الميتافيرس الأكبر.. هل الكون الذي نعيش فيه مجرد محاكاة؟!

خلال الأسابيع القليلة الماضية، اشتعلت أجواء التواصل الاجتماعي ضجيجا حول إعلان شركة فيسبوك أنها تنوي الاستثمار بكثافة في تقنية جديدة تُدعى "الميتافيرس"، التي تهدف إلى نقل المزيد من ملامح الحياة إلى العالم الافتراضي، فبعد أن كانت تواصلاتنا كتابية أو صوتية فقط، أصبحت الكاميرات شائعة، وأجرينا من خلالها اجتماعاتنا المهنية ولقاءات الأسرة على حدٍّ سواء، وحان الوقت للانتقال إلى مستوى جديد وهو الدخول إلى الشاشة عبر أجسام افتراضية (أفاتار) والتفاعل بعمق أكثر، هناك بالفعل محاولات لخلق عالم كهذا، وإذا كنت من لاعبي "فورتنايت" مثلا، فسوف تشعر بالعجب من أن الناس يشعرون بالمفاجأة لهذا التطور من الأساس.

ومع ذلك، يبقى الأمر مثيرا للانتباه حقا، وإنْ كنا نظن أن هناك الكثير من المبالغات في عرضه، والحديث عن توقُّعات ليس من المُرجَّح أن تحدث خلال مدى زمني قريب، لكن على الجانب الآخر من هذا كله، عادت من جديد أحاديث عن فرضية اقترحها أستاذ الفلسفة من جامعة أوكسفورد نيك بوستروم قبل نحو عشرين سنة، حيث ترى أن هناك احتمالا أكبر مما نعتقد أننا لا نعيش في عالم فعلي، بل نعيش داخل محاكاة حاسوبية.

حجة المحاكاة

تجري حجة المحاكاة(1) كالتالي: هناك واحد من ثلاثة احتمالات لمستقبل الحضارات مثل حضارتنا البشرية في هذا الكون، فإما أنها ستضطرب يوما ما أثناء تقدُّمها التكنولوجي، ربما بسبب أننا لم نتحمَّل كل هذا التقدُّم وقرَّرنا أن نتحارب، وبالتالي تنهار على ذاتها، وإما أنها ستتجاوز تلك المشكلات المعقدة وتصل خلال مئات الآلاف أو ملايين السنين إلى نقطة تمتلك فيها قدرات حاسوبية هائلة تُمكِّنها من صنع محاكاة لأسلافها، أي نسخ بدائية من ذاتها في مرحلة بدائية (مثل حضارتنا الآن)، لكنها لا تُقْدِم على صنع محاكاة لسبب ما، ربما لأنها غير مهتمة، أو لأن الأمر مُكلِّف دون مقابل سخي، والاحتمال الثالث هو أن تصل الحضارة إلى نقطة مُتقدِّمة جدا تقنيا وتُقرِّر أن تصنع محاكاة بالفعل.

لكن هناك ملاحظة مهمة في هذا السياق، إذا رغبت حضارة ما في بناء محاكاة، فمن المحتمل أنها ستمتلك القدرة التقنية لصناعة آلاف أو ملايين بل ومليارات الصور من المحاكاة، بالضبط كما نتمكَّن الآن من تكرار الخوارزميات والبرامج الحاسوبية بأي عدد نريده، الآن إذا افترضنا أن نسبة ضعيفة جدا من الحضارات تجاوزت الاحتمال الأول، ومن تلك النسبة فإن عددا قليلا جدا من الحضارات قد مرَّ إلى الاحتمال الثالث، وفيه يمكن صناعة عدد هائل من عوالم المحاكاة، فإن الاحتمال الإحصائي الأكبر إذن هو أننا -في صورتنا الحالية- نعيش داخل محاكاة.

هل يمكن أن يصل تقدُّمنا العلمي يوما ما إلى تلك المرحلة؟ هذا سؤال مهم، والإجابة هي "نعم" لا شك، لو تأمَّلت تقدُّمنا التقني خلال 300 ألف سنة لاتضح أن حضارتنا البشرية تتقدَّم بصورة لا خطية، أي إن كل مرحلة تُضاعِف ما حقَّقته سابقتها من تقدُّم، في الحوسبة فقط فإن هذا التقدُّم يندرج تحت ما يسمى بقانون مور، الذي ينص على أن عدد الترانزستورات على شريحة المعالج في الحاسوب يتضاعف تقريبا كل عامين، في حين يبقى سعر الشريحة على حاله. على سبيل المثال، فإن قدرات "الآيباد" الآن هي نفسها قدرات حاسوب صُنع في الخمسينيات بتكلفة نحو 100 مليون دولار!

كون من الرياضيات

كتاب "كوننا الرياضي" لـ ماكس تيجمارك

ماكس تيجمارك، الفيزيائي الشهير من معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا، يرى صورة مختلفة من فرضية المحاكاة يعرضها في كتابه "كوننا الرياضي"، حيث يقول إن وصف واقعنا من خلال الرياضيات فقط غير ممكن، بل إن واقعنا ذاته عبارة عن رياضيات، وهنا هو يتحدَّث عن الفكرة أو الفلسفة القائلة إن الواقع الخارجي، أي كل شيء تراه كالنجوم والمجرات والبيوت والناس الآخرين وهذا التقرير الذي تقرأه الآن، يوجد بالفعل بشكل منفصل عن ذواتنا وليس من صنيعة عقولنا (كوهم)، لكنه يُضيف إلى ذلك أن الواقع الخارجي إنْ كان موجودا بالفعل، فلا بد أنه يتكوَّن فقط من بنى رياضية.

يشرح تيجمارك فرضيته بطريقة بسيطة(2)، لنفترض أننا بداخل لعبة ما، لعبة تشبه سوبر ماريو، بالنسبة لنا ونحن داخل اللعبة، سوف نظن أننا أشخاص طبيعيون مُكوَّنون من وحدات مادية ملونة ثنائية البُعد مثلا، وحينما يتملَّكنا الفضول لمعرفة ذلك الجزء من الكون الذي نعيش فيه -لعبة ماريو- فسوف نبدأ بدراسته ثم نتفاجأ شيئا فشيئا في كل مرة أن ما نكتشفه هو رياضيات تشرح العالم الخاص بنا، رياضيات تشرح تركيب أجسامنا الملونة، والأشجار، وتلك السلاحف التي تجري هنا وهناك بعالم ماريو، تلك الكرات التي تسقط من الأعلى، فتحات المجاري الضخمة، مربعات الطوب التي تُصدِر صوتا حينما نصدمها من الأسفل، إلخ، لكن ما نكتشفه بالفعل ليس إلا قواعد اللغة التي كُتبت بها لعبة ماريو الخاصة بنا، لتكن الـ C++ أو R أو بايثون أو أية لغة برمجة، وهي جميعا رياضيات بالأساس، معادلات وأرقام، هكذا هو الكون.

تيجمارك إذن لا يتحدَّث عن محاكاة بالمعنى المفهوم، فهو لا يقول إننا نعيش داخل عالم صنعته حضارات أخرى، بل يفترض أن هذا التمظهر العجيب للرياضيات في كل شيء في حياتنا، بداية من الفيزياء ووصولا إلى علم النفس، يدل على أن هذه الرياضيات ليست فقط أدوات لوصف العالم، بل هي هيكل هذا العالم الذي بُني عليه مثلما تُبنى المنازل على هياكل أسمنتية.

كون هولوغرامي

في الفيزياء، هناك فرضية تُرجِّح بنية شبيهة. ترجع القصة إلى نهاية عام 1970، عندما قدَّم فيزيائي شاب يُدعى جاكوب بيكنشتاين(3) مقترحا يفترض أن كل شيء يُلقى به في الثقب الأسود، مثل ذرة أو جزيء أو سيّارة أو طاولة أو أي شيء نعرفه، يتحوَّل إلى معلومات ثنائية البُعد، تلتصق على أفقه في صورة مربع واحد للمعلومة "بلانك"، لكن ما المعلومة؟

هي ببساطة حالة كل جسيم في الكون: كتلته، الموضع، السرعة، اللف، درجة الحرارة…، حينما نقول المعلومة التالية: "سيارة أحمد في مدينة المنصورة المصرية، بجوار مبنى كلية الحقوق"، فالمعلومة لا توجد في التقرير الذي ذُكرت فيه، ولا في صفحة فيسبوك التي نُشرت عليها، ولا في دماغنا حينما نتبادلها معا، ولا في اللغة التي كتبناها بها، قد نكون كتبناها بإشارات مورس أو بالعربية أو باللاتينية أو بلغة الحاسوب، كل هذا لا يهم، لأن المعلومة توجد حقيقة بجوار مبنى كلية الحقوق.

في فيزياء الكم، المعلومة ليست مادة وليست طاقة، ليست شيئا نختبره بجهاز ما أو يمكن لمسه، على مدى تاريخنا استطعنا تطوير أدواتنا لضمان نقل المعلومات من مكان إلى آخر ومن صورة إلى أخرى بطرق دقيقة حتى وصلنا في النهاية إلى الرياضيات المجردة. في تلك النقطة يطل المبدأ الهولوغرامي(4) برأسه، حيث ينص على أن من الممكن لنا تمثيل فيزياء ثلاثية الأبعاد في شكل أسطح ثنائية الأبعاد، الأمر أشبه بأن نقرأ أصل الكون بلغة مختلفة، فأنا وأنت وحوارنا القائم الآن، وأي شيء مهما كانت فيزياؤه معقدة يمكن تمثيله في صورة أسطح ثنائية البُعد، لأن كل ذلك هو في الأصل معلومات، وكل المعلومات يمكن أن تُكتب على سطح ثنائي البُعد.

لوحة زواج العذراء (ويكيبيديا)

تأمَّل مثلا لوحة "زواج العذراء" للفنان الشهير رافائيل، إنها لوحة ثنائية البُعد تُوضِّح مكانا ثلاثيَّ البُعد، بالفعل بها كمٌّ ضخم من المعلومات التي يمكن أن نستخدمها لفهم ما يحدث أمامنا. لكن هل يمكن للوحة أن تُطلعنا على وجوه السيدات هناك بعيدا في اليسار؟ لا، لأن اللوحة لا تمتلك القدر الكافي من المعلومات لإعطائه لنا، هذا ممكن فقط في حالة الهولوغرام، الهولوغرام هو كيان ثلاثي البُعد (فوكسلات) لكن معلوماته مكتوبة على أُفق ثنائي البُعد (بيكسلات). هكذا يمكننا نقل معلومات فضاء ثلاثي البُعد بالكامل إلى آخر ثنائي البُعد مع تعديلات ضخمة، الأمر يشبه أن تُحمِّل فيلما ما على أسطوانة ثم تعرضه فيما بعد على شاشتك الكبيرة لكن بصورة ثلاثية الأبعاد.

ترف إيلون ماسك

هل يعني ما سبق أننا حقا نعيش في محاكاة، أو أننا "في الغالب" نعيش في محاكاة؟ في الواقع، تواجه حجة المحاكاة الخاصة ببوستروم العديد من الانتقادات، التي تُقلِّل بالتبعية جذريا من احتمالات كوننا نعيش الآن داخل محاكاة "كبيرة"، لكنها بالطبع لا تمنع وجود هذه الاحتمالات.

على سبيل المثال، لا تشرح الفرضية شيئا عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن نحاكي "الوعي"، الظاهرة التي تعني أنك أنت مَن يُدرك أنك تقرأ هذا الكلام الآن، إدراكك لذاتك وللعالم من حولك، في الواقع يظل الوعي لغزا محيرا إلى الآن في العلوم العصبية والحاسوبية على حدٍّ سواء، ولا نجد أية طريقة لفهمه، فما بالك بمحاكاته، ولا نتحدَّث هنا عن محاكاة شخص واحد فقط، بل عشرات المليارات من البشر الذين عاشوا على هذا الكوكب طوال تاريخه.

على جانب آخر، كان عالِما الفيزياء النظرية زوهار رينجل وديمتري كورفيزيني قد أشارا، في دراسة(5) نُشرت بدورية "ساينس أدفانسز" قبل عدة أعوام، إلى أننا لا يمكننا بناء محاكاة تُعبِّر عن قوانين فيزياء الكمّ بأي تكنولوجيا مُتقدِّمة نعرفها أو يمكن أن نتخيلها، ذلك لأن محاكاة تطور التفاعل بين بضع مئات من الإلكترونات فقط تتطلَّب حاسوبا أكبر من حجم الكون المعروف.

إيلون ماسك

أما سيلاس بين ورفاقه من جامعة بون الألمانية(6)، فقد أشاروا في دراسة صدرت عام 2014 إلى أنه لا توجد طريقة نعرفها يمكن من خلالها أن نحاكي قوانين النظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين. وتُمثِّل النسبية العامة ونظرية النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات (الصورة الأحدث لميكانيكا الكم) الأساسيات الجوهرية التي تُقام بها فيزياء هذا الكون على حد علمنا إلى الآن، والفشل في إخضاعهما للمحاكاة هو بالتبعية فشل في فرضية المحاكاة، لا يغلقها تماما بالطبع، لكنها يخفض من الاحتمالات.

أضف إلى ذلك أن البعض لا يُروِّج لفرضية المحاكاة من وجهة نظر فلسفية أو علمية، ولكن دينية. ما تقترحه الفرضية هو ببساطة أن هناك كائنات ذات معرفة هائلة مقارنة بنا، لدرجة أننا يمكن أن نسميها "كلية المعرفة" بالنسبة لهذا الكون، هذه الكائنات أسَّست لهذا الكون الذي نعرفه بالكامل، وهي فرضية لاهوتية الطابع كما هو واضح، أو لعلنا نصفها أنها محاكاة "ساينتزمية" للأديان.

في كل الأحوال، تبقى فرضية المحاكاة احتمالا قائما، لكن أقصى ما يمكن أن توصف به هو أنها تخمين مبني على نظريات فلسفية وعلمية، في حين لا يراها البعض أكثر من "ترف فكري وحضاري"، خاصة حينما يُروِّج له أناس مثل إيلون ماسك، وهم يدركون أننا لا نمتلك حتى الآن القدرة على اختبار صحة هذه الفرضية من عدمها، ولا يبدو أننا سنملك ذلك في أي وقت قريب.

____________________________________

مصادر:

1- ARE YOU LIVING IN A COMPUTER SIMULATION?

2- Our Mathematical Universe: My Quest for the Ultimate Nature of Reality- Max Tegmark

3- Jacob Bekenstein and the Development of Black Hole Thermodynamics

4- The Holographic Principle

5- Quantized gravitational responses, the sign problem, and quantum complexity

6- Constraints on the universe as a numerical simulation

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا تتعجَّب حينما ترى أستاذ جامعي بالطب يُروِّج للخرافات، سواء حول “كوفيد-19” أو أي من الفانتازيا المتعلقة بالطب البديل والعلاج بالأعشاب، فالطب هنا ليس إلا مهنة، لكنه للأسف لم يتحوَّل إلى طريقة تفكير.

Published On 23/9/2021

يتقدَّم 465 شخصا للمشاركة في المسابقة، الفائز يمر للعبة التالية والخاسر يموت، اختيار اللاعبين للمشاركة كان ذكيا، فهم ليسوا أي أشخاص، بل مجموعة ممَّن أثقلتهم الديون.. فأين القانون لضبط مثل هذه الألعاب؟

Published On 28/9/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة