"أعلى السنوات حرارة في التاريخ".. لأن 2020 لم تكن فقط سنة الجائحة!

خلال الأيام الأولى للإغلاق بسبب انتشار "كوفيد-19" حول العالم، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أخبار متنوعة تقول إن "الطبيعة تتنفس"، بسبب انخفاض واضح لنِسَب التلوث الخارج من المصانع وعوادم السيارات، كان انتشار هذه الأخبار هائلا لدرجة نشوء موجة مضادة من الميم الساخر بعدها، لكن في أثناء تلك المعركة الافتراضية، الممزوجة بالكثير من الضحك والوجع بسبب الجائحة، لم يكن أحد ليعرف أن الطبيعة في 2020 تحديدا لم تكن تتنفس، بل كانت تختنق!

 

قبل عدة أسابيع أعلن(1) باحثون من وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) أن تحليلا أخيرا لمتوسطات درجة الحرارة، أخذ قراءات من 26 ألف مكان حول العالم، أفاد بأن عام 2020 كان الأعلى حرارة بفارق أكبر من 1.2 درجة مئوية عن المتوسط، منذ بدأ تاريخ هذا النوع من القياسات قبل نحو قرن ونصف، الأمر الذي يُشير إلى أن الاحترار العالمي ما زال مستمرا بنمط متصاعد، ويبدو أنه لن يتوقف قريبا.

جاءت تلك النتائج لترفع 2020 بفارق طفيف جدا عن عام 2016، الذي كان خلال الفترة الماضية صاحب هذا الرقم القياسي، وبسبب صِغَر هذا الفارق، مع درجة عدم يقين في هذا النوع من القياسات، فإن هذا العام -في كل الأحوال- يقبع مع 2016 و2019 بوصفهم أعلى السنوات حرارة في تاريخ القياس، في الواقع فإن آخر سبع سنوات، في الأساس، هي السنوات الأعلى حرارة في تاريخ القياس كله!

 

كانت نِسَب تلوث الهواء قد انخفضت(2) بالفعل في 2020، وبسبب الإغلاقات الواسعة للمصانع وانخفاض استهلاك الوقود بشكل جذري انخفضت كميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة في الغلاف الجوي، لكن المشكلة أن طفرة واحدة انخفضت خلالها الانبعاثات لا يمكن أن تقاوم التراكم الهائل لطفرات أخرى تصاعدت معها انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مدى عقود مضت.

 

في الحقيقة كانت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تتسارع خلال السنوات السبعة عشرة السابقة، وبحلول نهاية عام 2016 تخطّت(3) نِسَب ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي حاجز الـ 400 جزء من المليون (ppm) لأول مرّة في تاريخنا البشري، فخلال أربعمئة ألف سنة مضت تراقص الرقم بين 160-300 جزء من المليون فقط.

تدخل أشعة الشمس للأرض بشكل مستمر كل لحظة، ثم تمتصها الأخيرة وتنفثها للفضاء مرة أخرى، لكن بارتفاع نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي (ثاني أكسيد الكربون بصورة خاصة) ترتفع قدرة الغلاف الجوي على حبس جزء من تلك الأشعة ومنعه من الخروج، ما يتسبّب في احترار الغلاف الجوي، هذا هو ما نعرفه جميعا باسم تأثير الصوبة الزجاجية، وترى 95% من الأعمال البحثية في نطاق المناخ أن سبب تلك الكارثة هو النشاط البشري(4).

 

كل جزيء من ثاني أكسيد الكربون نطلقه للغلاف الجوي عبر الوقود الأحفوري المنبعث من السيارات والمصانع لا يذهب بعيدا، سيظل في الغلاف الجوي مشاركا في الدورة السنوية لثاني أكسيد الكربون، حيث يأخذ النبات كمًّا محددا ويترك الباقي لنا، ولا مكان آخر ليذهب إليه غير التحوُّل إلى كربونات كالسيوم في أغلفة بعض الكائنات البحرية، لكن ذلك يحتاج إلى عدة آلاف من السنين لكي يتحقق.

 

يعني ما سبق، بالإضافة إلى عدة معايير أخرى لم نتحدث عنها، أننا سوف نحتاج كذلك إلى وقت طويل كي نسترد الأرض كما كانت قبل نحو قرن ونصف، بل وترى بعض الأعمال البحثية أن خفض درجات الحرارة إلى مستوى متوسط، هذا لو قرّرنا أن نتوقف عن نفث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي الآن، يحتاج إلى أن ننتظر أربعين عاما كاملة(5)، ما يعني أننا بالفعل قد أنجزنا من الكوارث ما سوف ننتظره أربعين سنة كاملة لكي يتحقق بوتيرة متصاعدة.

 

في الواقع، يُخطئ الناس حينما يظنون أن ارتفاع متوسطات درجات الحرارة العالمي بمعدل نحو درجة واحدة مقارنة بما قبل الثورة الصناعية هو أمر بسيط، فيتخيّل الواحد منّا أن ذلك يعني أن تكون درجة الحرارة بالصيف 36 لتصبح 37 درجة، وبالتالي فلا حاجة إلى القلق فهي الحرارة نفسها تقريبا، لكن الأمر للأسف يمتد إلى ما هو أعمق من ذلك.

 

فالمنظومة البيئية بشكل عام، والمناخية بالخصوص، هي منظومة معقّدة (Complex System)، يعني ذلك أن أبسط التغيرات فيها تتطور شيئا فشيئا لتُؤثِّر على مقياس كبير، بالنسبة للمناخ فإن ذلك يظهر بوضوح في حالات الشذوذ المناخي، كالموجات الحارة والباردة، والأعاصير والعواصف الرملية والترابية، ويأتي الجفاف على رأس ذلك جميعا، تزداد شدة ومعدلات حدوث تلك الظواهر للضِّعْف مع ارتفاع متوسطات درجات الحرارة.

 

على سبيل المثال، في سبتمبر/أيلول 2015 اجتاحت عاصفة رملية شديدة منطقة الشرق الأوسط(6)، ربما لاحظت ذلك فقد وُصِفت وقتها بأنها استثنائية، بسبب ذلك عكف فريق من باحثي جامعة برينستون على دراسة تلك العاصفة، لتقول النتائج إن الاحترار العالمي كان سببا رئيسيا في تلك المفاجأة القاسية، حيث رفعت حالة الجفاف التي تضرب شرقي البحر الأبيض المتوسط من كمية الغبار المتاحة للعاصفة، ما غذّى قوتها.

 

وفي بعض الأحيان يتطرف الأمر إلى مستويات أشد قسوة، ويمكن هنا أن نتذكر ما حدث في العام 2010، حيث تَسبَّبت موجة حارة هائلة في وفاة أكثر من 50 ألف شخص في روسيا(7)، الموجة التي قضت على محصول القمح مما أدّى إلى خسائر اقتصادية تجاوزت 15 مليار دولار، أما في بدايات صيف(8) العام 2015، فقد اجتاحت موجة شديدة الحرارة الهند وقتلت أكثر من ألفَيْ شخص، ثم مرت إلى باكستان وقتلت ألفَيْ شخص أيضا.

 

أما في منطقتنا العربية فإن أزمة المياه هي خير مثال، خاصة حينما نعرف من دراسة أجرتها وكالة ناسا قبل عدة أعوام أن منطقة شرقي البحر الأبيض المتوسط تتلقى موجة جفاف هي الأعنف منذ ألف سنة، ومن المتوقع خلال أقل من عقدين أن تدخل 33 دولة في العالم منطقة الفقر المائي الشديد منها 13 دولة عربية (تونس، المغرب، الجزائر، سوريا، الأردن، العراق، اليمن، ليبيا، فلسطين، الإمارات، البحرين، الكويت، قطر)(9).

من جهة أخرى فإن الثلوج في جبال العالم وقارته الجنوبية تذوب يوما بعد يوم، يغير ذلك من طبيعة الحياة في مياه الكوكب، ويرفع كذلك من مستويات بحاره بحيث أصبح متوقعا أن تغرق الكثير من المدن الساحلية بحلول نهاية القرن، الأمر الذي قد يتسبَّب في هجرات مليونية تؤثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي.

 

حدث ذلك من قبل، وسيحدث مجددا. في العام الفائت فقط تسبَّبت العواصف، والفيضانات، والجفاف، في إبعاد نحو 18 مليون شخص عن منازلهم، يتوقّع علماء المناخ أنه خلال ثلاثة عقود فقط سيضطر 200 مليون شخص أن يفعلوا الشيء نفسه بسبب التغير المناخي، لذلك ظهر مؤخرا اصطلاح جديد وهو "مهاجرو المناخ"، إنهم هؤلاء الذين دفعهم التغير المناخي للهرب من منازلهم، وكلما كانت ضربات المناخ أقوى وأكثر ترددا، تصاعدت تلك الهجرات بالمثل.

 

لكن، في تلك النقطة ربما قد تسأل: لِمَ لا نبحث عن حلول لتلك المشكلات؟ فإذا كنّا متأكدين من أن التغير المناخي يحدث بالفعل، وأنه يتسبَّب في مشكلات ثقيلة لنا ولكل أشكال الحياة على سطح الأرض، فلِمَ لا نجتمع ونحاول حل تلك المشكلات فورا وإلى الأبد؟ فكرة رائعة، لكن الحياة ليست عادلة للأسف، ولا تتم الأمور بتلك المثالية.

 

أنت تسمع كثيرا عن التغير المناخي هذه الأيام، أصبحت تعرف -سواء عبر الإنترنت أو الموجات الحارة التي لفحتنا خلال السنوات السابقة- أنه يحدث بالفعل وأن لنا دورا فيه، لكن الأمر لم يكن هكذا قبل عدة عقود، فما إن بدأ العلماء في إثارة المشكلات المتعلقة بالتغيرات المناخية حتّى انهالت رؤوس الأموال من شركات الطاقة في الجهة المقابلة، الشركات المسؤولة عن نفث ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي.

لذلك، فإنه يمكن لأي شخص ملاحظة وجود انفصال مذهل بين ما هو ضروري لتجنُّب تغير المناخ الخطير جدا وبين ما أُنجِز على مستوى العالم حتى الآن، وبحسب دراسة صدرت في دورية نيتشر(10) في مايو/أيار 2019، فإن سبب ذلك هو الضغط السياسي الشديد من أجل منع اتخاذ قرارات بيئية حاسمة في هذا الشأن.

 

في الواقع، يمكن تقدير حجم الإنفاق من أجل الضغط السياسي على المبادرات المناخية خلال العقدين الماضيين بنحو مليارَيْ دولار، وكانت دراسة أجرتها جامعة دريكسيل(11) قد توصلت، في عام 2013، إلى أن شريحة كبيرة من التبرعات للمنظمات التي تُنكر الاحترار العالمي تُمرَّر من خلال شركات تُخفي الممول الأصلي، وفي أثناء ذلك كله لم نرَ إلى الآن تحرُّكات واضحة من أجل الحد من آثار الاحترار العالمي، فقط جدل هنا وجدل هناك، والمزيد من الصراعات السياسية بينهما.

هذا هو ما دفع جيمس هانسن(12) (James Hansen)، الفيزيائي السابق من وكالة ناسا وصاحب اللقب الشهير "أبو التوعية بالتغير المناخي"، للتصريح قبل سنوات قليلة بأنه لا حل مباشر لهذه الكارثة إلا بمقاضاة الشركات الكبرى المسؤولة عن بث ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوّي، حيث -صدِّق أو لا تُصدِّق- إن هناك مئة(13) شركة فقط في العالم هي المسؤولة عن بث 71% من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

 

لهذا السبب كان فريق من 11 ألف عالِم من 153 دولة، في ورقة بحثية صدرت قبل نحو العام(14)، قد قرّروا إعلان حالة الطوارئ المناخية في رسالة عالمية جاء فيها أن علماء العالم يحملون واجبا أخلاقيا لتحذير الناس من المخاطر القادمة، وأن الوقت المسموح لاتخاذ القرار قد بدأ في النفاد. يرى العلماء في بيانهم أن هناك ستة معايير يجب أن يعمل سياسيو العالم على تحقيقها.

تتضمّن تلك المعايير وقف استخدام الوقود الأحفوري وكذلك الملوثات البيئية الضارة مثل الميثان والكلوروفلوروكربونات، والحفاظ على المنظومة البيئية من التلف خاصة أنها تواجه مشكلات بسبب التغير المناخي بالفعل، والتقليل من اللحوم في الحميات الغذائية ودعوة الناس لإكثار الخضراوات والحبوب، لأن ذلك يمنع استغلال المساحات الخضراء وكذلك نفث الميثان الناتج من تربية الأبقار، كذلك ألمح الفريق إلى ضرورة ضبط عدد السكان على الكوكب، وتعديل الاقتصاد بحيث يكون خادما، أو بمعنى أوضح "مُتربِّحا" من المنظومات التي تحمي البيئة والمناخ.

 

خلال عام مضى، كان كل تركيزنا على خطر "كوفيد-19″، وانخفض الاهتمام الجماهيري بقضايا التغير المناخي، خاصة في الوطن العربي، وظن البعض أن هذه المشكلة تحل من تلقاء نفسها طالما لم نعد نسمع عنها، لكن الفكرة فقط أن انشغال وسائل الإعلام بالجائحة فوّت الإعلان عن نتائج التغير المناخي التي تتوصل إليها الأعمال البحثية في هذا النطاق يوما بعد يوم، وجميعها -للأسف- ليست في صالحنا.

——————————————————————————————————-

المصادر

  1. 2020 Tied for Warmest Year on Record, NASA Analysis Shows
  2. المصدر السابق
  3. Climate Change: Atmospheric Carbon Dioxide
  4. The Role of Human Activity
  5. If we stopped emitting greenhouse gases right now, would we stop climate change?
  6. Giant Middle East dust storm caused by a changing climate, not human conflict
  7. The Russian heatwave of summer 2010
  8. India heat wave kills thousands
  9. حروب المياه، هل أصبح الوطن العربي غير كافٍ لسكانه؟
  10. The social cost of lobbying over climate policy
  11. "Dark Money" Funds Climate Change Denial Effort
  12.  Fight Climate Change by Suing Polluters, Says Scientist
  13. The Carbon Majors Database CDP Carbon Majors Report 2017
  14. World Scientists’ Warning of a Climate Emergency 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة