ما الذي يجعل من لقاح أسترازينيكا تحديدا أمل البشر للخلاص من "كوفيد-19″؟

يبدو أن بريطانيا سوف تضرب للعالم كله مثالا جديدا في سرعة اتخاذ الإجراءات المصيرية، فبعد أن كانت أولى دول العالم التي أعطت تصريحا لتلقي مواطنيها لقاح فايزر-بايونتك، وهو بالأساس صناعة أميركية ألمانية، أصبحت أيضا أولى دول العالم التي تعطي تصريحا للقاح أسترازينيكا-أوكسفورد(1)، لكن هذا اللقاح بالتحديد يُمثِّل قفزة طالما انتظرها العلماء والسياسيون على حدٍّ سواء.

 

حينما يُهاجم فيروس ما جسمنا فإن الجهاز المناعي الخاص بنا يتعامل مع هذا الهجوم بآليتين، الأولى هي العمل المباشر على إنهاء هذا الهجوم، والثانية هي العمل على نسخ معلومات هذا الغازي القادم من الخارج، وبناء على تلك المعلومات يقوم الجهاز المناعي ببناء خط دفاعي متجهز لأي هجوم مستقبلي من قِبَل النوع نفسه من الفيروسات.

 

إذا تعرّضت لإصابة بكورونا المستجد لأول مرة، فإن جهازك المناعي يأخذ وقتا ليتعامل معه، الأمر الذي يتسبّب في أعراض المرض على اختلاف درجاتها، لكن في المرة التالية حينما يدخل الفيروس إلى جسمك فإن الأخير يكون متجهزا له، فيتعامل بسرعة ويتجاوز مرحلة الأعراض. يهدف اللقاح إلى خلق هذا النوع من المناعة التكيفية ضد الفيروس دون أن تتعرّض لإصابة أولية به، وذلك عن طريق استثارة جهازنا المناعي لنوع محدد من الفيروسات -كورونا المستجد في هذه الحالة- فيندفع لتجهيز نفسه لإصابة مستقبلية، لكن على بساطة الفكرة التي يمكن من خلالها خلق تلك المناعة، فالأمر دقيق جدا ومعقد للغاية.

يُسمى لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد: ChAdOx1 nCoV-19 أو AZD1222، ويتكوّن(2) من فيروس آخر يتسبّب بنزلات البرد لحيوان الشيمبانزي، يُعدَّل هذا الفيروس جينيا بحيث لا يتمكّن من نسخ نفسه داخل جسم الإنسان ولكي ينتج عنه أعراض جانبية قليلة، بعد ذلك يُنسَخ جزء من الحمض النووي الخاص بكورونا المستجد إلى هذا الفيروس.

 

نعرف أن الحمض النووي هو الخطة الخاصة ببناء جسم أي كائن حي، على سبيل المثال فإن المعلومات الخاصة بلون عينينا وشعرنا كانت موجودة في الحمض النووي الخاص بنا بينما كنا مجموعة من الخلايا في بطون أمهاتنا، خلال نمونا تُترجم تلك المعلومات إلى صفات حقيقية. الأمر كذلك في الفيروسات، حينما ينقل الحمض النووي الخاص بقطعة محددة من فيروس كورونا المستجد إلى فيروس آخر، فإنه يُترجم إلى هذه القطعة في الفيروس الآخر، وهي بروتين الحَسَكَة (Spike Protein)، الذي يُمثِّل البروزات الموجودة على سطح الفيروس وتُعطيه الشكل التاجي.

 

لكن لأن لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد لا يسمح له بالتناسخ داخل جسم الإنسان فإننا بحاجة إلى جرعة كبيرة منه لإحداث استجابة مناعية مناسبة، الأمر الذي يُسبِّب -بالتبعية- أعراضا أكثر وضوحا، لذلك كان تركيز التجارب في المراحل الثلاثة على فحص الأعراض الجانبية الخاصة به، التي ظهر أنها تتمثّل في ارتفاع درجات الحرارة والصداع فقط، الأمر الذي كان من السهل التعامل معه عبر أقراص الباراسيتامول (البنادول تجاريا)، كان هذا هو الانتصار الأول لهذا اللقاح(3).

 

تلا هذا النصر هزيمة جزئية، في أثناء إعلان نتائج(4) المرحلة الثالثة -نوفمبر/تشرين الثاني الماضي- اكتشفنا أن هناك شيئا ما حدث "بالمصادفة"، حيث جاءت النتائج على الجزء الأكبر ممن خضعوا للتجارب لتُشير إلى أن فاعلية اللقاح هي 62% فقط، بعد حصول كلٍّ منهم على جرعتين كاملتين، وفي مجموعة تُقدَّر بنحو 3 آلاف مريض حدث أن تلقّوا بالخطأ نصف جرعة أولى وجرعة كاملة ثانية، لترتفع الفاعلية إلى 90% بهذه المجموعة.

 

لا نعرف بعد السبب(5) في هذا الفارق الكبير بين الحالتين، قد يكون أحد التفسيرات أن الجهاز المناعي يهاجم اللقاح بقوة أكبر إن دخل الجسم بتركيز أكبر، ويتماهى قليلا معه إن دخل إلى الجسم بتركيز أقل، الأمر الذي يُتيح له فرصة أكبر لتكوين أجسام مضادة، أو قد تكون الزيادة التدريجية للجرعة هي عبارة عن محاكاة أدق للإصابة الطبيعية بفيروس كورونا، لا نعرف بعد، وما زالت تلك المصادفة إلى الآن هي أحد أهم الأسئلة البحثية.

تعامل باحثو أسترازينيكا-أوكسفورد مع هذه النتائج بوصفها انتصارا، لأن ذلك يعني حاجتنا إلى كمية أقل من اللقاح، وبالتالي فإنه سينقذ عددا أكبر من الناس، لكنّ السياسيين والعامة تقبّلوا الأمر بشكل مختلف، حيث تصوروا إمكانية حدوث أخطاء أخرى مصادفة مثل تلك التي حدثت فعلا، الأمر الذي عاد بالشركة إلى نقطة الصفر، وأعلنت استكمال التأكد من تجاربها، ووصلت نتائجها النهائية بالفعل في المرحلة الثالثة، لتقول إن اللقاح فعال بنسبة 70%، وهي المتوسط بين النتيجتين: 62% و90%. لكن ما معنى أن يكون اللقاح فعالا بنسبة 70%؟

 

عندما يُجرَّب اللقاح فإننا نقسم الخاضعين للتجارب إلى مجموعتين، الأولى تتلقّى لقاحا حقيقيا، والثانية تتلقّى لقاحا وهميا يعطي الأعراض الجانبية نفسها لكن بلا أثر طبي، لا يعرف المشاركون في التجارب أي اللقاحين تلقوا، بعد ذلك نبدأ بالبحث عن حالات الإصابة بـ "كوفيد-19" داخل المجموعتين، هنا يظهر أن هناك عددا من الحالات ظهر داخل المجموعتين، في حالة لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد(6) فإنه من بين 131 حالة إصابة اكتشفت 30 حالة فقط في حالة اللقاح، والبقية في المجموعة التي أخذت اللقاح الحقيقي، ومع معادلة حسابية بسيطة يظهر أن هذا الفارق قدره 70% فاعلية لصالح اللقاح.

 

حتّى مع وصول النتائج النهائية، كانت الـ 70% ضعيفة مقارنة بلقاحين واعدين هما "لقاح فايزر-بايونتك" مع فاعلية 95%، ولقاح موديرنا الذي حقّق الفاعلية نفسها، ولقاح "سبوتنيك V" الذي حقّق فاعلية 92%، واللقاح الصيني لشركة ساينوفارم الذي حقّق فاعلية مقدارها 79%، لكن في كل الأحوال فإن فاعلية 70% تُعَدُّ أكبر بفارق جوهري من الحد الذي وضعته إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) للفاعلية واتفق عليها الوسط البحثي، وهي 50%، هذا هو ما أوصل لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد في النهاية إلى الحصول على تصريح الإدارة الصحية البريطانية، وكل دول العالم قريبا.

 

لكن على الرغم من أن لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد قد واجه الكثير من المشكلات في خط سيره الطويل، فإنه كان خلال 2020 محط انتباه العلماء والسياسيين حول العالم كله، لعدة أسباب، أولها اقتصادي بحت، حيث كانت شركة أسترازينيكا وجامعة أوكسفورد قد اتفقتا مع الاتحاد الدولي للقاحات "كوفاكس" على أنه خلال الجائحة(7)، فإن إنتاج اللقاح سيكون عملية غير هادفة للربح، السعر المتوقع لجرعة واحدة من لقاح أوكسفورد هو نحو 3-4 دولارات أميركية، يُمثِّل هذا رقما ممكنا في الكثير من الدول، أما لقاح فايزر فمن المتوقع أن يكون سعر الجرعة الواحدة هو رقم نحو 15-20 دولارا، يرتفع الرقم إلى 25-37 دولارا في حالة لقاح موديرنا (يحتاج المريض إلى جرعتين من كلٍّ من هذه اللقاحات).

 

لكن الأهم من ذلك كان اهتمام الكثير من البلاد ذات المستويات المرتفعة اقتصاديا بلقاحَيْ فايزر وموديرنا، الأمر الذي فتح الباب للقاح أسترازينيكا-أوكسفورد كي يسافر إلى الدول متوسطة الدخل والفقيرة، من جانب آخر فإنه يمكن نقل هذا اللقاح بسهولة، الأمر الذي يعطيه ميزة إضافية كبيرة، حيث يمكن تخزينه في درجة حرارة الثلاجة (2-8 مئوية)، أما لقاح فايزر على سبيل المثال فيحتاج إلى درجة حرارة تخزين تساوي 70-80 درجة مئوية تحت الصفر، أما لقاح موديرنا فهو أفضل قليلا، لكنه أيضا يحتاج إلى التبريد حتى 20 درجة تحت الصفر.

فور إعلان فايزر وموديرنا عن بيانات التخزين بدأت بالفعل أزمة كبيرة في سوق المبرّدات حول العالم، وسيتطلّب نقل هذين اللقاحين أعباء اقتصادية إضافية على الدول التي تود الحصول عليهما، ومع سعرهما المرتفع، فإن الكثير من الدول لن تتمكّن من توفير طرق سهلة للحصول عليهما، لهذه الأسباب فإن دولا مثل الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل وضعت رهاناتها بشكل خاص على لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد.

 

وبحسب بيان شركة أسترازينيكا(8)، فإنها ستعمل على إنتاج 3 مليارات جرعة من اللقاح خلال 2021، يعني ذلك إمكانية تلقيح 20% من سكان العالم، إلى جانب ذلك فإن معهد "سيروم" في الهند، الذي تعاقد على صناعة اللقاح نفسه لدول العالم النامي، سيعمل على تصنيع 50-100 مليون جرعة شهريا، تُعَدُّ تلك ميزة إضافية للقاح أسترازينيكا لا تقترب منها أيٌّ من اللقاحات المعروفة، فمثلا تهدف فايزر إلى إنتاج 1.3 مليار جرعة لعام 2021، وتهدف موديرنا إلى 500 مليون إلى مليار جرعة في العام نفسه.

 

بجانب المزايا الاقتصادية الكبيرة، فإن هناك جوانب علمية أكثر دعما للقاح أسترازينيكا-أوكسفورد، أولها أن الطريقة التي صُنع(9) بها كانت بالأساس تهدف إلى إنتاج هائل وسريع في فترة زمنية قصيرة. في عام 2014 حينما تسبّب وباء الإيبولا في قتل 11 ألف شخص، لم يتمكّن أحد من إنقاذهم لأن اللقاحات تأخذ الكثير من الوقت، لذلك هدف فريق بحثي من جامعة أوكسفورد إلى ابتكار آلية يمكنها أن تتجاوز الطرق التقليدية لصناعة اللقاح التي تتضمّن استزراع الفيروس ثم إماتته أو إضعافه من أجل استخدامه لقاحا، الأمر الذي كان يأخذ وقتا طويلا ولا يمكن أن يُنتج بكميات ضخمة.

 

بالتالي فإن لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد مُؤسس بحثيا بشكل أكبر من لقاحَيْ موديرنا وفايزر اللذين يستخدمان تقنية جديدة في التصنيع، فقد بدأ العمل(10) به قبل سنوات من جائحة "كوفيد-19″، في الواقع لقد تلقّى نحو 330 شخصا هذا اللقاح في تجارب لأمراض عدة مثل الإنفلونزا وفيروس زيكا وسرطان البروستاتا، كذلك فإن الأبحاث كانت بالفعل قد بدأت على إمكانية استخدامه في حالات السارس (SARS) والميرس (MERS)، لكن لأن أعداد المصابين، وبالتبعية المتطوعين، في الحالتين كان قليلة، كانت الأبحاث تتوقف في مرحلة ما. ومع ظهور كورونا المستجد، وتمويل خطط اللقاحات بمبالغ طائلة، أصبح الأمر ممكنا.

من جانب آخر، فخلال المرحلة الثالثة للتجارب، اهتم باحثو أوكسفورد بجعل جزء من الخاضعين للتجربة يقوم بفحص نفسه عبر اختبارات تفاعل البوليميريز المتسلسل (PCR)، حتى وإن لم تظهر لهم أعراض، وهذا الأمر لم يحدث في تجارب اللقاحات الأخرى، هنا جاءت النتائج لتقول إن عدد هؤلاء الذين أصيبوا بالفيروس -من دون أعراض- في مجموعة اللقاح كان أقل من هؤلاء الذين أُصيبوا به في مجموعة اللقاح الوهمي.

 

يُشير ذلك إلى إمكانية إضافية للقاح أسترازينيكا-أوكسفورد، إذ لا يمكن لنا بعد الإجابة عن سؤال: هل يمكن أن يمنع اللقاح متلقيه من إصابة الآخرين؟ فنحن نعرف أن اللقاح قد يمنع ظهور الأعراض المتوسطة أو الخطيرة، لكننا لا نعرف إن كان يمنع وجود الفيروس بك بوصفك حاملا للمرض، الأمر الذي يعني بالتبعية إمكانية أن تنشره بين الناس عبر الرذاذ الخارج مع كلامك. إذا كان لقاح أوكسفورد يمنع تلك الحالة، وهو أمر محتمل لكنه غير مؤكد بعد ولا تزال هناك اختلافات بحثية حوله(11)، فنحن أمام لاعب هو الأهم بين كل اللقاحات لا شك، لأنه اللاعب الوحيد الذي يمكنه تسديد ضربة نهائية للجائحة.

 

في كل الأحوال، خلال أسابيع قليلة سيتمكن الملايين من الناس، في بريطانيا بشكل رئيسي، من تلقّي الجرعة الأولى من اللقاح، وخلال الشهور القادمة سيبدأ توزيع اللقاح في مناطق أخرى حول العالم، ومنها بعض الدول العربية، لن تتضح الصورة إلا بحلول نهاية هذا العام أو النصف الأول من 2022، عندها يمكن أن نجيب عن السؤال الأهم في حياتنا حاليا: متى ينتهي هذا الوباء، وهل ستتمكّن أكبر عملية تلقيح في تاريخ البشر من إنقاذنا حقا؟!

————————————————————————-

المصادر

  1. AstraZeneca’s COVID-19 vaccine authorised for emergency supply in the UK
  2. How the Oxford-AstraZeneca Vaccine Works
  3. Safety and immunogenicity of the ChAdOx1 nCoV-19 vaccine against SARS-CoV-2: a preliminary report of a phase 1/2, single-blind, randomised controlled trial
  4.  AZD1222 Oxford Phase III trials interim analysis results published in The Lancet
  5. Oxford-AstraZeneca vaccine is cheaper than Pfizer’s and Moderna’s and doesn’t require supercold temperature
  6. AZD1222 Oxford Phase III trials interim analysis results published in The Lancet
  7.  The Oxford-AstraZeneca Vaccine Approval May Be the Most Globally Important Yet
  8. AZD1222 vaccine met primary efficacy endpoint in preventing COVID-19
  9. Oxford vaccine: How did they make it so quickly?
  10.  المصدر السابق
  11.  Does the AstraZeneca Vaccine Also Stop Covid Transmission?
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة