هل يتحد العلماء لمكافحة "كوفيد-19" أم يجري كلٌّ خلف مصلحته؟

في دراسة صدرت في دورية "كلايمت تشينج"(1) التابعة لمؤسسة شبرينجر العالمية قبل عدة سنوات، ظهر أن حجم الإنفاق من أجل الضغط السياسي على المبادرات والأبحاث المتعلقة بشأن التغيرات المناخية خلال العقدين الماضيين قد تخطى حاجز الملياري دولار، هل تتخيل ذلك؟ الضغط السياسي الشديد في هذه القضية أمكن له تحييد عدد من العلماء.

 

ربما يتذكر معظمنا ما سُمّي في عام 2009 بفضيحة(2) "ووتر جيت المناخ"، عندما سُرِّبت آلاف الرسائل الإلكترونية من وحدة التغير المناخي البحثية التابعة لجامعة "إيست أنجيليا" الأميركية، الأمر الذي كشف عن تلاعب متعمد بنتائج الأبحاث العلمية لصالح فريق بعينه في معركة التغير المناخي.

 

أما في شهر مايو/أيار الفائت فقد أعلنت(3) شركة "موديرنا" للتكنولوجيا الحيوية، وهي شركة أميركية، عن نتائج جديدة وُصِفت بأنها عظيمة لأحد اللقاحات الجديدة التي تعمل على تطويرها لمرض "كوفيد-19″، ارتفعت أسهم الشركة بقيمة 30% بعد هذا الإعلان، لكن الغريب في الأمر أن هذا الإعلان جاء مقتضبا للغاية، ويبدو أن الشركة هدفت فقط لرفع أسهمها بغض النظر عن الجانب العلمي.

لافتة تشير إلى مقر شركة موديرنا، التي تقوم بتطوير لقاح ضد فيروس (COVID-19) بالولايات المتحدة (رويترز)

"موديرنا" تتعامل مع هذا اللقاح بسرية تامة، ولا تُظهِر نتائجها إلا على فترات متباعدة، لكن رغم ذلك فإن تلك النتائج التي أُعلِنت في مايو/أيار كانت أولية جدا، وعادة يحتاج الأمر إلى الكثير من التقصّي ومراجعة البيانات قبل إعلانات كتلك، كذلك يبدو أن الصحافة العالمية -الثقيلة- قد سارعت بالحديث عن تلك النتائج بصورة "مُبشّرة" وهو أمر غير معتاد، بعض العلماء أيضا فعلوا ذلك.

 

حاليا، يمكن أن تلحظ بوضوح أن هناك كمًّا هائلا من البيانات يصدر شهريا على بعض المنصات قبل النشر في الدوريات العلمية، على سبيل المثال "bioRxiv" و"medRxiv"، وهذا جديد، عادة ما يظهر البحث بعد أن يُراجَع من قِبل مُحكّمين متخصصين ثم يُنشَر وبعد ذلك يبدأ النقاش حوله.

 

لكن ما يحدث الآن هو أن الظرف القائم بسبب كورونا المستجد، وحجم الفوضى التي تسبّب فيها، يجعل من الصعب أن نلتزم بالقواعد القديمة، في تلك النقطة يبرز سؤال مهم ربما لم تفكر به من قبل: في خضم تلك الفوضى "الكورونية"، هل يمكن أن تؤثر ميول العلماء، أو الشركات، أو حتّى سياسات الدول على خطوط سير البحث العلمي بغض النظر عن الحقائق؟

 

في الحقيقة، قد يحدث ذلك. دعنا على سبيل المثال نتأمل نموذجا بسيطا يضربه بيير بورديو، في ورقته البحثية(4) "خصوصية الحقل العلمي والظروف الاجتماعية لتطور العقل"، يقول بورديو إن هناك عالِما ما كان يحاول فهم مشكلة محيّرة طيلة 10 سنوات مثلا، ثم حدث أن ظهر أحد العلماء الآخرين بحل لتلك المشكلة قبل وصول هذا العالِم إليها بأسابيع قليلة، إذا كان صديقنا يهتم فقط بالوصول إلى الحقيقة العلمية فإنه سيفرح لأن المهم هو الوصول إلى حل المشكلة، لكننا لا نرى ذلك يحدث في أرض الواقع، بل سيحزن وقد يكتئب.

 

هنا يجادل بورديو بأن ممارسة العلماء لعملهم تخضع لعوامل مركّبة، من وجهة نظره فإن الحقيقة الموضوعية لمنتج ما -ويقصد هنا الحقيقة العلمية- مبنية على الظروف الاجتماعية لإنتاجها. البحث العلمي هنا هو نشاط بشري يخضع لقواعد توزيع السلطة والاحتكار والنزاعات والاهتمامات والمكاسب نفسها، وهناك درجة من الهيراركية المؤسساتية في الوسط العلمي التي تسمح للمؤسسات الأكثر هيمنة بالتأثير على خط سير العلم وبالتالي تحديد ماهيته.

 

يقول بورديو في ورقته: "يمكن تعريف الحقل العلمي في أية لحظة بحالة توزيع السلطة بين زعماء الصراع فيه"، وزعماء هذا الصراع -في أرض الواقع- قد يكونون محكومين بالرغبة في مكانة مرتفعة بين رفاقهم من الباحثين، وكذلك قد يكون لهم انتماء سياسي محدد أو مصالح خاصة.

 

أشهر الأمثلة وأكثرها تطرُّفا على ذلك كانت الحركة الليسينكووية(5) في الثلاثينيات من القرن الفائت، وهي حملة قائمة على أهداف سياسية ظهرت على يد البيولوجي السوفيتي "تروفيم ليسينكو"، لترفض كل أساسيات علم الوراثة سواء عبر الجينات أو قواعد مندل أو الانتقاء الطبيعي، وتزعم أن الصفات المكتسبة تتوارث وأن الكائن قد يتحول من نوع إلى آخر! قد تتعجب من ذلك، لكن جوزيف ستالين أيّد هذه الفكرة وشنّ حملة لفصل وسجن وإعدام آلاف علماء ومتخصصي البيولوجيا الرافضين لها.

تروفيم ليسينكو (مواقع التواصل)

كان سبب ذلك هو تعارض هذه العلوم مع المذهب الماركسي القائل إن جوهر طبيعة الإنسان يمكن أن يتغيّر بفعل البيئة، مما دفع "لينسكو" لمحاولة إيجاد دليل علمي للفلسفة الماركسية، ولاقت أبحاثه دعما كبيرا في حين أنها كانت -ببساطة- خاطئة، انتهت الليسينكووية في الستينيات، بعد قرابة أربعين سنة من التدليس باسم العلم، أدّى ذلك إلى تراجع شامل في العلوم البيولوجية السوفيتية ما زال واضحا إلى لحظة كتابة هذه الكلمات.

 

لكن بيير بورديو -على خلاف النموذج الذي أوردناه- كان يرى أن الحقائق العلمية منفصلة عن مجتمع العلماء، بمعنى أنه رغم تهافت هذا المجتمع على السلطة داخل الوسط العلمي، فإن الحقيقة العلمية هي عرض جانبي لهذا الصراع، على الجانب الآخر كان باري بارينز(6) وديفيد بلور(7)، متخصصا علم الاجتماع من جامعة إدنبرة ومؤسسا "البرنامج القوي لعلم اجتماع العلم"، يقولان -بالتعبير الحرفي- "إن النظريات العلمية مفروضة على الواقع أكثر ما هي مستمدة منه"، ويمكن أن تتدخل معايير اقتصادية وسياسية لتحديد طبيعة الحقائق العلمية، بل وأضافا أن نظرة العلماء للواقع "ثقافية".

 

يظهر هذا النوع من الصراع بين العلماء في بعض النقاشات الدائرة حاليا، لكن على الجانب الآخر تميل مجموعة أكبر من العلماء ناحية فرضية روبرت ميرتون، عالم الاجتماع الأميركي، الذي يقول(8) إن العلم هو ميثودولوجيا الحصول على المعرفة والتثبت من صحتها، وهو أيضا القيم التي تحكم النشاط العلمي، بل ويضيف أن قيم العلم تنبع من أهدافه السامية تلك، فهي تبحث بطبيعتها عن "الصواب" وبالتالي تُلزم العلماء بالتعبير عن جانب أخلاقي يبحث عن الصواب أيضا.

روبرت ميرتون (رويترز)
في تلك النقطة فإن ميرتون يحدد أربعة معايير تُعبِّر عن روح العلم الحديث، أولها هو العالمية أو الكونية (Universalism)، ويعني أنه لا أهمية لحجم أو مدى سلطة أو شهرة الأشخاص في العلم. فسواء كنت رئيس دولة، أو شركة متعددة الجنسيات، ما يهم فقط هو أن كل ادعاء يجب أن يتسق مع الرصد والتجربة. أما مفهوم "شيوع المعرفة" (Communalism) فيعني أن الكشوف العلمية هي ملكية عامة لكل مجتمع العلماء، ويشرح ميرتون أن تنافس الباحثين لامتلاك المكانة الأعلى في الوسط العلمي لا يتناقض مع كون نتائج أعمالهم تتعاون معا لدعم المعرفة العلمية ككل دون قيود.

 

وفي السياق نفسه، يأتي مفهوم "عدم الاهتمام" (Disinterestedness)، والذي يعني أن يكون هدف العلماء هو إنكار ذواتهم من أجل البحث وراء الحقائق، وليس للحصول على عوائد مادية أو معنوية، أو تلفيق النتائج لتجنُّب التشهير أو خسارة ما عملوا عليه لفترة من الزمن بسبب مخالفة نتائج التجارب لأفكارهم. يُوضّح ميرتون هنا أن العلماء بالطبع ليسوا آلهة لا تُخطئ، لكن هذا المفهوم لا ينبع من العلماء أنفسهم، ولكن من الهيكل المؤسسي العلمي.

 

وفي الأخير يأتي ما يسميه ميرتون "التشكك المنظم" (Communalism)، وهو يُعبِّر عن احتياج العلماء دائما إلى التحقق من كل البيانات والاحتمالات المطروحة والآليات المستخدمة والأدوات التجريبية، فيقول إن "المحقق العلمي لا يهتم بكون الشيء مقدسا أم مدنسا، كونه يتطلب الاحترام غير النقدي أو يمكن تحليله موضوعيا، كل شيء يجب أن يخضع للتحقق".

 

أحد أشهر الأمثلة الحالية المؤيدة للفرضية الميرتونية، خاصة المفهومين الأول والثاني، ظهر منذ بداية الجائحة في ديسمبر/كانون الأول 2019، كان أول شيء هو إعلان الصين التسلسل الجيني للفيروس ومشاركته مع كل العالم، وإلى الآن نُشِر(9) أكثر من 71 ألف تسلسل جيني للفيروس من كل مكان في العالم، كانت تلك هي المرة الأسرع في تاريخ تفشي الأوبئة حول العالم والتي يجتمع خلالها هذا القدر من البيانات في أسابيع إلى شهور قليلة. ساعد ذلك في عدة أمور مهمة، أولها كان تمكين العلماء في كل مكان بالعالم من متابعة تطور الفيروس، والثاني كان المساعدة في تسريع تطوير أنواع جديدة من اللقاحات تعتمد بالأساس على الحمض النووي للفيروس.

من جهة أخرى فإن قواعد البيانات المفتوحة نفسها لاقت دعما شديدا وقبولا من جحافل العلماء حول العالم، أحد أشهر الأمثلة هنا هو منصة التحليل الفيروسي(10) "نيكستراين" (Nextstrain)، أعضاء فريق هذه المنصة موجودون في ثلاث قارات حول العالم ويمكن لهم تحليل البيانات الواردة من العلماء على مدار 24 ساعة، بينما نتحدث فإن نيكستراين تتلقّى قدرا هائلا من البيانات هو الأكبر في تاريخها، لم يكن أحد ليتصوّر أن يشارك العلماء حول العالم كل تلك البيانات.

 

من جهة أخرى، أمكن كذلك أن تجد هذا النوع من التعاون في الكثير من الشركات مفتوحة المصدر التي تُصمِّم منتجات ثلاثية الأبعاد(11)، ساعد ذلك في تطوير أقنعة وجه وأجهزة ضبط ضغط الحجرة فعالة جدا وبسرعة هائلة، وتشارك مجتمعات مثل "دي آي واي" (اصنعها بنفسك) و"ميكر" تلك الإنجازات بشكل مجاني، الأمر الذي يفتح الباب لإنقاذ مئات الآلاف من البشر في الشوارع والمستشفيات حول العالم.

 

أضف إلى ذلك أن هناك تعاونات غير ربحية قد ظهرت مؤخرا. على سبيل المثال لا الحصر، تتعاون (12) مختبرات "دوبركس" الروسية (الدولة 1) مع معهد باستير الفرنسي (الدولة 2) وشركة الأدوية "ثيميس بيوساينس" في النمسا (الدولة 3) لتطوير مجموعة من اللقاحات الممكنة لكورونا المستجد، تتشارك هذه المنصات الثلاثة بياناتها بشكل لحظي ودون رغبات ربحية.

 

حصل هذا الثلاثي مؤخرا على تمويل من "تحالف التأهب الوبائي"، المنظمة النرويجية (الدولة 4) الممولة من قِبل مؤسسة بيل وميليندا غيتس (الدولة 5) إلى جانب مجموعة من الحكومات، وبينما نتحدث فإن هذا التحالف يُجري محادثات مع "معهد أمصال الهند" (الدولة 6)، أحد أكبر مُصنّعي اللقاحات في العالم. هل تتخيّل ذلك؟ مؤسسات في ست دول تتبادل البيانات والخبرات فيما بينها، بشكل غير ربحي، لدعم وقاية البشرية من هذا الفيروس.

"تحالف التأهب الوبائي" ومؤسسة بيل وميليندا غيتس ومعهد باستير الفرنسي وشركة الأدوية "ثيميس بيوساينس" (الجزيرة)

 

وفي النهاية لا يمكن أن ننسى أن معظم الدوريات الطبية المتخصصة حول العالم قد فتحت أبوابها مجانا للباحثين لقراءة الأوراق البحثية الصادرة بمعدلات كبيرة يوميا، أضف إلى ذلك أن منصات ما قبل النشر خلقت نوعا جديدا، حَذِرا بعض الشيء، من التواصل بين العلماء حول العالم قبل أن تؤكد صحة الورقة البحثية أو قابليتها للنشر، حيث أصبح الباحثون يتجادلون عبر تويتر في جوانب الأوراق البحثية ويقومون بتفنيدها سريعا قبل المؤسسات العلمية ذاتها، الأمر الذي سرّع وصول بعض النتائج المهمة.

 

حسنا، بالطبع في الجانب الآخر ستجد أن الكثير من الشركات لا تُتيح بياناتها مجانا، إلا أن البعض يفعل، وهذا مهم. نعم، لقد شهد تاريخنا حالات كثيرة تمكّن فيها السياسيون ورجال المال من توجيه العلم إلى غير طريقه، لكن الطريق الآخر الذي يتضمّن معايير ميرتون موجود، ولو بشكل جزئي. في كل الأحوال، وفي حالة كورونا المستجد، سيتضح ذلك في لحظة ما بعد ذهاب الوباء.

_______________________________________

المصادر

  1. Money talks when trying to influence climate change legislation
  2. ‘Climategate': 10 years on, what's changed?
  3. Vaccine experts say Moderna didn’t produce data critical to assessing Covid-19 vaccine
  4. The specificity of the scientific field and the social conditions of the progress of reason – Pierre Bourdieu- First Published December 1, 1975
  5. Science and politics
  6. Scientific Knowledge: A Sociological Analysis Barry Barnes, David Bloor, John Henry – The Athlone Press 1996
  7. المصدر السابق
  8. The Sociology of Science: Theoretical and Empirical Investigations – Robert K. Merton University of Chicago Press, 1973
  9. 71,000 viral genomic sequences of hCoV-19 shared with unprecedented speed via GISAID
  10. Open science takes on the coronavirus pandemic
  11. المصدر السابق
  12. Covid-19 Changed How the World Does Science, Together

حول هذه القصة

نحن لا نعرف بعد إن كان الهيدروكسيكلوروكين مفيدا أم لا بعلاج الحالات المتقدمة من "كوفيد-19″، لكن المشكلة أن إجابة هذا السؤال تأخرت كثيرا بسبب بلبلة سياسية حول الأمر وضعت باحثي العالم أجمع بمنطقة الشك.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة