كرات بيضاء وسوداء، نِسَب الكرات البيضاء في العلبة الأولى هي 70%، وفي الثانية هي 30%، والعكس صحيح بالنسبة للكرات السوداء، الآن سأقوم بسحب كرة من كل علبة أمامك، وعليك أن توقفني في اللحظة التي تستنتج فيها أي العلبتين تحتوي على عدد أكبر من الكرات السوداء وأيها يحتوي على عدد أكبر من الكرات البيضاء، في تلك الحالة فإن الفريق المُعرَّض لتصديق الأوهام عادة ما يقفز للنتائج سريعا ويوقفك بعد كرة أو اثنتين، أما الفريق الآخر فينتظر فترة أطول لتكوين استنتاج معقول.

هناك اختبار آخر أكثر إثارة في تلك النقطة، وفيه نعرض عليك معلومة واحدة وأربعة اختيارات، لنقل مثلا إن "مروة لا تتمكن من النوم"، والاختيارات هي: "لأنها تحب السرير جدا"، و"لأن لديها امتحانا في الغد"، و"لأنها تتحرّق شوقا لركوب الأفعوانية والألعاب الأخرى"، و"لأن والدتها مريضة"، في تلك الحالة عادة ما نميل عشوائيا لأيٍّ من الاختيارات، ليكن مثلا خيار "الامتحان"، لكن بعد ذلك نعرض عليك بالترتيب معلومتين إضافيتين، الأولى هي "مروة تتحرق شوقا لقدوم الصباح"، ثم "مروة تتساءل متى بالضبط ستصل إلى مدينة الملاهي".

 

في تلك الحالة فإنك غالبا ستميل فورا لتعديل اختيارك الأوّلي ليكون "لأنها تتحرق شوقا لركوب الأفعوانية والألعاب الأخرى"، لأنك الآن تعرف أنها ذاهبة في رحلة إلى مدينة الملاهي، لكن هؤلاء الأكثر ميلا لتصديق أوهامهم يكونون عادة أقل ميلا لتخطئة أنفسهم حينما تظهر الدلائل على ذلك، بالتالي سيمكثون مع إجابتهم الأولى، بل وسيُبرِّرونها بأية طريقة.

 

حينما نحاول أن ننقل(7) هذا النوع من الاختبارات للجمهور العام، وليس مرضى الفصام، فإن درجة من الارتباط، ليست مَرَضية بالطبع، تظهر بين تأثير دانينغ – كروجر وهذه المعايير، ويعني ذلك أن تأثير دانينغ – كروجر يُشير في جوهره إلى علاقتنا بالأخطاء التي نقع بها. بمعنى أوضح، يُشير تأثير دانينغ – كروجر إلى أن أفضل اللاعبين ليس الأكثر إحرازا للأهداف، بل الأكثر تجنُّبا للوقوع في الأخطاء، أو كما قال السياسي الألماني لودفيج بورنه ذات مرة: "مقارنة بالتمسُّك بالحقائق، فإن التخلُّص من الأوهام هو ما يجعلنا أكثر حكمة".

 

في كل الأحوال، فإنه من المُثير حقا للانتباه أن يكون انتشار فهم خاطئ عن "تأثير دانينغ – كروجر" نفسه على الإنترنت، من قِبَل الجميع تقريبا، دليلا على صحة تأثير "دانينغ – كروجر". عادة ما يستخدم الناس هذا التأثير لوصم آخرين بالغباء والسذاجة، لكنهم يظنون أنهم غير واقعين في أسره، بينما هم كذلك إلى أخمص القدمين!

—————————————————————————

المصادر

  1.  Unskilled and unaware of it: How difficulties in recognizing one’s own incompetence lead to inflated self-assessments.
  2. Overconfidence among beginners: Is a little learning a dangerous thing?
  3. Unskilled and unaware of it: How difficulties in recognizing one’s own incompetence lead to inflated self-assessments.
  4. David Dunning – We Are All Flawed Intellects: How Can We Judge the Expertise of Self and Others?
  5. The misunderstood limits of folk science: an illusion of explanatory depth
  6. David Dunning – Cognitive Habits of Intellectual Arrogance and Humility
  7. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة