الطب لغير المتخصصين.. كتب تُقدِّم لك هذا العلم بطريقة ممتعة ومبسطة

قد يظن القارئ أن النطاق الطبي تحديدا بعيد جدا عن إمكاناته في القراءة، ولذلك لا يحاول حتّى تأمُّله، ليس فقط لأنه يظن به برودة شديدة في مادته، مماثلة لبرودة بعض الأطباء في التعامل مع الحالات، ولكن من جانب آخر فإن عدد الكتب المُترجَمة أو المُؤلَّفة في هذا النطاق قليلة وغير واسعة الانتشار مثل كتب الفيزياء المبسطة، خذ مثلا براين جرين أو نيل ديجراس تايسون أو هوكينج، إلخ، الجميع يعرفهم، لكن هل تعرف سيدهارتا موكيرجي أو أتول جواندي؟

 

لنبدأ بالكاتب الأول، وهو الأستاذ المساعد في جامعة كولومبيا والطبيب المُمارس في نطاق الأورام، هندي الأصل أميركي الموطن، المعروف بكتابه الأشهر والحاصل على جائزة البوليتزر "إمبراطور المآسي"، والكتاب حقا أقرب ما يكون إلى تحفة فنية، فهو مكتوب بعناية شديدة، يحاول مُؤلِّفه قدر الإمكان، عبر أسلوب قصصي رشيق وجذاب، أن يدفع عنك الملل بسبب برودة المعارف الطبية، وقسوتها كذلك، فنحن بالفعل نتحدث عن المرض الذي لُقِّب قبل قرون بأنه "إمبراطور الأمراض"، وهو من القوة والتأثير بحيث أصبحنا نستخدم اسمه مجازا لكل شيء مرعب.

في هذا الكتاب، يُؤرِّخ موكيرجي للسرطان، سواء للمرض نفسه أو محاولتنا لعلاجه، وفي أثناء ذلك يُطعِّم حديثه بحكايات للمرضى مسكونة بالكثير من الوجع والأمل معا، قد تتعجّب حقا حينما تعرف أن معرفتنا بالسرطان تصل إلى 4000 سنة مضت، وربما تتعجّب أكثر حينما تعرف أن هذا المرض سابق لوجود الجنس الإنساني نفسه، ربما يساعد ذلك في إيجاد إجابة للتساؤل الأشهر عند الناس: لِمَ لا نعالج السرطان وينتهي الأمر؟ في الكتاب أيضا ستتعلّم عن طبيعة هذا المرض، فهو في الواقع ليس مرضا واحدا، بل مجموعة من الأمراض، لكلٍّ منها طبيعة خاصة وتتطلَّب محاولات مختلفة للمداواة.

 

لموكيرجي كتاب آخر، مماثل في أسلوب السرد الرائع، صدر مُترجَما للعربية قبل عامين، وهو "الجين.. تاريخ حميم"، ويُقدِّم فيه تاريخ علم الوراثة بداية من داروين ومندل وصولا إلى التعريف المعاصر للجين، بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى الحديث عن المستقبل، كيف يمكن لمعارفنا المعاصرة عن الجين أن تُشكِّل مستقبل الطب؟ هل يمكن أن تُعيد هندسة أجسامنا؟ الكتابان هما موسوعتان في صورة ملحمتين، كلٌّ منهما يتخطى حاجز الـ 600 صفحة، لكنها حقا ستكون رحلة مُلهِمة.

 

الآن دعنا ننتقل إلى أتول غواندي، وهو جرَّاح أميركي وأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد وكذلك كاتب رفيع المستوى، تُرجِم للعربية كتابه "لأن الإنسان فان – الطب وما له من قيمة في نهاية المطاف" في فبراير/شباط 2019، وهو واحد من أروع كتبه حقا، يتحدث فيه عن العلاقة الخاصة جدا بين الطب والشيخوخة، لكن لا تظن أن الهدف هو عرض مدى التقدُّم الذي أحرزه الأطباء في علاج الشيخوخة، بل على العكس تماما.

حيث يمكن خلال فصول الكتاب الثمانية أن تلاحظ هذا التناقض الغريب بين ما يريده الطبيب وما يريده رجل كبير في السن أو امرأة عجوز عبرا للتو إلى عامهما الثمانين، وفي الفصول الأولى يمكن أن تجد مقارنة مُثيرة جدا للتساؤل بين رجل هندي كبير في السن ظل طوال عمره مُحاطا بعائلته، يُمارِس أعماله بنفسه، ثم انزلقت إحدى قدميه من حافلة في وسط المدينة فمات، وآخر أميركي، في السن نفسها، يقبع في دار مسنين، وسيُعمِّر لعشر سنوات إضافية عن رفيقه الهندي، مَن منهما أكثر سعادة؟ وهل 10 سنوات إضافية تستحق كل ذلك التقييد؟

 

دعنا الآن ننتقل إلى حديث عن بعض العلوم الطبية، ولنبدأ من ديفيد إيجلمان، عالم الأعصاب الأميركي من جامعة ستانفورد، حيث يُقدِّم لنا في كتابه "الدماغ: أسطورة التكوين" (The Brain: The Story of You) جرعة ممتعة جدا عن خصائص غاية في الغرابة لهذا العضو الذي يبلغ من الوزن أقل من كيلوغرام ونصف فقط، في ستة فصول يفتح الكتاب الباب لك، لا للإجابات عن أسئلتك، بل لعشرات الأسئلة الجديدة التي ستطرحها بعد أن تُنهي كل فصل منه، لذلك فإن كلًّا منها يبدأ بسؤال.

هل كل ما حولك، كل ما تراه وتسمعه وتدركه بشكل عام، حقيقي؟ ربما يكون ذلك غريبا بعض الشيء، لكن الإجابة هي أنه ليس كذلك، في الحقيقة فإن ما ندركه هو أقرب ما يكون إلى تشوُّه نتفق عليه جميعا، لكنه ليس الواقع بحقيقته، هل تتخذ أنت قراراتك بنفسك؟ هل تمتلك حرية الإرادة؟ هل هناك أشياء لا تُدركها ولكن تؤثر في قراراتك؟ هل أنت مجرد مجموعة من الإشارات العصبية المتفاعلة معا بشكل معقّد أم أنك "أنت"؟ حسنا، هذا الكتاب عن العقل قادر حقا على نسف عقلك بسبب قدر الإثارة الذي يُقدِّمه، خاصة مع أسلوب إيجلمان البديع حقا في تقديم علم الأعصاب، وهو واحد من القلائل جدا الذين يمتلكون مقدرة بهذه السلاسة في هذا النطاق.

 

نقطة أخرى تستحق بعض الاهتمام منا هي العلاقة بيننا والجينات، لقد تربّينا في المدارس على "سلطة الجينات"، ما إن ينطق الطبيب بلفظة "مرض جيني" أو "صفة وراثية" حتى يُصيبنا اليأس، لأن ذلك يعني أن الأمر مُنتهٍ، في الواقع لقد نشأت داخلنا مع الزمن حقيقة تربط "الجيني" بـ "الحتمي"، وكأن الجين هو أمر صارم لا رجوع فيه يُحدِّد كل شيء تقريبا بداية من جنسنا (ذكر أم أنثى) ووصولا إلى صفات شخصياتنا وسلوكنا!

هنا يدخل كلٌّ من شيلدون كريمسكي وجيرمي غروبر في كتاب يندر جدا الحديث عنه في أوساط القُرّاء العرب، رغم أنه قد صدر مُترجَما عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية قبل أكثر من أربعة أعوام مع ترجمة ممتازة للدكتورة ليلى الموسوي، إنه كتاب "تفسيرات وراثية.. المعقول واللا معقول"، ولنبدأ بسؤال بسيط: هل تستطيع الجينات أن تقول مَن تحديدا سيُصاب بالسكّري؟ مَن سيميل إلى انتخاب أحزاب اليمين السياسي؟ مَن سيرتكب الجرائم ومَن سيصبح سهل المِراس؟

 

الإجابة هي: نعم، وفقا لمنصات التواصل الاجتماعي وعدد قليل من الدراسات، لكن الواقع أن النظرة إلى الجينات على أنها حكم نهائي بالسجن لأجسامنا أبعد ما يكون عن الحقيقة، بل قد تتعجَّب أن مفهوم الجين نفسه يواجه الكثير من التحديات، ومنذ ظهوره قبل أكثر من نصف قرن وهو يتغيّر يوما بعد يوم، ويحاول العلماء، من خلال تنقيح مستمر، أن يتوصّلوا لأفضل تعريف له، يمكن أن يساعد كونه برنامجا بحثيا على المزيد من التطوُّر في هذا النطاق. هذا الكتاب صعب بعض الشيء، ليس قصصي الطابع مثل سابقيه، لكن بعض الجهد معه سيعطيك فائدة لا تتصوّرها.

 

الآن دعنا نتحرّك إلى نطاق تماسٍّ ممتع حقا بين الطب والبيولوجيا التطورية، نتحدّث هنا عن كتاب "قصة جسم الإنسان.. التطور، الصحة، والمرض" من تأليف دانيال ليبرمان، وهو أستاذ بجامعة هارفارد، لا يسأل هذا الكتاب فقط عن: كيف أصبحنا ما نحن عليه الآن؟ بل الأهم من ذلك أنه يسأل: كيف يمكن للمعرفة الدقيقة بتطوُّرنا ككائنات حية، وتكيُّفنا مع البيئة المحيطة، أن تساعدنا في حالة المرض؟ بل ويجادل الكتاب أن الإخفاق العام لمجتمعنا في التفكير في تطوُّر الإنسان هو أحد أسباب فشلنا في منع بعض الأمراض.

الكتاب بسيط في أسلوبه، يبدأ مما قبل الإنسان ثم يمر ببداياته بين حشائش السافانا قبل مئتي إلى ثلاثمئة ألف سنة، ثم ينتقل إلى الثورة الصناعية وما تلاها، خلال 13 فصلا لا يخلو الكتاب من الحكي والإثارة، لكن ليس بمستوى موكيرجي وجواندي، فهو كثيف بعض الشيء ومكدس بالمعارف المثيرة جدا للانتباه مع ترجمة جيدة، مع تتبُّعك لهذه الملحمة التطورية البديعة يمكن بالفعل أن يتسع أفقك، بحيث يعطيك ذلك مساحة إضافية للإجابة عن سؤال آخر أكثر أهمية عادة ما نُلقيه على أنفسنا وهو: "مَن أنا حقا؟!"

 

وصلنا إلى نهاية رحلتنا مع عالم الطب والعلوم المتعلقة به، يود الكاتب أن يُشيد بإصدارات سلسلة عالم المعرفة الكويتية في هذا النطاق تحديدا، ولولا أنه أراد التنوع في الموضوعات لكان أضاف أيضا كتابين رائعين هما "حياتنا وإن طالت.. علم دراسة طول العمر والشيخوخة" من تأليف جوناثان سيلفرتاون، فهو شبيه في موضوعه الرئيسي (الشيخوخة) مع كتاب جواندي (وإن كانا يختلفان في زاوية المعالجة) وكتاب "يوميات السرطان.. حل أعمق أسرار الطب" من تأليف جورج جونسون، فهو الآخر يتماس في موضوعه مع كتاب موكيرجي. كذلك لم يود الكاتب أن يتطرق إلى نطاقات الطب النفسي أو علم النفس، حيث سنُفرد لذلك تقريرا خاصا.

حسنا، في النهاية دعنا نُوضِّح السبب في اهتمامنا بترشيح بعض الكتب الطبية الممتعة، فعلى الرغم من أننا نشهد بالفعل ثورة معرفية، حيث يُقبِل عدد كبير من الشباب العربي على الكثير من النطاقات الأكاديمية دراسة وقراءة، ولقيت بعض العلوم مثل الفلك والسايكولوجيا ونطاقات إنسانية مثل الفلسفة اهتماما واسعا، فإننا نواجه للأسف قصورا في الاهتمام بالعلوم الطبية في نطاق القارئ العام، الأمر الذي يساهم في المزيد من انتشار الخرافات الطبية، التي قد تكون قاتلة في بعض الأحيان، خاصة مع موجة عالية من الطب البديل، يمكن أن تلمس ذلك بوضوح في ظل جائحة "كوفيد-19".


حول هذه القصة

كل ما يحدث للناس من انفعال ليس من جراء الأشياء وإنما من جرّاء فكرهم عن الأشياء، لهذا السبب قررنا بالقسم العلمي بـ “ميدان” أن نقدم لك مجموعة من الكتب التي يمكن أن تساعدك على فهم العلاج المعرفي السلوكي.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة