نوبل للطب 2021.. لأن حضن أمك الدافئ في عيد ميلادك السادس كان أعقد مما تتصوَّر

حسنا، لطالما بدأ الأمر من سؤال بدهي لا يُفكِّر الناس فيه عادة، على سبيل المثال: لماذا نتكلَّم؟ إذا سألتك هذا السؤال ربما تُجيبني: "لأننا نتكلَّم!". كذلك الحال مع أسئلة مثل: لماذا نرى؟ ولماذا نشعر بالحرارة في أغسطس أو البرودة في يناير؟ وكيف يشعر الرضيع بلمسات أصابع أمه الحانية أو نسيم الربيع الهادئ أو حتّى نعومة الوسادة؟ بالنسبة للعلم، فإن الأسئلة البدهية عادة ما تكون منبع أعظم الاكتشافات، أو لعلنا نستطيع أن نقول إن العلم عموما هو حالة من الاندهاش العمَلي بهذا الكون وبنيته، من أصغر الذرات والخلايا إلى أكبر المجرات.

لطالما شغلت أسئلة كهذه عقول البشر، في القرن السابع عشر تصوَّر رينيه ديكارت، الفيلسوف والفيزيائي الفرنسي، وجود خيوط دقيقة تربط أجزاء مختلفة من الجلد بالدماغ، ولهذا السبب فإن ملامسة يدك للهب ترسل إشارة فورية إلى الدماغ، فيستجيب في المقابل بإعطاء أمر برفع يديك عن النار، الآن نعرف أن هذا حقيقي بشكل ما، لكن ديكارت لم يكن يعرف أي شيء عن أعجب خلايا جسمنا، الخلايا العصبية.

وما يُدري الدماغ؟

الدماغ هو قائد الجسد، لكنه يوجد في غرفة مظلمة وهي الجمجمة، ولكي يتعرَّف على العالم الخارجي فإنه يستخدم أطرافا عصبية في كل نقطة بالجسم تقريبا، حينما تمد يديك للهب فإن هناك إشارة كهروكيميائية تسري في خلية عصبية ما، تسلمها بدورها لخلية فأخرى حتى تصل الإشارة إلى المخ، الذي يُدرك وجود النار، بالطريقة نفسها تقريبا التي نرى بها الأشياء أو نشمّها، وبعد ذلك يتخذ قراره. يحدث ذلك كله في أقل من ثانية، فلا تشعر به.

في الأربعينيات من القرن الفائت، اكتشفنا أن هناك أنواعا مختلفة ومتمايزة من الألياف العصبية الحسية التي تتفاعل مع محفزات مختلفة. على سبيل المثال، توجد خلايا عصبية مُخصَّصة لقدرتنا على الشعور بالاختلافات في نسيج الأسطح عبر أطراف أصابعنا، وخلايا أخرى هي السبب في قدرتنا على تمييز الدفء الممتع لكوب شاي في الشتاء عن الحرارة المؤلمة التي تُجبرك على سحب يدك من على الكوب فورا.

لكن على الرغم من ذلك بقيت الأسئلة الأكثر دقة بلا إجابة، ما الطبيعة الدقيقة لتلك المُستقبِلات التي توجد في أطراف أصابعنا (وكل الجسم) ويمكنها استشعار درجة الحرارة واللمس بهذه الحساسية البديعة؟ وكيف يمكن لهذه المُستقبِلات تحويل الأشياء الخارجية (حرارة الكوب أو برودته وطبيعة ملمسه الزجاجي أو الخزفي) إلى إشارات فعلية داخل الخلايا العصبية؟

في هذه النقطة تحديدا يظهر كلٌّ من أرديم بتابوتيوم (Ardem Patapoutian)، الأرميني المولود في بيروت (لبنان) والمقيم في الولايات المتحدة، الذي يعمل الآن بمؤسسة هوارد هيوز البحثية، وديفيد جوليوس (David Julius)، الأميركي والأستاذ بجامعة كاليفورنيا، اللذين أعلنت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل حصولهما على جائزة الطب والفسيولوجيا لهذا العام 2021، لإنجازاتهما في التوصُّل إلى المُستقبِلات المسؤولة عن اللمس والشعور بالحرارة.

ملك مُستقبِلات الحرارة

في التسعينيات من القرن الفائت، حاول جوليوس ورفاقه البحث عن جين محدد مسؤول عن استجابة الجسم لتأثير الفلفل الحار. حسنا، لا بد أنك جرَّبت من قبل وضع قطعة منه على شفتيك أو لسانك، يصل الأمر إلى أن تتوهَّم أجسامنا أننا في طقس حار، فتبدأ وجوهنا في التعرُّق حتى لو كنا في يوم قارس البرودة. لفت ذلك انتباه الباحثين على مدى عقود، لكنَّ أحدا لم يتعرَّف بشكل محدد على المُستقبِل الموجود في أطراف لساننا العصبية، والمسؤول عن هذه الاستجابة.

 

الجينات -ببساطة- هي شفرات الحياة، تخيَّل جسمك مثل فيلم سينما معروض على الشاشة، هذا الفيلم بالأصل يتكوَّن من شريط طويل مُشفَّرة عليه المشاهد، هنا يلتقي البطل بحبيبته لأول مرة، وهنا يعترف لها بحبه، وفي موضع ثالث على الشريط تتركه لأحزانه وحيدا، خلايانا البشرية كذلك تحتوي على شريط طويل من الوحدات الكيميائية المُمثِّلة للحمض النووي، كل مجموعة من تلك الوحدات تُمثِّل جينا، هنا جين يُعبِّر عن لون شعرك، وهنا جين آخر يُعبِّر عن لون عينيك، وهناك جين يُعبِّر عن طول عظامك، وهكذا.

يعني ذلك أنه إذا نجح شخص ما في معرفة الجين المسؤول عن الاستجابة لمادة الكابسيسين الموجودة في الفلفل الحار، فإنه في هذه الحالة سيعرف بالتبعية المُستقبِل المسؤول عنها، لأن هذا الجين يُشفِّر مُستقبِلا بعينه، وهذا ما فعله صديقنا جوليوس الذي جمع ورفاقه مكتبة تحتوي على ملايين من قطع الحمض النووي التي يعتقد أنها مسؤولة عن مُستقبِلات الحرارة في الفئران (تحديدا منطقة تُسمى العقدة الجذرية الظهرية)، بعد ذلك حقنوها، قطعةً قطعةً، في خلايا لا تستجيب بطبيعتها لتأثير الفلفل الحار.

إذا كانت القطعة التي حُقنت بها الخلية تحمل الجين المقصود، فإنها ستُحوِّل الخلية من الحالة التي لا تستجيب لتأثير الكابسيسين إلى خلية مُستجيبة، وبعد سنوات من المحاولات كانت خلالها الخلايا لا تستجيب للفلفل الحار أظهرت مجموعة منها استجابة واضحة، وبالتالي عرف جوليوس أن هذه القطعة من الحمض النووي تحتوي على جين مسؤول عن مُستقبِل محدد هو السبب في تأثُّر الخلية بالفلفل الحار، ومع مزيد من الدراسة تأكَّد أنه مُستقبِل يُدعى "TRPV1".

حينما تُفعَّل هذه المُستقبِلات في أطراف الخلايا العصبية، بأي شيء درجة حرارته أعلى من 40 مئوية، فإن القناة الخاصة بالمُستقبِل تنفتح، وتمر الأيونات إلى داخل الخلية العصبية، وبعيدا عن تعقيدات هذه العملية فإن ذلك يُنشئ فارقا في الجهد الكهربي لتسري الإشارة الكيميائية من طرف أصابعك أو لسانك أو أي موضع على جلدك ووصولا إلى دماغك، بشكل يشبه أن تسري الكهرباء في السلك وصولا إلى التلفاز مثلا، هنا يعرف المخ أن هناك شيئا ما بدرجة حرارة مُقدَّرة على أنها "كذا" يلامس جسدك.

مَثَّل ما قدَّمه جوليوس إنجازا بارزا في سعينا لفهم الأساس الجزيئي والعصبي للاستشعار الحراري، لكنه لم يتوقَّف عند تلك النقطة، بل سعى بعد ذلك -في العقد الأول للألفية- للبحث عن مُستقبِلات البرودة بدراسة تأثير النعناع، أو بدقة أكثر مادة المنثول الموجودة في النعناع، على جلدنا، هل جرَّبت أن تضع قرص نعناع في فمك من قبل؟

نعم، إنه هذا الشعور الغريب، والممتع في الوقت نفسه، بالبرودة، أدَّت أبحاث جوليوس في هذه النقطة، وكان بتابوتيوم قد شاركه الإنجاز هنا، إلى التوصُّل إلى مُستقبِل آخر سُمِّي "TRPM8″، وهو حساس جدا لأية درجة حرارة تحت 28 مئوية، ومثل رفيقه السابق وُجد أنه قادر على رصد تغيُّر بقيمة 0.5-1 درجة مئوية فقط، مع كل تغيُّر طفيف في درجة الحرارة تُفتح القناة بقدر يتناسب مع هذه الدرجة، فتصل إشارة بقوة محددة للمخ، فيعرف هذا الأعمى داخل الجمجمة بالأمر، ويصبح بصيرا!

خلايا ميكانيكية!

بالنسبة لبتابوتيوم، كانت هناك ألغاز إضافية يجب حلها، حيث اهتم اهتماما خاصا بالكيفية التي نستشعر بها الأشياء لمسا. قبل عقود طويلة عرفنا أن بعض الخلايا البشرية لها خصائص ميكانيكية، أي إنها يمكن أن تستشعر الضغط الميكانيكي، لكن المُستقبِل المُحدد المسؤول عن هذه الخصائص لم يكن معروفا، وهنا كانت نقطة اجتهاد بتابوتيوم الرئيسية، وسبب حصوله على نصف الجائزة.

لجأ بتابوتيوم وفريقه إلى الفئران مرة أخرى، وهذه المرة أُجريت الاختبارات على نوع محدد من الخلايا المعروفة بحساسيتها الشديدة للضغط، اعتقد الفريق أن هناك 72 جينا مسؤولا عن هذا النوع من الاستجابات داخل كل خلية، وكانت الفكرة الذكية، والبسيطة في الوقت نفسه، أن يقوم بتابوتيوم وفريقه بقفل أو إسكات هذه الجينات واحدا تلو الآخر، ثم إحداث تأثير ميكانيكي على كل خلية ورصد استجابتها، فإذا استجابت يعني ذلك أن الفريق أغلق الجين الخاطئ، وهكذا بالتدريج.

يشبه الأمر أن تحتوي لوحة الكهرباء الرئيسية لأحد القصور على 72 مفتاحا كلٌّ منها مسؤول عن إغلاق الإضاءة في غرفة بعينها، لكننا نود أن نعرف المفتاح الذي يغلق الإضاءة تحديدا في غرفة المكتب مثلا، هنا سنبدأ في غلق المفاتيح، واحدا واحدا، بالترتيب، ومع كل مرة نغلق فيها أحد المفاتيح نلاحظ حالة الإضاءة في غرفة المكتب، فقط حينما تستجيب مصابيح غرفة المكتب لأحد المفاتيح تنتهي التجربة ونعرف المفتاح المقصود.

في حالة تجارب بتابوتيوم، حدث ذلك تماما مع الجين الأخير، فمع قفله لم تستجب الخلايا ميكانيكيًّا، وتعرَّف صديقنا ورفاقه إلى الجين، وبالتالي إلى المُستقبِلات المسؤولة عن الاستجابة الميكانيكية للمس، وسُمِّيت "Piezo1″ و"Piezo2".

أثبتت أبحاث تالية في العقد الثاني من الألفية أن مُستقبِلات "بيزو" تلعب دورا أساسيا في نوع آخر من الحس، لفهمه جرِّب أن تلعب الغمّيضة مع أصدقائك، حينما تُغطي عينيك وتتحرَّك فإن مفاصل جسمك وأربطته تُعطيك إحساسا بموضعك في الفضاء، في الواقع ستستخدم تلك الحاسة بدلا من عينيك إذا كنت تبحث عن شيء في الظلام الدامس، وتُسمى "استقبال الحس العميق" (Proprioception)، إنها إحدى أعمق وأغرب أدواتنا الحسية نحن البشر. فيما بعد، تبيَّن أن المُستقبِلات التي اكتشفها بتابوتيوم تلعب دورا في كل مكان في الجسم تقريبا، سواء حركة مكونات الجهاز الرئوي، وكذلك اللسان والبلعوم والخلايا المعدية وضغط الأوعية الدموية وخلايا الكلى والمثانة.

إذا عُرف السبب

يقول المثل العربي: "إذا عُرف السبب بطل العجب"، وكثيرا ما تسبَّبت أمراض وراثية في حيرة العلماء لأننا لم نفهم آلية عملها. ما إن تعرَّفنا إلى مُستقبِلات بتابوتيوم وجوليوس حتى عرفنا أسباب أمراض مثل "اضطراب الألم الانتيابي الشديد"، و"اضطراب نقص PIEZO2″ و"متلازمة جوردون" و"متلازمة ماردين ووكر"، وغيرها من الأمراض التي تتميَّز بأعراض غاية في القسوة، ربما بشكل لا تتخيَّله، إلى جانب مجموعة كاملة من الأمراض الأخرى التي تتميَّز بوجود ألم مزمن لدى المريض.

مع معرفة العلماء بالمُستقبِلات المُتعلِّقة بهذه الأمراض، يمكن تصميم أدوية للتعامل معها، سواء بِحَثِّ المُستقبِل على العمل أو تثبيط عمله، وبذلك سوف يكون بالإمكان إنقاذ الملايين حول العالم. لكن المُثير للانتباه في كشوف كهذه هو ما لا نُدركه عن أجسامنا، تخيَّل مثلا أنك تود الآن أن تأخذ رشفة واحدة من كوب ماء موجود أمامك، بالنسبة لك هي عملية بسيطة جدا وبدهية، لكنها ليست كذلك.

ما إن تلمس الكوب وتبدأ برفعه حتى تنقل الخلايا العصبية الحسية في أطراف أصابعك معلومات كثيرة لدماغك، حول وزن الزجاج في الكوب، وحجمه، وملمسه، ودرجة حرارته، وغيرها من البيانات، تُستخدم هذه المعلومات لتُمكِّنك من تطبيق قوة قابضة مناسبة على الكوب، كذلك تساعد في تنسيق حركات يدك ومفاصلك وشفتيك عند أخذ الرشفة، كل هذا التنسيق البديع يحدث فقط خلال رشفة واحدة، ماذا يحدث إذن حينما تمشي أو حينما تقوم من سريرك؟ وماذا حدث حينما استشعرت دفء حضن أمك في عيد ميلادك السادس؟ الكثير من العلم الممتع لا شك!

____________________________________________________

المصدر:

المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة