"حيلة ترامب الأخيرة".. هل البلازما علاج واعد لـ "كوفيد-19" أم أنها لعبة سياسية؟

"اليوم يُسعدني أن أُصدر إعلانا تاريخيا حقا في معركتنا ضد الفيروس الصيني، وهو إعلان من شأنه أن يُنقذ أرواحا لا تُعَد ولا تُحصى"، بالطبع يمكن أن نتوقّع مَن قائل هذا التصريح، ليس فقط لأنه تقريبا رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يُصِرُّ دائما على تسمية كورونا المستجد بلقب "الفيروس الصيني"، بل أيضا لأن له خبرة في صياغة بعض الإعلانات الرسمية العادية بحيث يكون ما يقوله دائما "إعلانا تاريخيا"، لكن هل هو كذلك بالفعل هذه المرة؟

 

حسنا، كان ذلك بالطبع هو دونالد ترامب(1)، حينما أعلن قبل أيام أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) أقرّت الاستخدام الطارئ لبلازما المتعافين (Convalescent plasma) من "كوفيد-19" لعلاج المرضى الذين لم يتعافوا بعد، استخدام بلازما المتعافين يحدث بالفعل في عدد من دول العالم لكن بشكل مقتضب، وفي الولايات المتحدة فإنه يُستخدم في نطاق التجارب السريرية، لكن هذا الإعلان يعني أن استخدامه سيُصبح أسهل وأسرع وعلى أعداد أكبر من المرضى.

 

الفكرة البسيطة(2) لعلاج البلازما هي أن معظم الأشخاص الذين يتعافون من "كوفيد-19" يُطوِّرون بروتينات يُنتجها الجهاز المناعي استجابة للعدوى، تُسمى الأجسام المضادة، هذه الأجسام المضادة تكون موجودة في البلازما الخاصة بالمريض حتّى بعد تعافيه، ويمكن الحصول عليها عبر آليات فلترة خاصة ثم إعادة حقنها في دماء المرضى في الحالات المتقدمة من "كوفيد-19″، فتُساعدهم على مقاومة المرض، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا النطاق البحثي يتعلّق بمدى جودة هذا النوع من العلاج.

أول شيء هو أن بلازما المتعافين آمنة إلى حدٍّ كبير، ذلك في الحقيقة يُسهِّل استخدامها مع المرضى في الحالات المتقدمة، لأن كل ما يمكن أن تتركه من أثر، معروف لنا إلى الآن، هو رد فعل تحسسي خفيف، وفي حالات نادرة يمكن أن يتطور الأمر إلى مشكلات في القلب أو الرئتين. الكثير من التجارب الأولية حول استخدام بلازما المتعافين من أماكن متفرقة من الولايات المتحدة الأميركية والعالم أجمع كانت ذات نتائج جيدة، لكن هناك تجارب أخرى أقرّت بأنها غير فعالة، والمشكلة أن كل تلك التجارب للأسف كانت على أعداد صغيرة من المرضى(3،4،5) (العشرات فقط) ولا يمكن أبدا أن تُتخذ دافعا لاستخدام موسّع لبلازما المتعافين.

 

من جانب آخر، كانت بيانات إحدى أكبر المحاولات التجريبية الأميركية في هذا النطاق إيجابية بعد أن تمت على نحو 35 ألف مريض، إلا أنها -كتجربة سريرية- لم تمتلك ما يُسمى(6) بـ "مجموعة المقارنة"، وهي مجموعة من الناس تقبل بتلقّي علاج وهمي لتقوم الأبحاث بمقارنة نتائجهم مع مَن تلقّوا البلازما بالفعل، يهدف ذلك إلى ضبط التجارب من أجل التقليل من تأثير المتغيرات التي يمكن أن تتلاعب بالنتائج دون علم الباحثين، وفي حالة البلازما فإن المتغيرات مشكلة حقيقية.

 

كانت نتائج هذه التجربة، والتي كان دونالد ترامب قد بنى إعلانه من خلالها، إيجابية بالفعل، حيث قارنت بين مجموعتين من المرضى، الأولى تلقّت بلازما ذات تركيز عالٍ من الأجسام المضادة، والثانية تلقّت بلازما ذات تركيز منخفض من الأجسام المضادة، وظهر فارق في شدة الأعراض وحالات الوفاة لصالح المجموعة التي تلقّت تركيزا أعلى من الأجسام المضادة، ما يُشير إلى أنها فعالة. لكن هذه الدراسة، والتي لم تُنشر بعد في دورية علمية وما زالت في إحدى منصات قبل النشر (إلا أنها غالبا ستُنشر)، تواجه مشكلتين أخريين، الأولى هي أنها تفتقر إلى قدر من الدقة، فتاريخ المرضى الذين خضعوا لهذه التجارب السريرية غير محدد وربما تلقّوا أدوية أخرى قبل البلازما، والثانية هي أن نتائجها جيدة فعلا، لكنها ليست كما أُعلن للناس، حيث قِيل في إعلان ترامب إنها تُحسِّن معدلات الوفاة بقيمة 35%، فُهِم ذلك على أنه يعني 35 حالة إضافية سوف تتحسن.

في الواقع، فإن نتائج التجربة تقول(7) إن نسبة الوفاة في حالة مجموعة البلازما ذات التركيز الأقل من الأجسام المضادة كانت 13.7% بينما كانت 8.9% في حالة البلازما ذات التركيز الأكثر، هذا هو نزول في أعداد الوفيات قدره 35% بين الحالتين، لكنه لا يعني أنه سيُضيف 35 حالة جديدة للأحياء بعدما كان من المتوقع أن يكونوا من الأموات، بل يُضيف فقط 5 حالات تقريبا، إنها نسبة تَحسُّن جيدة لا شك ونأمل أن يكون هناك ما هو أفضل من ذلك في التجارب القادمة، لكن لا شك أيضا أن هذا ليس "تحسنا تاريخيا" كما أعلن دونالد ترامب.

 

في المجمل، فإن العلماء في هذا النطاق البحثي -إلى الآن- ما زالوا في حالة تشكُّك تجاه هذه الآلية العلاجية، وأسبابهم في ذلك مقنعة، فنحن بحاجة إلى المزيد من التقصي قبل استخدام بلازما المتعافين على نطاق واسع حتّى مع تجارب أولية ناجحة ومبشرة. ومن المثير للتأمل أن هذه ليست المرة الأولى في استخدام عقار ما أبدى نتائج واعدة في التجارب الأولية ثم تراجع، في الواقع فإننا نمتلك نموذجا شبيها إلى حدٍّ كبير لدرجة أن ترامب نفسه تدخّل في الأمر، أيضا!

 

نتحدث هنا عن عقار الكلوروكين ورفيقه الهيدروكسيكلوروكين، ظهر الحديث عنهما للنور في نهايات يناير/كانون الثاني الماضي حينما نشرت(8) مؤسسة ووهان الصينية لعلم الفيروسات دراسة أولية، بدورية "نيتشر سيل ريسيرش" الشهيرة، تُشير إلى أنهما يمكن أن يؤدّيا دورا جيدا في علاج "كوفيد-19″، تلت ذلك مجموعة من التجارب الواعدة، لكن كل ما سبق من الأبحاث كان على عينات صغيرة من المرضى أو عينات معملية، وكان من الصعب أن يصل الباحثون إلى إجماع حول الأمر مع نتائج مهتزة كتلك.

على الرغم من ذلك، في مارس/آذار الماضي بالغ الرئيس الأميركي(9) في التعبير عن الدور الذي يمكن أن يقوم به هذان العقاران قائلا إنهما سيكونان "عاملا حاسما" في لعبة القضاء على "كوفيد-19″، ثم تلت ذلك تصريحات أخرى له يقول فيها إنه يعتمد بشكل شخصي على الهيدروكسيكلوروكين للوقاية من "كوفيد-19″، بل وفي أواخر يوليو/تموز الفائت قام حساب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر بمشاركة فيديو لطبيبة تُسمي نفسها ستيلا إيمانويل تقول فيه إن الهيدروكسيكلوروكين علاج نهائي لمرض "كوفيد-19″، قامت بتجريبه على مئات المرضى، بل ويقي من المرض، ثم اكتشفنا بعد ذلك أنها مروجة شهيرة لنظريات المؤامرة وأن كلامها غير مبني على أية دراسات.

 

بل على العكس تماما من تصريحات ترامب، أصبح النطاق البحثي حاليا أكثر ميلا ناحية رفض الهيدروكسيكلوروكين كعلاج لـ "كوفيد-19″، ومؤخرا صدرت مجموعة من الدراسات(10،11،12) القوية في هذا النطاق، وكانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) قد سحبت بالفعل إقرارها الاستخدام الطارئ له قبل نحو شهر من الآن، إلا أن ترامب -بشكل عجيب- ما زال مُصِرًّا على أن الهيدروكسيكلوروكين يُمثِّل طفرة في التعامل مع "كوفيد-19″، ويشير إلى أن هناك مؤامرة من نوع ما.

 

من جانب آخر فإن العلاقة المضطربة بين دونالد ترامب وإدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) تدفع للتساؤل حول الطبيعة السياسية لأزمة "كوفيد-19" وتشابكها مع البحث العلمي، حيث كان ترامب قد صرّح في تغريدة على تويتر أن ما يُسمى بـ "الدولة العميقة" داخل إدارة الغذاء والدواء "تتعنّت لتجعل من الصعب جدا على شركات الأدوية الحصول على تصريحات لاختبار اللقاحات والعلاجات لـ "كوفيد-19″، مضيفا أنه "من الواضح أنهم يأملون في تأخير الأمر ما بعد 3 نوفمبر"، ويقصد موعد الانتخابات الأميركية.

قبل هذه التغريدة بنحو أسبوع، وبينما كانت إدارة الغذاء والدواء مترددة في إصدار تصريح بالاستخدام الطارئ لبلازما المتعافين كعلاج لـ "كوفيد-19″، تدخّل(13) مجموعة من كبار مسؤولي الصحة الفيدراليين، من ضمنهم الدكتور أنطونيو فاوتشي عضو فريق عمل البيت الأبيض لفيروس كورونا والوجه الإعلامي الأميركي للبحث العلمي الخاص بهذا النطاق، لمنع إصدار هذا التصريح بحجة أن البيانات عن بلازما المتعافين ما زالت ضعيفة.

 

بعد ذلك جاءت تغريدة ترامب التي تتهم إدارة الغذاء والدواء بالتآمر وتأخير النتائج الجيدة لأغراض انتخابية، ثم بعد تلك التغريدة فورا أعطت الإدارة تصريحها بالاستخدام الطارئ لبلازما المتعافين كعلاج لـ "كوفيد-19″، يُثير ذلك الكثير من التساؤل، خاصة أن هذا التصريح قد صدر في الليلة التي سبقت افتتاح مؤتمر ترشيح دونالد ترامب للرئاسة مرة ثانية، هل نحن أمام معركة سياسية لا علاقة لها بالجائحة من الأساس؟

 

إلى حدٍّ كبير، فإن هذا قد يكون صحيحا. بلازما المتعافين آمنة بالفعل ونتائجها الأولية جيدة وقد تتطور للأفضل، لكن يبدو أن وصولها إلى نقطة يمكن خلالها أن نطمئن بدرجة كبيرة من اليقين لفاعليتها في حالة مرضى "كوفيد-19" كان أبطأ(14) من مخطط دونالد ترامب لحملته في الانتخابات الأميركية، فقرر الرئيس الضغط على هذا المخطط البحثي بحيث يكون التوقيت مناسبا تماما لاستخدام الأمر كنقطة قوة في ملفه الانتخابي بطريقة "الإعلان التاريخي".

 

يجيء ذلك في سياق تتوالى فيه الاستفتاءات التي تُشير إلى أن الشعب الأميركي غير راضٍ عن إدارة الرجل للأزمة. صدِّق أو لا تُصدِّق، فالولايات المتحدة الأميركية هي أكبر(15) دول العالم في عدد الإصابات، نحو 6 ملايين شخص، أي رُبع مصابي العالم بهذا المرض، وأكبر دول العالم في عدد الوفيات أيضا، نحو 200 ألف شخص، أي رُبع وفيات كورونا المستجد في كل العالم أيضا، وهو أمر آخر يدعو للتعجّب.

منذ بداية الجائحة، تستخدم الحكومات حول العالم لفظة مثيرة جدا للانتباه في إعلام الجمهور بخططها للمستقبل مع هذه الجائحة، إنها "نحن نتبع العلم"، كان أول مَن استخدمها هو بوريس جونسون في حديثه الشهير عن "مناعة القطيع"، ويصر دونالد ترامب أيضا على استخدام العلم أيضا في حديثه عن الهيدروكسيكلوروكين وعن البلازما، لكن هل يستخدم السياسيون العلم حقا؟

 

أسئلة السياسة تختلف عن أسئلة العلم، بمعنى أن العالِم لا يقول للسياسي ما الذي يفعله، وإنما يجيب عن سؤال محدد يسأله رجل الحكومة، لكن تراتبية الأسئلة الحكومية لا علاقة لها بهذا العالم أو بحثه العلمي مهما بلغ من رصانة، وبالتالي فإن المتحكم الأول في عملية صياغة القرار السياسي هم السياسيون، أما لفظة "نتبع العلم" فهي موجودة بالفعل، لكنها -بشكل أكبر- تُستخدم لدفع الجمهور كي يثق في الحكومة.

 

يمر العالم بأجواء متوترة، ويبدو أن الجميع خلالها يبحث عن مصلحته الخاصة، لكن ذلك للأسف قد يؤخّر وصولنا إلى علاج مناسب في الموعد المناسب، وقد نخسر الكثير من الأرواح التي كان من الممكن إنقاذها بالتوصل إلى اتفاق علمي رصين مستقل حول هذه الأمور، لكن تدخُّل السياسة أخّره، حينما ينشأ جدل حول بلازما المتعافين خلال الأسابيع أو الشهور القليلة القادمة فإن الأمر لن يكون علميا خالصا للأسف، سيخالطه الشك.

 

هنا سيُتهم العلماء والأطباء بالتآمر لخدمة جانب سياسي ما على حساب الآخر، وسيفقد الناس الثقة في كل ما هو علمي حول "كوفيد-19″، بل وحتى في ذواتهم، وتلك كارثة تتزامن مع تصاعد متوقّع حادٍ للفكر المؤامراتي في سياق الجائحة(16)، فكر يروج له رئيس أكبر دولة في العالم!

__________________________________________________

المصادر

  1. US FDA announces emergency authorization for convalescent plasma to treat Covid-19
  2. Convalescent Plasma and COVID-19
  3. Effectiveness of convalescent plasma therapy in severe COVID-19 patients
  4. Treatment of COVID-19 Patients with Convalescent Plasma Reveals a Signal of Significantly Decreased Mortality
  5.  Convalescent Plasma for COVID-19. A randomized clinical trial
  6. Evidence lags behind excitement over blood plasma as a coronavirus treatment
  7. In FDA’s green light for treating COVID-19 with plasma, critics see thin evidence—and politics
  8.  Remdesivir and chloroquine effectively inhibit the recently emerged novel coronavirus (2019-nCoV) in vitro
  9.  Trump’s Inaccurate Claims on Hydroxychloroquine
  10. Chloroquine does not inhibit infection of human lung cells with SARS-CoV-2
  11.  Risk of QT Interval Prolongation Associated With Use of Hydroxychloroquine With or Without Concomitant Azithromycin Among Hospitalized Patients Testing Positive for Coronavirus Disease 2019 (COVID-19)
  12. Outcomes of Hydroxychloroquine Usage in United States Veterans Hospitalized with COVID-19
  13.  F.D.A.’s Emergency Approval of Blood Plasma Is Now on Hold
  14. Here's exactly why Donald Trump made his plasma announcement on Sunday night
  15. Coronavirus Cases
  16. COVID-19 a perfect storm for conspiracy theories

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة