"تحرش في غرفة العلاج".. ما الذي يجب أن تعرفه قبل الذهاب إلى طبيب أو معالج نفسي؟

خلال الأشهر القليلة الماضية، تنامت في وسائل التواصل الاجتماعي المصرية نسخة جديدة من حملة #Me_Too العالمية، حيث بدأت شهادات عدد من ضحايا التحرش والاغتصاب في التواتر شيئا فشيئا بنمط متصاعد، بدأ الأمر من قضية أحمد بسام زكي، طالب الجامعة الأميركية المتهم بالتحرش وهتك عرض عدد من الضحايا (من الجنسين)، ووصل بينما نتحدّث إلى ما يُعرف إعلاميا باسم "جريمة الفيرمونت".

 

لكن خلال شهر واحد فقط ظهرت حالتان تشاركتا في آلية تحرش واحدة، وهي استغلال العلاج النفسي للسيطرة على الضحية، لم تثبت الاتهامات إلى الآن، لكن الاتهام الأول(1) كان لصحفي استقصائي ادّعى بعض المعرفة بالعلاج النفسي واستغل ذلك لإخضاع الضحايا، أما الحالة الثانية(2) فكانت لطبيب نفسي من مدينة طنطا المصرية.

 

وبغض النظر عن صدق هذه الاتهامات من عدمه، فإن المشكلة هنا تتعلّق بالعلاقة بين الطبيب أو المعالج النفسي والمريض، وهي علاقة خاصة جدا كما يمكن أن تتصوّر، أحد أسوأ أيام حياتنا هو ذلك الذي نُقرِّر فيه الذهاب إلى غرفة العلاج، كذلك فإن الواحد منا يكون في أضعف حالاته، الأمر الذي قد يُعطي الطبيب أو المعالج الفرصة لممارسة سلطة عليك(3)، من أي نوع كان جنسيا أو عاطفيا، ويمكنه إجبارك على السكوت عبر سُبُل عدة للتخويف، لكن على الرغم من ذلك فإن السبب الرئيسي لهذا النوع من الاستغلال قد يكون متعلِّقا بما تعرفه عن الشكل المتوقَّع لهذه العلاقة.

 

في مجتمعاتنا، نحن بعيدون بشكل كبير عما يعنيه العلاج النفسي، وما زال الكثيرون يعتبرون المرض النفسي وصمةَ عار، لا نتناقش في موضوعاته أو نتحدّث عنه، دعم ذلك جهل متفاقم حوله فبات طبيعيا أن يُصدِّق أحدهم الطبيب حينما يُخبره أن بعض العنف الجسدي أو اللفظي ضده أو ملامسة جسده أو التقرُّب منه عاطفيا هو وسيلة علاج، جعله كذلك يتخبّط في فهم حدود العلاقة بينه وبين الطبيب أو المعالج، لكن هل تعرف أن الجمعية الأميركية لعلم النفس تضع حدًّا أدنى للدخول في علاقة عاطفية مع المريض مدته عامان كاملان بعد آخر جلسة؟

 

في الواقع فإن الأمر مُعقّد لدرجة أنه حتّى بعد عامين(4) فإن الطبيب النفسي أو المعالج يتحمّل مسؤولية كاملة عن أية كوارث قد تحدث أو أي اتهام بالاستغلال من الطرف الآخر، ويُعاد النظر في طبيعة المرض وطبيعة العلاقة العلاجية بينهما إذا حدثت اتهامات من هذا النوع، وإذا ظهرت أي إشارة أو تلميح أو استغلال لحالة ضعف المريض أو المُستشير من قِبَل المعالج فإن العقاب يكون كبيرا ويبدأ بمنعه من ممارسة مهنته مرة أخرى، بجانب عدد من الدعاوى القضائية.

 

لذلك فإن حالات العلاقات العاطفية بين الطبيب أو المعالج والعميل تعتبر استثنائية في هذا الوسط، ويُنظر إليها بدرجة من الاستغراب، وقد تتأثر سمعة المعالج المهنية في المطلق لو انتشر الخبر، حتى لو كان احترافيا بما يكفي وطبّق كل القواعد، لأن القاعدة الأساسية هي أنه "لا توجد علاقة عاطفية مع العميل أو المريض في المطلق"، وما دون ذلك -حتى لو كان قانونيا- يُعَدُّ استثناء.

 

لا يعرف الكثيرون منا ذلك، حينما تدخل للطبيب أو المعالج النفسي فإنك تتصوّر أنه أشبه ما يكون بـ "ساحر" أو "شخص لطيف" وظيفته هي التربيت على كتفك والتلفُّظ -من حين لآخر- بكلمة "معلش"، لكنه ليس كذلك، بل هو شخص درس لفترة طويلة من الزمن وتلقّى تدريبا لعدد ساعات كافٍ يؤهّله أن يتعامل باحترافية مع حالة مَرَضية بعينها عبر برنامج علاجي مكتوب في المراجع، هذا النوع من الحرفية يُترجم كذلك في العلاقة بينه وبين المريض أو المُستشير، فهي -بسبب طبيعتها التي تتضمّن دخولا إلى نفوس الناس- تقع تماما على الخط الفاصل بين الصداقة والعمل.

 

يجب أن يكون المعالج قريبا كفاية منك، لكن ليس لدرجة أن يصبح صديقا(5)، يمكنه أن يساعدك في حل أعمق مشكلاتك وأكثرها حميمية في بعض الأحيان، لكن العلاقة بالكامل تخضع لقانون "وقت مقابل المال"، في الواقع فإن الأجر الذي تُقدِّمه مقابل جلسات العلاج النفسي لا يحفظ فقط حق المعالج أو الطبيب المادي، لكنه يُحدِّد طبيعة هذه العلاقة، بل إن واحدة من علامات فساد العلاقة العلاجية هي أن يتحرّج المعالج من طلب مبلغ إضافي للجلسات الإضافية.

 

لذلك فإن شيئا بسيطا كأن يكون هناك "مكتب" بين المعالج والمريض هو نقطة أساسية في العلاج، حيث إنه أداة لتوضيح مهنية العلاقة، أما شيء آخر ببساطة رسائل فيسبوك أو واتساب فهو أيضا محل حذر شديد، من المفترض ألّا تتخطى العلاقة غرفة العلاج، إلا بالطبع لظروف استثنائية، كأن يساعدك المعالج في تجربة ستقوم بها لتخطّي حاجز الخوف من المرتفعات مثلا، أو أن تتصل به في حالة طارئة، أما غير ذلك فإن الأساس هو الغرفة العلاجية فقط.

 

من جهة أخرى يشعر البعض أن المعالج أو الطبيب النفسي لديه الحق لفعل ما يريد أو التدخُّل فيما يريد لأن ذلك جزء من تخصصه، لكن هدف المعالج أو الطبيب هو حل مشكلة بعينها، سواء كانت القلق أو الاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب أو حتى إن كان الأمر في نطاق الاستشارات غير المَرَضية، كذلك فإنه سيتّبع برنامجا لا يحل كل مشكلة على حِدة، ولكنه سيبدأ، في الجلسات الأولى، بتعريفك بطبيعة المشكلة العامة، ثم يُعلِّمك خلال الجلسات التالية آليات تساعدك على حلها.

 

بمعنى أن المعالج لن يتدخّل ليحل لك مشكلات حياتك، فهو ليس أباك أو أمك (اللذين ليسا من المفترض أن يفعلا ذلك بدورهما)، لكنه يعطيك الآليات التي تخرج من غرفة العلاج لتستخدمها، بالتالي لا يجب عليك أن تراسله كلما قال أحدهم لك كلمة سيئة على سبيل المثال، أو يمكن أن نُلخِّص الفكرة فيما يقوله المثل الشهير: "لا تعطني سمكة ولكن علّمني كيف أصطاد". هناك فارق شاسع بين أن يتدخّل المعالج في حياتك الشخصية، وأن يُعلِّمك كيف تتعامل مع مشكلاتك، وهو الفارق نفسه بين عدم المهنية والمهنية في العمل، ليس من المفترض أن يحاول المعالج التدخُّل في حياتك، وليس من المفترض أن تحاول التدخُّل في حياته.

 

وبسبب طبيعة تلك العلاقة العلاجية الخاصة جدا، فإن هناك أمورا ناقشها متخصصو العلاج النفسي على مدى قرن مضى، أمورا قد تبدو بالنسبة لك بديهية أو سطحية أو لا تحتاج إلى كل ذلك النقاش، لكنها في الواقع أساسية لبناء حدود قوية قدر الإمكان في العلاقة بين المريض أو المُستشير مع معالجه أو طبيبه.

 

لفهم مدى عمق تلك الفكرة دعنا نبدأ بالهدايا(6) على سبيل المثال، من المفترض -في العموم- ألّا توجد هدايا بين المُعالج والمريض، فهي دائما ما تعني شيئا، وإذا حدث وجاء المريض بهدية إلى المعالج فينبغي أن يتناقشا في سبب ذلك، لأنها قد تكون محاولة من المريض للفت انتباه المعالج، أو شعورا بالذنب ناحيته، أو محاولة للتقرُّب العاطفي، وهو أسوأ التوقُّعات. في الجانب الآخر فإن إعطاء المعالج هدية للمريض يجب أن يكون في سياق العلاج، كأن تكون الهدية كتابا يساعده في تجاوز مشكلاته.

 

وفي كل الأحوال، بالنسبة للهدايا باهظة الثمن، مثل سيارة أو حُلِيّ ذهبية أو بزّة باهظة الثمن، أو تلك التي قد تحمل معنى غير لائق، كالملابس الداخلية أو المثيرة على سبيل المثال، أو دعوة إلى سهرة في أحد الأماكن الرومانسية، أو حتى لو كانت مجرد ميدالية عليها اسم الشخص، فإنها مرفوضة تماما، خاصة من الجنس الآخر، أما الهدايا الرخيصة، في نطاق عدة دولارات أو ما يقابلها من عملتك المحلية، فإنها -في بعض الأحيان- قد تكون مقبولة لتقوية العلاقة العلاجية، الكتب عادة مثال جيد.

 

نموذج آخر مهم يستحق الانتباه وهو عنصر التلامس الجسدي(7)، حيث كان بالطبع محلَّ نقاش في هذا النطاق، ونتحدّث هنا فقط عن أشياء كالتربيت على الكتف أو المصافحة أو ضربة خفيفة في الذراع لغرض الضحك، وفي العموم فإنه قد تبيّن أن التلامس الجسدي شيء يجب تجنُّبه في العلاقة العلاجية، حتى المصافحة اعتبرها البعض مشكلة، لكن كقاعدة عامة فإن المصافحة هي التفاعل الجسدي الوحيد الذي يمكن أن يحدث بين المعالج والمريض.

 

وبهذا يكون أيُّ شيء بخلاف المصافحة، مثل(8) التربيت على الظهر، أو مداعبة الذراع، أو العناق، أو القُبلة بغرض إلقاء السلام، أمرا غير مناسب في جميع الظروف تقريبا، وفي حالات تُعَدُّ استثنائية فقط يمكن أن يحدث هذا النوع من التلامس، لكن الأكثر أهمية في أثناء ذلك كله هو أن يعي المريض أنه لا يُفترض أن يحدث أي شيء رغما عنه، وإذا أصرَّ المعالج على التلامس -في حين أنه أمر يضايق المريض- فإن ذلك ليس نوعا من العلاج، بل هو تخطٍّ واضح للحواجز.

 

كما ترى، فإن كل ما يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بطبيعة هذه العلاقة المهنية، أو استغلال المريض أو المُستشير، سيكون محلَّ حذر، ومع تصاعد تأثيره سنصل إلى حد التجريم، حتّى إن الكثيرين من متخصصي هذا النطاق يمنعون تماما أن تكون هناك علاقة إضافية مع المريض، بمعنى أنه لا يجب، في العموم -ومع وجود بعض الاستثناءات– أن يقوم(9) الصديق بعلاج صديقه نفسيا، أو علاج أحد أقربائه، أو حتّى أحد معارفه.

 

ويتطوّر الأمر لمحاولات جادة من المتخصصين في هذا النطاق ضبط شكل العلاقات الخارجية، بل إنك قد تجد نقاشات جارية حول أمور ببساطة أن يُصادف وجودك في السوق نفسه مع المعالج، كيف يمكن أن تتعاملا معا؟ ماذا لو كنتما تستخدمان المركز الرياضي نفسه، أو كنتما موجودين معا في حفل ما؟ في كل هذه الأحوال فإن النقاش يكون في إطار الكيفية التي يمكن من خلالها حفظ حدود العلاقة العلاجية في إطارها المهني.

 

في الكثير من المنشورات حول حالتَيْ التحرش التي تحدّثنا عنهما، قالت الفتيات إن هذا الشخص قال لهن إن ما يحاول فعله هو نوع من العلاج، في حالة طبيب طنطا تحديدا تواترت الشهادات -التي لم نتأكّد من صحتها بعد لكنها تحوّلت إلى اتهامات رسمية- أنه يحاول إقناع المريضات بإرسال صور خاصة كنوع من العلاج بالانفتاح على الآخر أو أنه يؤدي نوعا من الممارسات الطبية المُسماة "العلاج بالاحتضان"، لتجنُّب هذا النوع من استغلال المرضى يجب أولا أن نبدأ بتعريفهم، سواء كانوا رجالا أو نساء، بأُسس هذه العلاقة.

_____________________________________

المصادر

  1. صحافي مصري يكشف عن نفسه دافعا اتهامات بـ "التحرش والاغتصاب" ضدّه
  2. اتهامات بالتحرش لطبيب نفسي في طنطا وشهادات الضحايا على "فيسبوك"
  3.  How to Recognize Abuse in Therapy and What to Do About It
  4. Sexual involvements with former clients: A delicate balance of core values
  5. Ethics And Boundary Issues in Counseling–CEUs for LPC, LMHC, LCSW
  6. Patient Gifts in Psychotherapy: A Guide for Therapists
  7. Nonsexual Boundary Violations in Psychotherapy: A Primer
  8. المصدر السابق
  9. Dual Relationships, Multiple Relationships, Boundaries, Boundary Crossings & Boundary Violations in Psychotherapy, Counseling & Mental Health

حول هذه القصة

لفهم الآثار السلبية التي يُخلِّفها الوضع الحالي الناتج عن جائحة كورونا على الصحة النفسية للأشخاص بمجتمعاتهم، ولمعرفة كيفية التعامل معها، أجرى “ميدان” مقابلة مع د.مروة حمدان للإجابة عن تلك التساؤلات.

لم يحدث أن كانت الصحة النفسية للأطفال الأميركيين أسوأ حالا مما هي عليه اليوم، كما أن معدلات الانتحار والوفاة جراء الجرعات المفرطة في ارتفاع.. ما الخطب؟ ولماذا تفشل العلاجات العصرية؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة