مع فتح البلاد.. ماذا يخبرنا البحث العلمي عن أخطر الأماكن في محيطنا؟

قبل عدة أيام صرّح(1) أنطونيو فاوتشي، عضو في فريق عمل البيت الأبيض الأبرز لفيروس كورونا المستجد، أن الأمر في المجمل قد يأخذ من سنة إلى سنة ونصف ليأتي يوم ونتعامل فيه مع هذا الفيروس بلا خوف، لنمشي في الشوارع لا نتلفّت حولنا، أو فقط نطمئن قليلا بينما نتجوّل في السوق لشراء بعض الخضراوات، إنها فترة طويلة حقا، لكنها للأسف وجهة النظر المتفائلة عن هذا الأمر.

بينما نتحدّث، يُسجِّل العالم أكبر عدد من الحالات اليومية المؤكدة المصابة بـ "كوفيد-19" منذ بداية الأزمة ديسمبر/كانون الأول الفائت، الشهر الذي يبدو -من ثقل الأحداث- وكأنه قد مر منذ أعوام عدة، إلا أن ما مضى فقط سبعة أشهر. وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت(2) مؤخرا أنه لم يعد ممكنا أن نرجع إلى ما يمكن أن نسميه "الطبيعي" حتّى مع اتجاه كل بلاد العالم تقريبا إلى سياسة الفتح، خوفا على الاقتصاد من جانب، ولأنه لا توجد حلول أخرى كما يبدو سوى مواجهة المصير.

 

في مثل هذه الظروف لا بد أنك تسأل: ماذا أفعل؟ أصبحنا مضطرين للنزول إلى العمل والمشي في الشوارع والذهاب إلى الأسواق، أطفالنا ملّوا البقاء في المنزل وبدأت علامات الاضطراب في الظهور عليهم. دعنا من هنا نبدأ في تنظيم الأمور قليلا مع معلومة غاية في البساطة تقول إنه لا يوجد أحد منا بمأمن من الإصابة بـ "كوفيد-19″، هناك دائما هذا الاحتمال بأنك قد تلتقطه في أي مكان، لكن كل ما يمكن أن نفعله تجاه هذا الوحش الصغير جدا جدا في الحجم هو أن نمارس معه لعبة الاحتمالات!

بمعنى أوضح، إذا كانت هناك مئة طريقة للأمان فيُفضَّل دائما أن نهتم أولا بتنفيذ الطرق التي تعطينا أفضل فرص ممكنة للوقاية، تليها الفرص الأقل، وهكذا. بناء على ذلك يمكن أن نرتّب أولويات حياتنا بحيث تبعدنا -قدر الإمكان- عن الخطر، لفهم الفكرة دعنا نبدأ من دراسة يابانية صدرت(3) في شهر فبراير/شباط الفائت تحاول أن تفحص إمكانية حدوث إصابات داخل أماكن مغلقة مقارنة بأماكن مفتوحة، أُجريت الدراسة على أكثر من مئة حالة، وجاءت النتائج لتقول إن احتمالية الإصابة تزداد لـ 19 ضعفا داخل الأماكن المغلقة.

 

اتفقت تلك النتائج، وقت صدورها، مع الانخفاض الجذري لأعداد المصابين في بعض المدن الصينية على أثر منع التجمعات داخل أماكن مغلقة، وكانت عدة دراسات(4)(5) قد أشارت إلى أن معظم عناقيد الإصابات بالفعل كانت منزلية، ونتحدث هنا عن 80% من الإصابات في الصين، ما يعني دورا قويا للوجود لفترة طويلة، أولا، في مكان مغلق، ثانيا، في رفع فرص إصابة الناس.

 

 

وكان أكثر من 200 عالم حول العالم، بناء على دراسة أخرى جامعة قد صدرت(6) في دورية "جورنال أوف إنفيكشوس ديزيزس"، قد أشاروا مؤخرا إلى أنه يجب على منظمة الصحة العالمية أن تضع في الاعتبار إمكانية أن ينتقل فيروس كورونا المستجد في الهواء عبر القطرات الصغيرة جدا التي تخرج من الفم أثناء السعال أو العطاس أو حتّى الكلام العادي.

 

حجم القطرات يتناسب مع موضع سقوطها، فإذا كانت كبيرة وكان الطقس رطبا سقطت من فم المصاب سريعا إلى الأرض على مسافة في حدود 1-2 متر، لكن القطرات الصغيرة قد تتخطّى هذه المسافة وصولا إلى 4 أمتار، ما يعني مساحة حجرة صغيرة، بحسب دراسة صينية(7) صدرت إبريل/نيسان الفائت، الأمر الذي قد يتسبّب في درجة كبيرة من الخطورة في الأماكن المغلقة وسيئة التهوية تحديدا، لأن ذلك يسمح بانتشار أكبر للفيروس.

 

في الواقع، دفع ما سبق بعض الباحثين لوضع فرضية جديدة مختلفة تماما عن آلية انتشار كورونا المستجد بين الناس. تقول تلك الفرضية(8) إن 10% من مصابي "كوفيد-19" فقط مسؤولون عن 90% من الإصابات، وكانت المشكلة دائما هي إيجاد هؤلاء الذين يمتلكون قدرات فائقة على نشر الفيروس أو تلك الأحداث التي تتسبّب في حدوث انتشار هائل للفيروس، بالطبع هناك اختلافات فردية بين الناس ومناعاتهم تتسبّب في اختلاف بينهم في نشر الفيروس، لكن وجد أيضا أن هناك أماكن بعينها يمكن أن تساهم في ذلك.

يبدو هنا أننا بحاجة إلى تذكر(9) الحالة 31 في كوريا الجنوبية، إنها إحدى السيدات التي تتبع طائفة شبه مسيحية، التقطت المرض في يناير/كانون الثاني الماضي، وفي فبراير/شباط ذهبت إلى مستشفى في "دايجو"، رابع أكبر مدينة في البلاد، على إثر ارتفاع في درجات الحرارة، لكنها تجاهلت مناشدات الأطباء بإجراء الفحص، وذهبت مرتين إلى كنيسة مزدحمة وإلى فندق مزدحم وإلى أكثر من مستشفى، نعرف الآن أن تلك السيدة بدأت سلسلة انتهت بـ 5016 إصابة، سُمّيت "عنقود كنيسة شينشيونجي".

 

بل وكانت هناك بعض الإشارات إلى أن مباراة أتلانتا وفالنسيا(10) في ذهاب الدور السادس عشر بدوري أبطال أوروبا، فبراير/شباط الماضي، هي السبب وراء تفشي فيروس كورونا في إيطاليا، حيث صنعت عنقود إصابات قُدِّر بـ 40 ألف حالة، أما مباراة ليفربول وأتلتيكو مدريد في مارس/آذار فيُقدَّر أنها تسبّبت(11) في عشرات الوفيات، يطرح كل ذلك سؤالا مهما: ما الذي يجمع بين كنيسة ومباراة وكذلك ظهور عدد كبير من عناقيد الإصابات في الحفلات الغنائية والأفراح والمراكز الرياضية؟

 

إنه الصوت المرتفع، في كل تلك الأحداث كان ارتفاع الصوت عاملا أساسيا، سواء كان أحدهم يتحدث بصوت مرتفع، أو احتياجك أنت إلى التحدث بصوت مرتفع لأن الأجواء صاخبة وصديقك لا يسمعك، في تلك الحالة فإنك لا تُخرِج من فمك كمًّا أكبر من الفيروسات فقط، وإنما أيضا يمكن له أن يسافر لمسافة أطول. في الواقع، نعرف الآن أن كمَّ الفيروس الذي يدخل إلى عينيك أو أنفك أو فمك قد يكون ذا علاقة طردية بشدة الإصابة الخاصة بك.

 

وبالحديث عن كم الفيروس الذي يخرج من المرضى، ربما يجب أن نشير إلى أن أصحاب الأعراض الواضحة أكثر قدرة(12) على نقل الفيروس من أصحاب الأعراض الخفيفة، أو هؤلاء الذين بلا أعراض، كانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت بالفعل إلى هذا الأمر في تصريح تراجعت عنه خشية أن يُفهم بالخطأ من الجمهور، لكن قدرة الأشخاص على إحداث إصابات تكون في أوجها خلال الأيام الأولى من الأعراض.

يعني ذلك أن وجودك في مكان ما، خاصة لو كان مغلقا وسيئ التهوية، مع صاحب أعراض "كوفيد-19" واضحة، مثل السعال وهو عادة العرض الأوضح على مسافة، يعني إمكانية إصابة محتملة بالفيروس، لا يمنع ذلك الأشخاص الذين لا يحملون أي أعراض من إصابتك، لكننا -كما أسلفنا- نمارس لعبة الاحتمالات لوقاية أنفسنا.

 

أضف إلى ذلك أنه يمكن أن نستنتج مما سبق عدة معايير مهمة ربما يُفضَّل أن نضعها في اعتبارنا أثناء اختيارنا للأماكن التي سنذهب لها، أولها مثلا هو عدد الأشخاص بالنسبة للمكان، فسوق كبير به أربعون شخصا أفضل من سوق صغير به العدد نفسه، لأن ذلك يقلل احتمالية الاحتكاك، وبالتالي الإصابة، لذلك يُحذِّر الخبراء من مناطق صغيرة ومزدحمة مثل المقاهي الصغيرة أو صالونات الحلاقة أو المراكز الرياضية (الأخيرة لها علاقة بالصوت المرتفع أيضا).

 

من جهة أخرى فإن الأماكن التي اعتاد أفرادها على لمس الأشياء نفسها تصبح أكثر خطورة. لفهم تلك الفكرة دعنا نتأمل دراسة(13) صدرت مؤخرا فحصت أحد المستشفيات بمدينة ووهان الصينية، في أوج الوباء، بعد عدة ساعات من التطهير الصباحي المعتاد بحيث يصبح المستشفى بالكامل تجربة جديدة، وجدت الدراسة -من ضمن نتائجها الكثيرة- أن مقابض الأبواب والفأرة الخاصة بالحواسيب، تلك التي يتشاركها الموظفون، كانت أكثر الأماكن احتواء على الفيروس.

 

يعني ذلك احتمال إصابة كبيرا، لأننا عادة ما نأخذ الفيروس إلى أيدينا ثم إلى أنوفنا أو فمنا أو عينينا عبر لمس وجوهنا، لذلك يُفضَّل أن نتوخى الحذر في الأماكن التي يكثر بها لمس أشياء بعينها، وهنا تكون المطهرات السريعة مثل الكحول أو غسل اليدين بالماء والصابون بكثرة أكثر فاعلية، لذلك فإن الأماكن التي توفر فرصة أكبر لتطهير يديك أفضل من تلك التي لا توفر الفرصة.

وفي المجمل، يمكن القول إن المكان يكون أكثر أمانا إذا التزم بقواعد تغطية الوجه بالكمامات الطبية واستخدام المطهرات، لذلك إذا خُيّرت بين مكانين أحدهما لا يلتزم بالقواعد والآخر يلتزم بها فاعمل على اختيار الأخير حتّى لو كان هناك فارق في جودة ما يقدمه من خدمات، لأن ذلك يضعك في خانة الاحتمالات الضعيفة.

 

لفهم تلك الفكرة المهمة بصورة أوقع وأكثر وضوحا دعنا نتأمل تقريرا(14) أخيرا صدر من المركز الأميركي لمكافحة الأمراض واتقائها عن حالة مثيرة للانتباه في مدينة سبرنجفيلد الأميركية، حيث تعاملت مصففتا شعر مع نحو 140 سيدة في أحد صالونات التصفيف خلال أكثر من أسبوع كامل بعد إصابتهم بـ "كوفيد-19" وقبل أن تعرفا أنهما مصابتان بالمرض.

 

في هذا الصالون، فإن المصففتين كانتا تطبقان سياسة التطهير وارتداء الكمامات، سواء بالنسبة للعاملين في المكان أو الزبائن، بعد تقصي شجرة الإصابات وجد المركز أنه لم توجد إصابة واحدة بسبب هاتين الحالتين، سواء عبر عمل مسح أو تقصي الأعراض، ما يشير إلى أن الكمامات -سواء كانت قطنية أو جراحية- كان لها دور فعال في الوقاية من الإصابة، في المقابل من ذلك ظهرت إصابات في عائلة إحدى هاتين المصففتين، والسبب قد يكون أنها لا ترتدي الكمامة في المنزل.

حسنا، نعم البلاد تفتح أبوابها، لكن ذلك لا يعني أن الخطر قد زال، حتّى مع انخفاض أعداد المصابين في بلادك فإن ذلك لا يعني إلا الحاجة إلى المزيد من الحذر حتّى لا نقع أسرى لموجات قادمة متوقعة أكثر عنفا من "كوفيد-19″، هذا الفيروس هو واقع نعيش خلاله ولن يأتي اليوم الذي نتعامل فيه بشكل طبيعي إلا بعد وصول اللقاح، لذا مارِس الحذر المنظم كأسلوب حياة.

____________________________________________________

المصادر

  1. Fauci says he's hopeful that within a year or 18 months, people will no longer ‘have to worry about getting infected with this awful virus'
  2. WHO: There Will Be No Return to Normal in the ‘Foreseeable Future’
  3.  Closed environments facilitate secondary transmission of coronavirus disease 2019 (COVID-19)
  4. mpact of non-pharmaceutical interventions (NPIs) to reduce COVID-19 mortality and healthcare demand
  5. Indoor transmission of SARS-CoV-2
  6. Scientists Urge WHO to Acknowledge Virus Can Spread in Air
  7. Aerosol and Surface Distribution of Severe Acute Respiratory Syndrome Coronavirus 2 in Hospital Wards, Wuhan, China, 2020
  8. Why do some COVID-19 patients infect many others, whereas most don’t spread the virus at all?
  9. The Korean clusters
  10. The Soccer Match that Kicked Off Italy’s Coronavirus Disaster
  11. Liverpool's Champions League clash with Atletico led to 41 COVID-19 deaths, study claims
  12. Viral dynamics in mild and severe cases of COVID-19
  13. Aerosol and Surface Distribution of Severe Acute Respiratory Syndrome Coronavirus 2 in Hospital Wards, Wuhan, China, 2020
  14. Absence of Apparent Transmission of SARS-CoV-2 from Two Stylists After Exposure at a Hair Salon with a Universal Face Covering Policy — Springfield, Missouri, May 2020

حول هذه القصة

نحن لا نعرف بعد إن كان الهيدروكسيكلوروكين مفيدا أم لا بعلاج الحالات المتقدمة من "كوفيد-19″، لكن المشكلة أن إجابة هذا السؤال تأخرت كثيرا بسبب بلبلة سياسية حول الأمر وضعت باحثي العالم أجمع بمنطقة الشك.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة