"العلاج بالمعنى".. هل يمكن للإنسان أن يجد خلاصه في أخطائه؟

"حتى إذا اختفت كل القيم من العالم فستظل الحياة ذات معنى، ومن المؤكد أنه سيكون على الإنسان أن يجد المعنى، حتى في عصر بلا قيم".

يحكي فيكتور فرانكل، صاحب الاقتباس السابق، أنه ذات مرة كان قد دُعِي إلى محاضرة بعنوان "فنيات وديناميات البقاء على قيد الحياة"، ذهب بالفعل وبدأ حديثه، لكنه لمح تلك النظرة الغريبة في عيون الجميع، النظرة التي تقول إن هذا الواقف هناك على المسرح قادم لإعطائهم، وهم أطباء ومعالجون نفسيون، آليات ليستخدموها مع مرضاهم، هنا يقول فرانكل لهم إنه ما دام علاجهم قد اقتصر فقط على الديناميات والفنيات، فقد جانبهم الصواب.

 

ينطلق فرانكل من قاعدة مهمة جدا طالما أصرّ على الإشارة إليها في كتابه "إرادة المعنى – أسس وتطبيقات العلاج بالمعنى"، وهي أن المشكلة كانت دائما محاولة تحويل الإنسان إلى شيء يمكن التحكم به والسيطرة عليه وقيادته إلى حلول مشكلاته بسهولة، إلا أنه فقط بحاجة إلى تعلم الدرس الوجودي البسيط الذي يقول إنه حر، وفي المقابل من ذلك فهو مسؤول عن التحكم في ذاته.

 

بالتالي، يكون الإنسان منا أكثر قدرة على التصرف ومواجهة ما يحل به، فهو ليس مجرد عبد للتركيبة النفسية العميقة التي يرجع تاريخها إلى طفولته، بحد افتراض التحليل النفسي، أو للهرمونات والنواقل الكيميائية التي تجري في دمه وخلاياه العصبية بحسب مفردات علم الأعصاب، بل هو قادر على الإمساك بزمام حياته، أو كما يقول: "لا يمكن للإنسان تغيير القدر، وإلا لما كان قدرا، ولكن يمكن أن يغير من ذاته، وإلا لما كان إنسانا".

يقصد فرانكل بالقدر تلك الظروف التي لا يمكن تغييرها، فالإنسان مطالب دائما بمحاولة تحسين حياته وردّ كل سيئ عنها، لفهم تلك النقطة بشكل أعمق دعنا نتأمل حكاية فرانكل مع العلاج بالمعنى، وقد بدأت حينما أُودِع في أحد أقسى الأماكن على وجه الأرض في الأربعينيات من القرن الفائت، إنها معسكرات الاعتقال النازية، وكان فرانكل متخصصا في الطب النفسي والعصبي يؤمن بعلم النفس التحليلي، إلا أن ثلاث سنوات في المعسكر غيّرت من أفكاره، حيث كان يتعجب من الفارق بين نوعين من الأشخاص، أحدهما ينتظر الموت في أفران الغاز، والآخر يعرف أنه ميت في كل الأحوال فيمكن أن يمسك بأسلاك الجدران المكهربة ويموت فورا وينتهي العذاب.

 

هنا يسأل فرانكل نفسه: ما الدافع للبقاء؟ ما الذي يضغط على هؤلاء الذين اختاروا الاستمرار للاستمرار؟ ما الذي يدفع امرأة ضربها السرطان في صورة موجات قاسية على مدى عشر سنوات أن تستمر في المقاومة؟ ما الشيء الذي يجعلنا نستيقظ في الصباح لنقوم من السرير إلى العمل المتكرر الممل اليومي المعتاد ولا نقرر فقط الاستمرار في النوم للأبد؟

 

في تلك النقطة يختلف فرانكل مع المدارس السابقة له، فدافع الإنسان ليس اللذة، كما قال فرويد، أو النجاح والمكانة، كما قال أدلر، أو تحقيق الذات، كما تصوّر مازلو، لأن كلًّا من تلك الأمور لم تكن موجودة في المعتقلات النازية، هنا يتصور فرانكل أن الدافع هو أن يجد الإنسان معنى لحياته، والإنسان يمر بهذا البُعد المعنوي فقط عبر التسامي عن الظروف المحيطة التي لا يتمكن من تغييرها، لكنه يتمكن من تغيير وجهة نظره تجاهها.

فيكتور فرانكل (مواقع التواصل)

بل تنطلق تلك المدرسة في علم النفس في ادعاء أكثر اتساعا حينما تُضيف فرضية تقول إنه "لا توجد جوانب مأساوية وسلبية لا يمكن تحويلها من خلال موقف الإنسان منها إلى إنجازات إيجابية"، في الواقع فإن فلسفة العلاج بالمعنى بالكامل تبني نفسها على هذا الافتراض القائل إن البشر، أولا، يمتلكون حرية الإرادة وإنهم قادرون بسبب ذلك على، ثانيا، إرادة المعنى، أي إرادة التغيّر واتخاذ موقف مختلف من الذات والأشياء والأشياء المحيطة، وأن معنى الحياة هو هدف الإنسان، ثالثا.

 

لنأخذ الحب على سبيل المثال، فهو علاقة بشخص ما تدفعك للقناعة أنه لا يمكن لشخص آخر أن يحل مكانه، ورغم أن هذا الآخر يمكن أن يؤدي الوظائف نفسها التي يؤديها هذا الشخص، من ناحية مادية بحتة، فإنه لا يساويه ولا يُغني عنه، لأنك تجد معنى حياتك في جودك مع هذا الشخص تحديدا، هذا الكيان المتفرد، لكن تفرده هنا غير ذي معنى موضوعي، بل هو متفرد في هذه العلاقة تحديدا، تفرد يصنع تجربتك معه.

 

بالتالي فإن معنى الحياة هو تجربة خاصة لكلٍّ منّا، أو كما يقول كارل ياسبرز فإن "الإنسان هو ما صار عليه من خلال تلك القضية التي جعلها قضيته الخاصة"، يرى فرانكل أن قدرة الإنسان على إعادة تشكيل ذاته هي "خاصية مميزة للوجود الإنساني"، فالكلب أو القطة يأكلان وقت الحاجة ويمارسان الجنس وقت الحاجة، مدفوعين بحركة الهرمونات والنواقل العصبية، وتُشكِّل الظروف المحيطة حياتهم بشكل كامل وتام.

 

تتطور تلك الفرضية لتقول إن "الإنسان بالطبع غير قادر على فهم المعنى المطلق للمعاناة من خلال التفكير، لأن مجرد التفكير لا يكشف لنا الغرض الأعلى كما قال أينشتاين، لكن إيجاد معنى للحياة ليس مسألة تفكير، بل هو مسألة إيمان"، وهو بذلك يضع مدرسته العلاجية في تماسٍّ مع المفاهيم الدينية، ويمكن بينما تتجول في صفحات كتابه أن تلحظ تلك النزعة المضطربة التي تحاول على أحد الجوانب الفصل بحِدة بين فكرة "معنى الحياة" وفكرة "الإيمان الديني"، وفي الوقت نفسه ستجد أنه يقتبس الكثير من حكايات التراث اليهودي لشرح أفكاره.

 

وعلى الرغم من وجود الكثير من الآليات التي يطرحها العلاج بالمعنى لإعطاء معنى لحياة الإنسان، لكنه بشكل رئيس يركز على استلهام معنى الحياة من خلال الموقف الذي يتخذه الفرد من محنته. من تلك الوجهة، فإن معاناتنا أو أخطاءنا أو آثامنا، أو حتّى الوقوف في مواجهة الموت نفسه، تعد امتيازا لنا نحن البشر، لأنها تعطينا الفرصة لتحمُّل مسؤولية ذواتنا واتخاذ موقف مناسب من أيٍّ منها، موقف يُمثِّل معنى حياتنا.

 

يتفق ذلك مع وجهة نظر الفلسفة الرواقية التي تقول بحد تعبير الفيلسوف إبيكتيتوس: "إن كل ما يحدث للناس من انفعال ليس من جراء الأشياء وإنما من جرّاء فكرهم عن الأشياء"، الأشياء -أيًّا كانت- محايدة، ونحن نُسقط معنى حياتنا عليها، ويمكن أن تلاحظ أن هناك تشابها واضحا بين مدرسة العلاج بالمعنى والأساليب الحديثة للعلاج النفسي مثل "مدرسة العلاج المعرفي السلوكي"، والتي بنت نفسها على الفكرة نفسها تقريبا، وهي أن مشكلات الإنسان النفسية لها علاقة بأفكاره الواعية التي يمكن العمل عليها من قِبله وتغييرها، فهو يمتلك القدرة على ذلك.

 

في الواقع، فإن مدرسة العلاج بالمعنى لم تُقدِّم الكثير من التقنيات العلاجية في حالة المرض النفسي، فقط ما يُسمى بـ "المقصد المتناقض ظاهريا"، ويعني الاختبار المتعمد لمخاوف المريض كي يدرك أن جزءا كبيرا من خوفه كان من الخوف نفسه، وتقنية أخرى تسمى "إيقاف الإمعان الفكري"، وتعني إبعاد انتباه المريض عن التركيز المفرط على مرضه، وشغله -إلى جانب التعامل العلاجي مع المرض- بايجاد معنى لحياته.

لكن ما قدّمته هذه المدرسة -بجانب تأكيدها مفهوم معنى الحياة من خلال قدرة الإنسان على اتخاذ قرار حر- هي نظرتها الواسعة للإنسان، الأمر الذي تمكّنت من تصديره للمدارس الأخرى في نطاق علم النفس، فالإنسان يمتلك عدة أبعاد، لكن المشكلة كانت دائما في محاولة اختزاله في بُعد واحد فقط. يمكن فهم تلك النقطة بوضوح حينما نتأمل الادعاءات الاختزالية المعاصرة من نوعية "ليس سوى".

 

حيث يقول الادعاء الشهير: "الإنسان ليس سوى مجموعة من الجينات أو النواقل العصبية التي تتحكم في سلوكياته". في الواقع، لو تأملت قليلا، لوجدت أن هذا الاختزال -بشكل أو بآخر- هو السبب في التصورات الشعبية الشائعة عن المصابين بالاضطراب النفسي كأنهم وحوش أو غير مؤهّلين لشيء، لأنهم من تلك الوجهة ليسوا سوى اختلال في وظيفة الدماغ التي لا نعرف لها علاجا بعد، مع حذف بقية إمكاناتهم وقدراتهم وسُبُل مقاومتهم المتاحة لهم من الصورة تماما.

 

الناس هنا، سواء كانوا مواطنين عاديين أو حتى أطباء نفسيين، يهتمون بالأشجار، بينما تهتم مدرسة العلاج بالمعنى بالغابة ككل، تطوّر ذلك ليصبح ما سماه فرانكل بالتشخيص متعدد الأبعاد، ولو قرّرت التأمل قليلا لوجدت أن فرانكل بتلك الفكرة كان يضع جذورا لما يحدث اليوم في العلاج النفسي، حيث يتدخل العلاج مع التقنيات النفسية في محاولة لعلاج الاضطرابات النفسية، خاصة الاكتئاب والقلق، التدخل الذي حسّن من نتائج الشفاء بصورة غير مسبوقة.

 

لذلك، فإنه بجانب المرض النفسي، يصب فرانكل اهتمامه على ما يسميه بالفراغ أو الخواء الوجودي، وهو ببساطة تلك الحالة من فقدان المعنى التي تُصيب الجميع في عصور الشك أو الهزيمة على سبيل المثال، هنا يلح الإنسان على طلب مصادر اللذة أيًّا كانت، ويستمر في النهل منها لكنه لا يُحقِّق أي رضى، بالضبط مثل المدمن على إحدى المواد المخدرة، وذلك لأن هدفنا ليس اللذة، بل إيجاد معنى حياة تظهر هذه اللذة كعرض جانبي له.

حينما يقع مجتمع ما في أسر الفراغ الوجودي فإنه لا يُعَدُّ مريضا، ولا يمكن التعامل مع الفراغ الوجودي كمرض نفسي، بل هو أقرب ما يكون إلى "عصاب معنوي"، لكنه يؤثر ككل في مجمل تطور الحالات، فتصبح نِسَب الإصابة بالاكتئاب والقلق -على سبيل المثال- أكبر في تلك الحالة من فقدان المعنى الضارب في المجتمعات، لذلك يجب على المتخصصين في نطاق علم النفس أن يهتموا -إلى جانب تقنياتهم العلاجية- بحل تلك المشكلة التي تُعَدُّ أساسية بقدر المرض نفسه.

 

يقول فرانكل: "إن الاهتمام الطبيعي والأصيل للإنسان والمنصب على القيم يتعرض للخطر نتيجة سيطرة النزعة الذاتية والنزعة النسبية، فمن شأن أيٍّ من هاتين النزعتين أن تودي بمثالية الإنسان وحماسه". يقصد فرانكل ما مر بالعالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن مجتمعاتنا تمر حاليا بحقبة شبيهة من فقدان المعنى، ولهذا السبب فإننا نتخبط في الشوارع مثل الزومبي، لا نعرف أين تكمن المشكلة تحديدا، ولكننا -على أية حال- ننهل بكل شغف من المثيرات الحسية التي تعرضها علينا الحياة الرقمية.

 

لهذا السبب كان الاهتمام من القسم العلمي بمنصة "ميدان" بالعمل على قراءة كتاب فرانكل "إرادة المعنى"، ويُعَدُّ النسخة الأكثر تقنية وتخصصا من كتابه واسع الشهرة "الإنسان يبحث عن المعنى"، في هذا الكتاب يؤسس فرانكل لمدرسته العلاجية، ويتحدث باستفاضة عما يعنيه الفراغ الوجودي وما يعنيه "معنى الحياة" مقارنة بالمدارس الأخرى.

 

الكتاب قديم في طريقة عرضه ونمط استنتاجاته، ولا نجد بالفعل الكثير من أدوات فرانكل مستخدمة حاليا في نطاق العلاج النفسي، لكن سر قوة هذه المدرسة كما أسلفنا لم يكن في التقنيات، بل في الروح التي صبغت بها علم النفس ككل ودفعته للتعامل مع الإنسان بشكل مختلف، ككيان قادر على التسامي عن ذاته، أو كما قال: "جوهر الوجود هو التسامي عن الذات".

________________________________________

المصادر

  1. إرادة المعنى – أسس وتطبيقات العلاج بالمعنى، فيكتور فرانكل.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة