فيلم "Soul".. هل يمكن لشغفنا بما نعمل أن يحوّلنا إلى تعساء؟

لا يمكن أن تجد كتابا لأحد روّاد إدارة الأعمال أو مدربي التنمية البشرية على حدٍّ سواء إلا ويتحدث عن السعي بشغف شديد خلف أهداف محددة من أجل تحقيقها، تميل تلك الكتب في بعض الأحيان إلى تصوير حياتنا على أنها أشبه ما يكون بسباق ماراثون طويل، وأنه كلما كنّا أكثر تركيزا على أهدافنا، كنا كذلك أقرب لتحقيقها.

 

بشكل عام، يمكن القول إن وضع أهداف لحياتنا يساعدنا على أن نصبح أكثر رضا وسعادة. في الواقع، كان فريق من جامعة بازل السويسرية قد حاول فحص تلك النقطة في دراسة نُشِرت(1) قبل عامين في دورية "يوروبيان جورنال أوف بيرسوناليتي"، تتبّع هذا الفريق نحو ألف شخص لمدة أربع سنوات، طُلب إليهم قبل البدء في التجارب استعراض أهدافهم في مجالات عدة مثل الصحة والعمل والعلاقات والثروة والشهرة، إلخ.

 

بعد انتهاء مدة التجارب، فحص باحثو الفريق هذه العينة بحثا عن معايير الرضا عن أنفسهم وطريقة حياتهم، ليجدوا أن عدد الأهداف لم يكن أبدا معيارا للرضا، بل فقط مقدار واقعيتها حتى وإن لم تكن تحققت بعد، هذا لأن الناس -ببساطة- يكونون أكثر رضا إذا كان لديهم شعور بالسيطرة وإمكانية الإنجاز، الإمكانية نفسها قبل الإنجاز نفسه.

عنوان ميدان

لكن تلك الصورة قد تنعكس في حالة واحدة تتعلق أيضا بالأهداف، حالة تكون فيها كل حياتنا متمحورة فقط حول هذا الهدف. في فيلم "Soul" الصادر مؤخرا، من إنتاج شركة "بيكسار"، فإن جو غاردنر، مدرس الموسيقى بإحدى المدارس الإعدادية من مدينة نيويورك، شخص شغوف جدا بموسيقى الجاز، يحلم أن يعمل بدوام كامل عازف بيانو بأشهر فِرَق هذا النوع من الموسيقى، وكان طوال حياته يُركِّز فقط على هذا الأمر، يتمرّن على البيانو بشكل دائم، ويتحدث فقط عن الجاز، هذا إن أسعفه الوقت للقاء أحد الأصدقاء من الأساس، لأنه طوال الوقت مشغول بأحلامه الموسيقية.

ماذا لو كان ما يفعله غاردنر، على قدر ما يبدو عليه من أهمية ورصانة، يمشي في الطريق الخاطئ؟ عكس اتجاه الرضا والسعادة التي يتمناها كلٌّ منا لحياته، في تلك النقطة دعنا نتأمل نتائج دراسة(2) صدرت قبل خمسة أعوام من جامعة ووترلو فحصت نحو 600 لاعب ولاعبة في رياضات مختلفة، لتجد تناسبا طرديا بين قدر شغف هؤلاء بما يمارسونه من رياضات، ومدى تساهلهم في استخدام الأدوية المنشطة، التي عادة ما تكون ذات أثر خطير على صحتهم.

 

نتائج شبيهة حصلت عليها دراسة(3) من جامعة "جنوب أستراليا" صدرت في فبراير/شباط من العام الماضي، حيث وجدت أن قدر شغف البعض، ضمن عيّنة من نحو 240 شخصا، برياضة الجري يتناسب طرديا مع احتمالات إصابتهم، لأنهم يميلون بشكل أكبر لإرهاق أنفسهم أثناء التمرين، كذلك فإنهم لا يأخذون الوقت الكافي للراحة.

 

هذا غريب حقا، لكنه يتفق مع ما يقوله أستاذ علم النفس من جامعة كيوبيك الكندية، روبرت فاليراند، في كتابه "سايكولوجيا الشغف"، حينما يشرح أننا نُخطئ بوضع تصورات إيجابية دائما عن الشغف، لأنه قد يرتبط في بعض الأحيان بأفكار ومشاعر سلبية، ويُسمي فاليراند هذا النوع بـ "الشغف الهوسي" (Obsessive passion)، وهو حالة من الهوس القهري بأهدافنا بحيث لا نرى إلا تلك الأهداف في حياتنا، متجاهلين كل ما يحيط بنا من أشياء وعلاقات مهمة، الأمر الذي يفتح الباب لاختيارات ضارّة، نتغاضى عن ضررها في سبيل تحقيق تلك الأهداف.

روبرت فاليراند
كتاب "سايكولوجيا الشغف" لروبرت فاليراند

 

عنوان ميدان

في كتابه "معنى الحياة" يشرح ألفريد أدلر، الطبيب النفسي النمساوي مؤسس مدرسة علم النفس الفردي، أن معنى حياتنا لا يتحقق فقط بالإنجاز في العمل، وإن كان ذلك ضروريا، لكن ينضم إليه نطاقان يجب أيضا أن نُحقِّق قدرا من الإنجاز فيهما، وهما العلاقات العاطفية، وخدمة العالم المحيط بنا.

 

يرى أدلر أنه إذا كنّا نعمل في نطاق نحبه، ونُحقِّق قدرا معقولا من التقدُّم فيه، وإذا كنّا كذلك مستقرين عاطفيا، أي نحصل على، ونعطي، الحب العاطفي بشكل منتظم، وإذا كنّا كذلك قادرين بشكل مستمر على تقديم خدمات صغيرة إلى المجتمع من حولنا، فإن ذلك يعطينا قدرا مناسبا من الرضا عن ذواتنا وعن العالم المحيط، وهو ما يخلق السعادة.

 

في الواقع، تؤيد بعض الأعمال التجريبية النقطة الأخيرة، على سبيل المثال، ترى إليزابيث دان(4) -ورفاقها من جامعة "بريتش كولومبيا"- أن إحدى أهم الطرق التي يمكن أن تتسبّب في درجات أكبر من السعادة هي إنفاق جزء مما نمتلك على الآخرين، وفي تجاربهم حصل المشاركون على مبلغ مالي ثم طلب إليهم الاختيار بين حالتين، إما أن يأخذوه كاملا وإما أن يعطوا جزءا منه لحملة علاج سرطان أو أشياء شبيهة، بدون أي إجبار ودون أن يعرف أيٌّ من أفراد المجموعة بذلك، وبقياس معدلات السعادة الخاصة بهم وُجِد أن هؤلاء الذين أنفقوا من أموالهم قد سجّلوا درجات أعلى.

Donation

لكن النقطة الأهم، بحسب الطبيب النفسي الأميركي وليام جلاسر(5)، ترتبط بالعلاقات مع الآخرين، بشكل عام وليس الجانب العاطفي فقط، حيث يرى جلاسر أن شعور الإنسان بالاندماج والانتماء إلى محيطه من الناس مهم لدرجة أن افتقاده قد يدفع للاضطراب النفسي في مرحلة ما، فالواحد منّا يرى العالم -بشكل أو بآخر- في عيون المحيطين به.

 

ويُطوِّر جلاسر فرضيته قائلا إن ذلك ينطبق على أية مرحلة عمرية، بمعنى أن علماء النفس السابقين له تحدّثوا عن أثر الانعزال عن الآخرين في الطفولة على مستقبلنا، لكن بحسب جلاسر فإن علاقتنا بالناس من حولنا تترك أثرها السلبي أو الإيجابي في حياتنا بشكل مستمر، ويقول إن سبب هذا الشعور بالبؤس، الذي يتخلّل حياتنا بشكل عام، هو أن علاقاتنا بالآخرين ليست سوية.

 

حينما يضع الواحد منّا كل تركيزه على شيء واحد فقط، وهو هدفه أو حلمه العملي، فإنه قد يفوّت العمل على علاقاته، الأمر الذي قد يُفقده السعادة في أثناء سعيه نحو ما يتصوّر أنها السعادة حقا، ليقف مثل غاردنر، في لحظة تحقيق ما أراد بالضبط، بعد سنوات طويلة من الصبر، ليقول إنه ظن أن شعوره في تلك اللحظة سيكون مختلفا عما يشعر به الآن، هذا بالضبط هو ما ينتج عن إهمالك لكل شيء آخر في محيطك مقابل هوسك بشيء واحد فقط.

غاردنر

بل قد يتطوّر الأمر إلى ما هو أسوأ من ذلك، هذا الهوس بأحلامنا، أي ما لا نمتلك بعد من إمكانات، قد يفوّت علينا فرصة مهمة للشعور بالرضا عما نمتلكه بالفعل، بحسب(6) كينون شيلدون وسونجا ليبورميرسكي من جامعتَيْ ميزوري وكاليفورنيا الأميركيتين، فإننا نعتاد ما نمتلك مع الوقت، فلا نشعر بوجوده. يمكن أن نُطبِّق ذلك على كل شيء، بداية من الملابس والهواتف والسيارات التي قمنا بشرائها يوما ما، وتلك العلاقات التي ننتمي إليها، وكل ما يُحيط بنا من أشياء وصولا إلى نسيم الصباح البسيط أو فقط غروب جميل.

 

في تلك النقطة يرى شيلدون وليبورميرسكي أن أفضل حل لتجاوز تلك المشكلة هو أن نتعلّم الالتفات إلى ما لدينا ونُقدِّره عبر التمرُّن باستمرار على تذكير نفسك -من حين لآخر- بمزايا ما تمتلك، وفي التجارب الخاصة بهذين العالِمين كان هؤلاء الذين ذُكِّروا بما حصلوا عليه أكثر سعادة ممن لم يُذَكَّروا، إنه -ببساطة- مفهوم "الرضا" أو "الشكر" أو "الحمد"، تحدّثت فيه كل الديانات والفلسفات تقريبا.

 

الأمر إذن معقد، حيث يضعنا بين فكرتين تبدوان للوهلة الأولى متضادتين. فمن ناحية، نحن نعرف، مثل غاردنر، أنه لا توجد أسرار للنجاح، لكنه شيء تحصل عليه عبر الاستمرار لمُدد طويلة نسبيا في تمارين مملة جدا على عمل ما، يُمكِّنك ذلك في النهاية من اكتساب قدر مناسب من الخبرة -عادة نسميه "الإبداع"- في دقائق عملك التي لا يفهمها حتى زملاؤك المتخصصون فيه.

غاردنر

ومن ناحية أخرى، فإن اللهث خلف أحد أحلامنا، في أثناء السعي نحو تحقيقه بكل طريقة ممكنة، قد يمنعنا عن إدراك ما نفوّته من أشياء مهمة تتعلق في مجملها بالاستمتاع بما نمتلكه الآن، من علاقات وأشياء، إدراك أن اللحظة الحالية لا تختلف في أهميتها عن أحلامنا المستقبلية، في الواقع يقوم نطاق كامل في علم النفس حاليا، يسمى "التيّقظ" (Mindfulness)، على الإدراك الواعي للحظة الحالية.

 

لكن في النهاية، يجب أن نُدرك أن هناك خيطا رفيعا جدا بين أن تتحكّم أهدافنا فينا، وأن نتحكّم فيها، إذا تحوَّل الشغف إلى هوس فإن الواحد منا قد يفقد أهم ما يدفعه للمُضي قُدما في حياته من الأساس، وهو شعوره أنه يمتلك القدرة على الاختيار، بعضا من حرية الإرادة.

—————————————————————————————

المصادر

  1.  A Closer Look at Life Goals across Adulthood: Applying A Developmental Perspective to Content, Dynamics, and Outcomes of Goal Importance and Goal Attainability
  2. Athlete passion linked to acceptance of performance enhancing drugs
  3. Mental Recovery and Running-Related Injuries in Recreational Runners: The Moderating Role of Passion for Running
  4. Spending Money on Others Promotes Happiness
  5. Choice Theory A New Psychology of Personal Freedom William Glasser
  6. The Challenge of Staying Happier: Testing the Hedonic Adaptation Prevention Model
المصدر : الجزيرة