"القرود التي أعلنت الحرب على الكلاب".. هل تنتقم الحيوانات مثل البشر؟!

لا شك أن أحد أكثر الأخبار انتشارا على مستوى العالم خلال الأسبوع الثالث من شهر (ديسمبر/كانون الأول) الحالي كان قادما من مدينة ماجالجون الواقعة في وسط الهند، حيث أقدمت القرود في قريتين قرب المدينة على قتل أكثر من 250 جروا من أبناء الكلاب، وفي حين أن هذا النوع من العنف مرصود بالفعل في عالم الحيوان، فإن ما أثار الانتباه هو السبب في إقدام القرود على هذا السلوك.

أفادت تقارير(1) الأهالي في القريتين بأن ما حدث كان رد فعل على حادث آخر وقع في وقت سابق، حيث أقدمت مجموعة من الكلاب على قتل أحد أطفال القرود، بعد هذه الحادثة قامت القرود ولمدة أكثر من شهر باختطاف الجراء الصغيرة من مجتمع الكلاب في القريتين وإلقائها من أعلى البيوت أو الأشجار (بحسب تصريحات السكان)، وفي أحد المناطق قضت القرود على كل الكلاب، ويُعتقد أنها بدأت في مهاجمة أطفال البشر؛ ما أثار الذعر بين السكان.

سفاحو جومبي

قد يظن البعض أن هذا حادث غاية في الغرابة ولا تفسير له، لكن الانتقام هو سلوك مرصود في عالم الحيوان(2)، لكنه أكثر وضوحا في عوالم الرئيسيات. مثلا، إذا قام أحد القرود في مجموعةٍ ما (قبيلة بالتعبير البشري) بقتل قرد آخر، فإن الرد لا يكون دوما بقتل القرد القاتل فقط، والذي قد يكون قويا أو قادرا على الهرب، وساعتها يلجأ أقارب المقتول من القرود إلى الانتقام من أقارب القاتل، مثل زوجاته أو أطفاله أو أي من معارفه (يُذكّرنا هذا بقضايا الثأر المنتشرة في صعيد مصر على سبيل المثال).

الأعجب أن هذا السلوك الانتقامي ربما يطول البشر في بعض الأحيان، حيث أشارت إحدى الدراسات(3) التي أجراها علماء من مشروع "أمبوسيلي" لأبحاث الفيلة قبل نحو عقد ونصف إلى أن العدد المتزايد لحوادث مهاجمة الفيلة الأفريقية لقرى أو مجتمعات البشر، تتعلق بمساعيها للانتقام من البشر بسبب قتلهم الفيلة، وبخاصة صغيرة السن.

على مدى آلاف السنين، شن البشر الحروب ضد بعضهم بعضا، وأبادوا الأعراق والجماعات الدينية والسياسية المخالفة، ورغم ذلك كان هناك اعتقاد في الأوساط العلمية أن هذا السلوك الانتقامي من الخصائص الفريدة للبشر، لكن القردة العليا أكدت خطأ تلك الفكرة، حيث يمكن لمجموعة من القرود(4) أن تنظم عملية قتل جماعي كامل ضد مجموعة أخرى بغرض حماية المنطقة الخاصة بها.

في هذه الحالة لا يهم عدد الأطفال والإناث بالقطيع الآخر، الجميع سوف يموت. القردة كائنات اجتماعية، ترتبط ببعضها بعضا ضمن المجموعة نفسها، وتقوم بحماية حدود منطقة نفوذها عبر دوريات مراقبة منتظمة لديها تصريح فوري بقتل كل متعدٍ دون الحاجة لمساءلته عن أسباب الزيارة السعيدة، بل إن بعض الأنواع الأخرى -مثل الذئاب والضباع والنمل- تطور تحالفات تمارس العنف داخل القطيع نفسه، بما يشبه حالة من الحرب الأهلية.

في الواقع، تمتلك مثل هذه الحروب أسماء في بعض الأحيان، بالضبط مثل حروبنا، نتحدث هنا تحديدا عن حرب جومبي(5) (أو حرب السنوات الأربع) التي استمرت من عام 1974 إلى عام 1978. نشبت الحرب بين مجتمعين من الشمبانزي في منتزه جومبي ستريم الوطني في دولة تنزانيا، عُرفت المجموعة الأولى باسم "كاساكيلا"، واحتلت الأراضي في المناطق الشمالية من المنتزه، أما المجموعة الثانية، "كاهاما"، فشغلت المناطق الجنوبية.

كانت المجموعتان في وقت سابق قبيلة واحدة، لكنْ حدث شيء ما في عام 1971 وتسبب في انقسامهما، ويبدو أن هذا الصدع الاجتماعي تطور مع الزمن (وربما بسبب ندرة الإناث بحسب دراسة نشرت في عام 2018)، ليتطور الأمر ونصل إلى أربع سنوات من العنف المتبادل، ما حدث في جومبي هو ببساطة ما يمكن أن نسميه "مجزرة" لم تشتمل فقط على قتل أطفال، بل حدث خلالها عمليات تمثيل بالجثث.

"جين جودال"، متخصصة الرئيسيات وعلم السلوك والأنثروبولوجيا، والتي اكتشفت هذه الحادثة أثناء دراستها لمجتمعات الشمبانزي في جومبي، تقول: "لقد عانيت لعدة سنوات من أجل التصالح مع هذه الحقيقة الجديدة. في كثير من الأحيان عندما أستيقظ في الليل، تظهر في ذهني صور مروعة للشيطان (أحد القرود) يضع يده تحت ذقن سنيف (قرد آخر، وكل الأسماء في هذا الاقتباس لقرود) ليشرب الدم الذي نضح من جرح كبير على وجهه"، وتستكمل قائلة: "رودولف العجوز الذي عادة ما يكون طيّبا جدا، يقف منتصبا ليقذف صخرة تزن أربعة أرطال على جسد جودي الراكد، أما جوميو فيقطع قطعة من الجلد من فخذ دي، وفيجان يضرب مرارا وتكرارا جسد جالوت المرتعش، أحد أبطال طفولته".

العين بالعين

المكافأة بالمكافأة، تلك ربما هي واحدة من أشهر قواعدنا نحن البشر، سوف أقدم لك خدمة وتقدم لي خدمة في المقابل، سوف أعتني بطفلك حينما تكون في العمل وتعتني بطفلي في المقابل، يمكن القول إن عملية الإيثار المتبادل(6) (Reciprocal altruism) هي شكل معقد من العمليات الاجتماعية، ويبدو أن عكسها، الانتقام المتبادل، هو أيضا شكل من أشكال العمليات الاجتماعية.

لنأخذ الخفافيش على سبيل المثال(7)، يمكن لأطفالها أن تموت إذا مُنع عنها الغذاء لمدة 70 ساعة، وغذاؤها الوحيد هو الدم، تقوم الأمهات بجمع الدم في حوصلة بالحلق ثم تذهب إلى العش لإطعام الأطفال، هنا لا تطعم الأم أطفالها فقط، ولكن أيضا أطفال الأمهات الأخرى، الكل يطعم الكل. دعنا الآن نقوم بتجربة بسيطة، سوف نحضر إحدى الأمهات ونحقن حوصلتها بالهواء بدلا من الدم ثم نعيدها للمجموعة، هنا سوف تلاحظ الأمهات الأخريات أن حوصلة تلك الأم منتفخة، أي أن بها دماء، ولكنها "لا تطعم أطفالنا، الخائنة"، تكون النتيجة هي امتناع باقي أمهات المجموعة عن إطعام أطفال تلك الأم تحديدا.

هذا يعني أن سلوكا عدوانيا تجاه شخص ما يمكن أن يمتلك جذورا في قواعد الإيثار المتبادل، وبحسب علم النفس التطوري فإن الأمر ينطبق على البشر كما ينطبق على غيرهم، يعيدنا ذلك لا شك إلى التساؤل عن حقيقة ذواتنا نحن البشر.

صراصير التوتسي

تُعد حالات الاستقطاب السياسي هي أحد أهم الجوانب التي تظهر فيها تحيزاتنا الإدراكية، وتؤثر علينا، بل وربما تدفعنا للتعامل مع المخالفين لنا سياسيا أو عقائديا على أنهم أقرب ما يكونون إلى الحيوانات، خاصة في أجواء التوتر داخل دولة ما أو بين الدول، يتضح ذلك مثلا في حالات القتل الجماعي التي نسمع عنها هنا أو هناك.

في (مارس/آذار) 2019، قُتل حوالي 50 مواطنا نيوزيلانديا مسلما في مسجد النور بمنطقة كرايست تشيرش، في حادث نفذه الإرهابي اليميني المتطرف "برينتون تارانت"، عملت وسائل التواصل الاجتماعي كافة على سحب أي نسخ ممكنة من الفيديو الذي صوّره القاتل؛ بسبب قساوته الشديدة، وفيه ضبط الكاميرا بزاوية يبدو فيها وكأنما هو في ساحة إحدى الألعاب مثل PUBG، وكأن كل هؤلاء الذي يهربون يمينا ويسارا هم وحدات لعب يمكن أن تحصل على نقاط إضافية حينما تقتلهم، "تارانت" بالفعل لم يتعامل مع هؤلاء كأنهم بشر، كان ذلك واضحا في كل تصريحاته أثناء الفيديو ("لتبدأ الحفلة")، بل تعامل معهم كأنهم "أشياء"، أشياء لا تختلف كثيرا في طبيعتها عن مجموعة من الأرانب أو الكلاب أو الصراصير.

في رواندا(8) بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 1994، أقدمت قبائل الهوتو عبر الجيش والميليشيات الخاصة على قتل كل من تقع أيديهم عليه من مواطني التوتسي، في أثناء تلك المجزرة أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية لنشر الكره والغضب الشديد ضد التوتسي، كانت الجملة الأشهر والأكثر تكرارا، لمئات المرات في اليوم الواحد، هي: "تخلّص من الصراصير"، تَسبَّب ذلك في مقتل حوالي مليون شخص واغتصاب مئات الآلاف من النساء، معظم حالات القتل كانت بالساطور، في إحدى أعنف المجازر البشرية على الإطلاق.

الملائكة الأربعة

في كتابه "الملائكة الطيّبة لطبيعتنا"، يقول ستيفن بينكر: إنه يجب على البشر، لكي يستمروا في حياة أكثر إنتاجا ورفاهية، أن يحافظوا على الملائكة الأربعة التي كانت دائما ظهيرا لنا.

 

لو قررنا أن نستمر في الحكي عن الحوادث الشبيهة فلن نتوقف قبل أن نملأ كتابا وأكثر، لكن دعنا في تلك النقطة ننقلب إلى الجانب الآخر من حكايتنا نحن البشر. سارة هاردي، متخصصة الأنثربولوجيا والرئيسيات من جامعة هارفارد، تضرب9 مثالا بسيطا لتوضيح تلك الفكرة: لنفترض أنك الآن في طائرة مزدحمة بالركاب، هناك هرج ومرج وأصوات عالية، وأنت جائع جدا، لكن لا يمكن لك أن تحصل على وجبة العشاء بسهولة.

في أثناء ذلك كله، هناك طفل ما، عمره حوالي أربعة أشهر، ولا يتوقف عن البكاء، يحاول الناس إيقافه بكل الطرق الممكنة لكنه لا يفعل، وها أنت ذا تجلس على كرسيك على مسافة دقيقة واحدة من الانفجار، لكن هل ستفعل ذلك؟ إن ما تحكيه هاردي هو مشهد مألوف في رحلات الطيران، لكن لا أحد ينفجر، بل يتحمل الناس الأمر ويحاولون تهدئة الأوضاع، لكن ماذا لو كان سكّان تلك الطائرة من الشيمبانزي، هل تحمّلوا أيا من ذلك؟ بالطبع لا، ستصل الطائرة إلى المطار وبها عدد لا بأس به من الجثث المقطعة إربا، تستخدم هاردي ذلك لتقول لنا: "نحن أكثر طيبة من أقرب رفاقنا في هذا العالم". هذا غريب حقا، فبينما نمتلك في تاريخنا أعظم المذابح وأوقع أشكال الانتقام، نمتلك أيضا لحظات انتصرنا فيها لإنسانيتنا، ما الفاصل بين هذين السلوكين إذن؟

في عالمنا المعاصر، تتصاعد أصوات التطرف من كل حدب وصوب، يتحزب الناس بصورة أكبر لتوجهاتهم السياسية والدينية، ونتيجةً لذلك ينتشر الكذب عبر وسائل الإعلام كافة، بداية من التلفاز إلى فيسبوك، في محاولة من كل طرف لإثبات جدارته. في أثناء ذلك كله، قد نفقد القدرة على التعاطف مع الآخرين شيئا فشيئا لمجرد أنهم يختلفون عنّا في توجهاتهم السياسية أو الدينية، ومن ثَم قد نقبل بأي سلوك غير أخلاقي تجاههم، وفي حال استمر الأمر على نفس الوتيرة المتصاعدة المعاصرة فإن "الحس الأخلاقي" لدى البشر مهدد.

في كتابه "الملائكة الطيّبة لطبيعتنا"، يقول ستيفن بينكر، عالم النفس الإدراكي، ومتخصص اللسانيات الشهير من هارفارد، إنه يجب على البشر، لكي يستمروا في حياة أكثر إنتاجا ورفاهية، أن يحافظوا على الملائكة الأربعة التي كانت دائما ظهيرا لنا، ساعدتنا على التقدم، وحمتنا من السقوط في ظلمات الفقر والجهل والمرض ما دمنا متمسكين بها، أما في كل مرة تركناها فإننا نصبح مثل قرود ماجالجون أو رجال الهوتو. هذه الصفات أو الملائكة الأربعة هي ببساطة: الحس الأخلاقي، والتعاطف مع الآخرين، والتحكم في النفس، والحس العقلاني. نعم، هناك أمل في أن نحتفظ -نحن البشر- بإنسانيتنا رغم كل البشاعة من حولنا، المهم أن نتمسك جميعا بهذا الأمل.

_____________________________________________________

مصادر:

  1. Group of Monkeys Kill Over 250 Dogs for ‘Revenge’ in Indian Town
  2. Do Animals Practice Revenge?
  3. Study: Elephants might seek revenge
  4. Do Animals Practice Revenge?
  5. A Brief History of the Gombe Chimpanzee War 
  6. Reciprocal altruism
  7. Being Human: Life Lessons from the Frontiers of Science by Robert M. Sapolsky
  8. wanda genocide: 100 days of slaughter
  9. Just Babies: The Origins of Good and Evil by Paul Bloom
المصدر : الجزيرة