الشيربا ملوك الهيمالايا.. هل ما زال بنو البشر يتطورون بيولوجيا؟

قبل عدة عقود، كانت "تهاميه" بلدة غاية في الهدوء، تقع شرق نيبال قريبا من أعلى قمة في العالم (إيفرست)، سكانها القليلون يعملون بالزراعة، خاصة البطاطس، وتربية الياك، وهو حيوان يشبه البقر لكنه أضخم قليلا، يحترمونه جدا هناك، فعلى الرغم من أن طقوسهم الدينية لا تُحرِّم ذبح الحيوانات لغرض الطعام، فإنهم لا يفعلون ذلك على أية حال، لكنهم يشترون لحومهم من مكان خارج البلدة.

 

إذا مررت على أيٍّ من بيوت القرية، بالمصادفة البحتة، فسيُلحّون عليك أن تبقى قليلا، وإذا قررت أن تدخل المنزل فيمكن لك أن تأكل أفضل وجبة بطاطس ممكنة، من يدَيْ السيدة "نيما شيربا" ربما، أضف إلى ذلك أنك ستحتسي كوبا من الشاي ربما لن تنساه أبدا، خاصة في هذا الطقس البارد.

"نيما" تعني يوم الإثنين، وفي هذه القرية، التي تضم بعضا من أفراد مجموعة عِرقية تعيش في نيبال ويبلغ عدد أفرادها في المجمل نحو 150 ألف شخص، فإن الكثير من الناس يُسمون باليوم الذي وُلِدوا فيه، فالسيد "داوا" وُلِد يوم الثلاثاء، و"بيمبا" ولد يوم السبت. أما الجزء الثاني من الاسم، فهو لقب تلك المجموعة العِرقية "شيربا"، وربما يُفضِّل البعض أن يُضيف صفة لابنه أو ابنته، لغرض التنويع، فيصبح "أنج نيما شيربا" أي "نيما المحبوبة".

 

منذ اللحظة الأولى التي قرّر فيها البشر صعود قمة إيفرست، ظهر اسم الشيربا(1) وانتشر حول العالم. لو رغبت يوما ما أن تصعد إلى هناك، فإنك لا شك ستتعامل مع مجموعة منهم، فهم يفعلون كل شيء تقريبا في هذه الرحلة، يُعِدُّون الطعام، ويحملون العتاد، ويُوفِّرون أماكن الإقامة، ويُوجِّهون فِرَق المغامرين على الجبال وصولا إلى القمة.

 

بالنسبة لك، ستكون مغامرة العمر، لكن بالنسبة لهم فإن كل بيت تقريبا من هذه البلدة، والبلدان الأخرى المجاورة، به شخص صعد إلى إيفرست، أو على الأقل عمل في أحد فِرَق الدعم، في الواقع فإن حياة الشيربا الحالية قد تغيرت تماما بظهور هوس الصعود إلى إيفرست، فبدلا من الزراعة وتربية الياك اتجهت معظم العائلات للعمل في السياحة، خاصة حينما تعرف أنه لكي تصعد إلى هناك فإنك ستدفع رقما يبلغ في المتوسط 30-45 ألف دولار وقد يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم إذا رغبت في خدمات فندقية محددة.

 

لكن لفهم مدى خصوصية شعب الشيربا، وكل شعوب التبت المجاورة، دعنا نبدأ من هذه التكلفة المرتفعة للرحلة، لأنه ببساطة الثمن الذي ستدفعه مقابل تأقلم فسيولوجيا جسمك مع الوقت! كلما ارتفعت للأعلى، فإن نسبة الأكسجين مقارنة بالجزيئات الأخرى تظل ثابتة في الغلاف الجوي وهي 21% تقريبا، لكن كثافة الغلاف الجوي نفسها تنخفض، بمعنى أن النَّفَس الواحد الذي تسحبه لرئتيك سيحوي قدرا من كل الغازات أقل من المعتاد، يسمى ذلك بـ "نقص التأكسج"(2) (Hypoxia)، إنه اصطلاح أنيق لتعريف الاختناق.

 

عند ارتفاع نحو 1500 متر عن سطح البحر (ضعف طول برج خليفة)، فإن أجسادنا تبدأ في الشعور بنقص الأكسجين، في تلك النقطة فإن رئتيك ستعملان على سحب الهواء بمعدل أعلى من المعتاد لتعويض فارق الأكسجين، كذلك ستشعر بثقل في الحركة والأرق، مع وصولك لارتفاع نحو 3000 متر ستكون نسبة الأكسجين المتاحة لرئتيك أقل بفارق 30%، هنا ستصاب بالإرهاق والضعف العام والدوار والغثيان والصداع.

بالصعود أعلى من هذا الحد، فإن جسدك مُعرَّض في أية لحظة للإصابة بالاستسقاء الدماغي أو الرئوي، حيث تتراكم السوائل حول الرئتين والدماغ، وبوصولك إلى حافة الـ 5000 متر فإن هناك فرصة كبيرة جدا لفقدان الوعي، ثم الوفاة.

 

لكن كل ما سبق سيحدث فقط إذا نُقل أحدهم فجأة من منزله في مدينة القاهرة إلى قمة إيفرست، على ارتفاع قرابة الـ 9000 متر، هنا سيكون هذا الشخص مُعرَّضا للوفاة في خلال دقيقتين فقط، لكن مَن يصعدون إلى قمة إيفرست يأخذون فترة شهرين في التنقل من ارتفاع لآخر، بجانب التدرب الجسدي على مخاطر التسلق. في تلك الحالة فإن أجسادهم تُحقِّق تأقلما حيويا(3) (acclimatization) مع الارتفاع، حيث ترتفع معدلات التنفس وتزداد نِسَب الهيموجلوبين -البروتين الذي يحمل الأكسجين- في الدم، ما يمكنهم من التعامل بصورة أفضل مع نقص الأكسجين، حينما تعود إلى بلدك فإن نِسَب الهيموجلوبين تعود مرة أخرى إلى الطبيعي.

 

لكن على الرغم من ذلك، فإنه فوق 7000 متر، ستكون في الغالب بحاجة إلى أنبوبة أكسجين خارجي للتنفس لأن نسبة الأكسجين في محيطك ستصبح 50% أقل من المعتاد، وستنخفض إلى 30% تقريبا بوصولك إلى إيفرست، وفي تلك الحالة فإنه حتى التأقلم لن يساعدك كثيرا، وهناك دائما فرصة لحدوث أسوأ الاحتمالات الطبية.

 

هنا تظهر سينثيا بيل، عالمة الأنثروبولوجيا في جامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية، تخصّصت بيل في نطاق دراسة تكيُّف البشر في المناطق المرتفعة من العالم، وبالطبع ليس هناك ما هو أعلى من "سقف العالم"، هضبة التبت التي نشأت قبل 55 مليون سنة أثناء التحام ما نعرفه الآن باسم "الهند" مع منطقة التبت، أدّى ذلك إلى ظهور مساحة تساوي تقريبا مساحة المملكة العربية السعودية، لكن بارتفاع يصل إلى 3500-4500 متر.

يعيش في هذه المنطقة ما يقارب نصف التبتين الذين يُقدَّر عددهم بستة ملايين ونصف من البشر، وفي تجارب بيل الأولى ظهرت أولى العجائب، حيث كانت نِسَب الهيموجلوبين لديهم أكبر من الطبيعي، يُشير ذلك إلى أنهم امتلكوا طريقة أخرى(4) للتكيُّف، والواقع أن ارتفاع نسب الهيموجلوبين في الدم، وإن كانت آلية تكيفية جيدة، فإنها قد تكون ضارة، لأنه كلما ازداد الهيموجلوبين أصبح الدم لزجا أكثر، وبالتالي يحتاج القلب إلى جهد أكبر لكي يضخه لكل الجسم، ما قد يتسبب في مشكلات قلبية وخيمة.

 

بالنسبة للشيربا في الهيمالايا، وسكان التبت المجاورين، فإنهم يستنشقون المزيد من الهواء مع كل نفس، كذلك يتنفسون بسرعة أكبر، ويحتفظون بهذا النمط من التنفس غير المعتاد وقدرة الرئة المرتفعة طوال حياتهم، حتى إذا نزلوا إلى أماكن بمستوى سطح البحر، أضف إلى ذلك أن أجسادهم تنتج كمية أكبر(5) من أكسيد النيتريك (الضعف تقريبا) مقارنة ببقية البشر، الأمر الذي يعمل على توسيع أوعيتهم الدموية بصورة أكبر، فيجري الدم فيها أسرع.

 

إنها آلية مذهلة للتكيُّف مع نقص الأكسجين إلى مستويات تصل إلى نصف الوضع بالنسبة لنا على سطح الأرض، لفت ذلك انتباه باحثين عدة في هذا النطاق، ومعهم بيل، للبحث عن أي اختلافات في الجينات قد تكون السبب في هذا الاختلاف، ذلك لأنك لو صعدت إلى قمة إيفرست مرة أو مرتين أو عشر مرات، حتى لو قررت أن تعيش في هضبة التبت لسنوات، ثم تزوجت هناك، فإنك ستُنجب أطفالا تعمل أجسامهم بطريقة متكيفة مع مستوى سطح البحر، لكن أبناء التبت فقط يُولَدون بهذه القدرات، الأمر إذن يبدو وكأنه وراثي.

في عام 2010، وجد فريق دولي من الباحثين أن التبتيين لديهم طفرات(6) في عدة جينات، تساعدهم في التعامل الأكثر فاعلية مع المستويات المنخفضة من الأكسجين، عُثِر على هذه الطفرات في 87% من التبتيين و9% فقط من شعب الهان، وهي إحدى القوميات التي يتكوّن منها الشعب الصيني، على الرغم من أن المجموعتين انفصلتا عن بعضهما بعضا فقط خلال أقل من 5 آلاف عام.

 

تخيّل الحمض النووي الخاص بنا نحن البشر على أنه أسطوانة مدمجة تحمل بيانات مشفّرة لفيلم سيُعرض على شاشة حاسوبك، ومثلما تحدد تلك البيانات ترتيب المشاهد وطبيعة الألوان بها لكل "بيكسل" صغير مع الزمن، فإن الحمض النووي يحمل أيضا حزما من البيانات التي تحدد صفاتنا، لون العينين، والشعر، وشكل الأنف، وطول الذراعين، ولون البشرة، إلخ، وصولا إلى أدق التشكلات الجزيئية داخل أجهزة أجسامنا، هذه الحزم هي ما نسميه -بتبسيط شديد قد يخل بالدقة- الجينات.

 

هذه التغيرات الجينية كانت لافتة لدرجة دفعت العلماء لعمل فحص أكثر تعمقا، تحديدا لجين سُمِّي "EPAS1″، كانت الاختلافات فيه بين التبتيين والهان كبيرة. ظهرت النتائج في 2014 بدورية نيتشر(7) لتقول إن التبتيين كما يبدو قد استفادوا من هدية وراثية جاءت إليهم قبل عشرات الآلاف من السنين حينما تزاوج الإنسان العاقل مع جنس آخر من بني الإنسان، وهو الدينيسوفان. مثل الإنسان العاقل (المعاصر)، كان الدينوسوفان أحد أفراد جنس الهومو، لا نعرف عنه الكثير بعد، فكل ما حصل العلماء عليه من بقاياه هو أسنان فتاة صغيرة عاشت قبل أكثر من أربعين ألف سنة، وعظم خنصر، وجدت في كهف دينيسوفا بالقرب من جبال ألتاي بسيبيريا.

 

يُعرف عن هذا الجين تحديدا أنه يساعد في تنظيم كيفية استجابة الجسم لمستويات الأكسجين المنخفضة، يسمى كذلك(8) "الجين الرياضي الخارق" (super athlete gene)، لأننا نعلم أن بعض البشر الذين لديهم بعض النسخ الخاصة من هذا الجين لديهم أداء أفضل في ألعاب القوى.

 

ولا يتوقف الأمر على هذا الجين فقط، بل وجدت دراسات تالية(9) مجموعة أكبر من الجينات التي تحتوي على تغيرات تساعد التبتيين على التأقلم الطبيعي مع بيئات قاسية جدا بالنسبة لنا في الأسفل، على سبيل المثال اكتشف فريق دولي آخر وجود تغيرات في مجموعة من الجينات مثل "ADH7" ويرتبط بارتفاع الوزن ودرجات مؤشر كتلة الجسم، بحيث يساعد أجسام التبتيين على تخزين الطاقة خلال أوقات الشح.

 

من جانب آخر ظهر تغيُّر(10) في جين "MTHFR"، الذي يُعزِّز إنتاج فيتامين الفولات الضروري للحمل والخصوبة، خاصة أن حمض الفوليك يتحلل عند تعرُّضه لمستويات عالية من الأشعة فوق البنفسجية (التي تكون أعلى كلما ارتفعنا عن سطح الأرض)، أما الجين "HLA-DQB1" فيساهم في تنظيم البروتينات الضرورية لجهاز المناعة، والتغيرات فيه كانت مهمة بشكل خاص للتبتيين في ظروفهم المعيشية القاسية التي تجعلهم أكثر عُرضة للإصابة بالأمراض من غيرهم.

حتى الآن، يظل هذا أحد أقوى الأمثلة على الانتقاء الطبيعي الذي وُثِّقَ في البشر(11)، لنأخذ مثلا التغير في جين "EPAS1″، الذي ورثه البشر عن أجدادهم الذين تزاوجوا مع إنسان دينيسوفان، انتشر هذا الجين بترددات ضعيفة في مناطق متعددة متنوعة الارتفاع من قارة آسيا، لكنه كان فعالا فقط في زيادة فرص البقاء لدى هؤلاء الذين عاشوا في ارتفاعات كبيرة، بالتالي ساعدهم ليُمرِّروا جيناتهم بصورة أفضل من رفاقهم، وفي النهاية نصل إلى مرحلة يكون فيها هذا التغير الخاص في هذا الجين سائدا في معظم سكان هذه المنطقة.

 

بالطبع ما زالت هناك الكثير من الأسئلة بحاجة إلى إجابة، لكن من اللافت للنظر حقا أن تتأمل مجموعات البشر الأخرى التي تعيش على ارتفاعات شاهقة في مناطق متفرقة في العالم، وجدت بيل(12) مثلا أن سكان مرتفعات الإنديز يتكيّفون بشكل مختلف تماما عن رفاقهم في التبت، الذين بدورهم يختلفون عن رفاقهم في المرتفعات الإثيوبية، ثلاثتهم يتمكّنون من العيش على ارتفاعات أكثر من 3000 متر، في ظروف قد تكون قاتلة للإنسان العادي في مصر أو المغرب أو قطر مثلا، إلا أنها بالنسبة لهم تُعَدُّ "الشيء الطبيعي"، لكن ذلك يدفعنا إلى تساؤل أكثر إلحاحا بدوره: ما الطبيعي؟!

——————————————————————-

المصادر

  1. The Sherpa cheat sheet: 9 things you were embarrassed to ask
  2. What is hypoxia and hypoxemia (low blood oxygen)?
  3. Acclimatization: how the body prepares for an eight-thousander
  4. Two routes to functional adaptation: Tibetan and Andean high-altitude natives
  5. Nitric oxide in adaptation to altitude 
  6. Genetic Evidence for High-Altitude Adaptation in Tibet
  7. Altitude adaptation in Tibetans caused by introgression of Denisovan-like DNA
  8. With Help From Extinct Humans, Tibetans Adapted To High Altitude
  9. Genetic signatures of high-altitude adaptation in Tibetans
  10. Mutations may reveal how Tibetans can live on world’s highest plateau
  11. strongest instance of natural selection documented in a human population
  12. Scientists Discover New Adaptation to Oxygen-Poor Air at High Altitudes
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة