"ثقب أسود في الروح".. لماذا نفهم اضطراب الشخصية الحدية بشكل خاطئ؟

في أحد مشاهد الفيلم التسعينياتي الشهير "فتاة مضطربة" (Girl, Interrupted)، وبينما كانت سوزانا، الفتاة التي لعبت دورها الممثلة الأميركية "وينونا رايدر"، جالسة لتتحدث مع أبويها عما يعتريها من توتر وعصبية، قال لها الطبيب النفسي الذي كان جالسا معهم إنها مصابة بما يُسمى "اضطراب الشخصية الحدية"، هنا تتوقف الفتاة لتسأل بدرجة من التعجب والسخرية: "ماذا تقصد بهذا الكلام؟ على الحدود بين ماذا وماذا؟".

في الواقع، فإن "فتاة مضطربة" لم يُقدِّم الكثير بالنسبة لاضطراب الشخصية الحدية سوى المزيد من البلبلة حول ما يعنيه هذا المرض، إلا أن هذه المشكلة الخاصة بسوء فهمه قديمة قدم اضطراب الشخصية الحدية نفسه (Borderline Personality)، حيث حصل على هذه التسمية في تقرير كتبه أدولف شتيرن، متخصص التحليل النفسي الأميركي سنة 1938، قال فيه إن مجموعة من مرضاه يعانون من شكل خفيف من الفصام، فتصوّر أنهم على "الحد" الفاصل بين العصاب والذهان، ومن هنا نشأ الاصطلاح.

 

يستمر الفهم الخاطئ لاضطراب الشخصية الحدية في المُضيّ قُدما مع الزمن، حيث كان الباحثون الأوائل يظنون أنه مجموعة من الآليات المضطربة، مثل موجات الغضب العنيف أو إيذاء النفس، والتي يستخدمها الشخص ليجذب انتباه الآخرين إليه، ورغم أننا الآن نعرف تماما أنه ليس كذلك، فإن المحيطين بالمصاب لا يزالون يقعون في خطأ تصور أنه يرغب في جذب الاهتمام إليه، أو أنه شخص متلاعب بالآخرين يستخدم هذه الموجات من الغضب والحزن للتأثير على قراراتهم تجاهه.

 

لكن اضطراب الشخصية الحدية ليس كذلك، بل هو نمط شامل من عدم الاستقرار في منظومة المشاعر الخاصة من الإنسان، ويأتي ذلك في سياق العلاقات مع الآخرين، والمزاج، وفي صورة الشخص عن ذاته، ويحاول الشخص أن يتحكّم في هذا النوع المتفرد من التوتّر في حدة مشاعره أو أن يتصرف بما تمتلكه شخصيته من أدوات، لكن ذلك بالتبعية يتسبّب في أعراض هذا المرض، والتي يضعها الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية في تسعة نطاقات، خمسة منها تصلح لتشخيص المرض، لفهم ذلك دعنا نبدأ بمثال بسيط.

"حسناء" هي فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، كانت تنتظر أن يحضر خطيبها "مراد" إلى العشاء بالأمس لكنه لسبب ما لم يحضر، في تلك الحالة تشعر حسناء أن مراد يمكن أن يتركها قريبا لأنه لم يهتم بهذا اللقاء، بشكل عام يمكن لنا جميعا أن نشعر بذلك، لكن بالنسبة للمصابين باضطراب الشخصية الحدية فإن الخوف من هجران الآخر لهم، سواء كان ذلك الهجران حقيقيا (مراد بالفعل يقول لها إنه ينوي التخلّي عنها) أو متخيلا (مراد فقط كان مشغولا في العمل ولم يحضر)، يكون هائلا للدرجة التي تجعل ردة الفعل على الأمر بالمقياس نفسه، فيتسبّب ذلك بموجات من الغضب الشديد أو قد تؤذي حسناء ذاتها كردة فعل، لكن الأسوأ هو أن ردة الفعل تلك قد تتسبّب في نهاية العلاقة وتتحقّق مخاوف الفتاة لهذا السبب.

 

تُعَدُّ المحاولات المحمومة لتجنُّب الهجران الحقيقي أو حتّى المتخيّل أحد أهم أعراض اضطراب الشخصية الحدية، فتجد هذا الشخص يتجهز دائما لهذه الحالة، وتصبح طبيعة الحياة اليومية عبارة عن حوارات متكررة كثيفة تتضمن جملا مثل "أنت تخدعني"، أو "لا بد أنك ستتركني"، أو "مَن تلك الفتاة التي التقيتَها في النادي؟"، أو "إذا ابتعدتِ فلن تعودي إليّ"، أو "مَن ذلك الشاب الذي يُشاركك العمل، ولِمَ يتحدث معك بهذه الطريقة؟"، إلخ، لا يتعلّق ذلك فقط بالزواج أو الحب، بل بالصداقة والعلاقات مع العائلة أيضا، وحتّى علاقات العمل.

 

في الواقع، فإن هذا العرض يتسق مع آخر مميز لهذا الاضطراب، وهو نمط غير مستقر وحاد من العلاقات مع الآخرين، ينتقل من أقصى الكمال إلى أحط قدر، فتبدأ العلاقة بعاطفة شديدة وانجذاب مثالي ثم تتطور سريعا لحالة من الجدل والشجار والغضب، ويستمر ذلك التوتر بسبب أحداث قد تبدو للآخرين تافهة، كأن يتأخر أحدهم مثلا في الرد على رسائلك على فيسبوك، هنا ترتفع حِدّة مشاعرك من صفر إلى مئة كيلومتر في الساعة خلال ثوانٍ وكأنك سيارة فيراري تزمجر جاهزة للانطلاق، وقد تستمر لساعات على تلك الحال.

في تلك النقطة يُساء فهم اضطراب الشخصية الحدية، فيظن البعض أن المصاب به هو شخص لا يمتلك القبول أو شخص "صعب"، لكنه فقط شخص يجاهد للإبقاء على علاقاته، إلا أنه لا يمتلك القدرة على التعامل بشكل متدرج بين الأبيض والأسود كما يفعل شخص عادي متوسط، هناك دائما تلك القاعدة في التعامل التي يمكن أن تتغير مع التدريب والعلاج، وهي "كل شيء أو لا شيء".

 

بل وتمتد تلك الحالة من التوتر وعدم استقرار المشاعر لتتجذّر في هوية الشخص ذاته. ستجده يتساءل بشكل دائم عن هويته، من أنا؟ ما طبيعتي؟ هل أرتدي هذا أم هذا؟ هل أصبغ شعري بالأزرق أم البرتقالي؟ ما الذي يُعبِّر عنّي؟ ومع هذا التوتر المحموم نجد أن المصابين بهذا الاضطراب قد يبدّلون بشكل مستمر من طبيعة ملبسهم ومظهرهم واختياراتهم لأساليب الحياة في العموم، بل قد يحاول بعضهم تغيير اسمه، أو قد يتبع طريقة شخص آخر في الحياة، ويبدل أهدافه من وقت لآخر.

 

في تلك النقطة تحديدا فإن البعض يُخطئ في فهم -بل وتشخيص- اضطراب الشخصية الحدية، فيظن بسبب تلك العلامات السابقة أنه اضطراب تعدد الشخصيات الذي نعرفه الآن باسم اضطراب الهوية التفارقي (Dissociative identity disorder)، وبسبب عدم الاستقرار في حالات الشخص بين حزين وسعيد يظن البعض الآخر أننا أمام حالة اضطراب ثنائي القطب (Bipolar disorder)، لكن هناك في الواقع اختلافات كبيرة بين الاضطرابات الثلاثة، ولكلٍّ منهم نمط مختلف من الأعراض، في حالة الاضطراب ثنائي القطب على سبيل المثال فإن حالات الاكتئاب، أو الهوس، تدوم لفترات طويلة، أما في حالة اضطراب الشخصية الحدية فإن التغير في المزاج على سبيل المثال قد يحدث خلال ساعات قليلة، ونادرا ما يستمر لأكثر من بضعة أيام.

 

يتسبّب كل هذا التوتر في مشاعر المصاب بالمرض، سواء بالنسبة لذاته أو في سلوكه من الآخرين، في عَرَض آخر مهم جدا للمرض وهو نوبات الغضب الشديدة والسريعة، ويتطور الأمر سلوكيا ليصل إلى الاندفاعية في نطاقين على الأقل من النطاقات التي تحمل إمكانية إلحاق الأذى بالذات، مثل الإنفاق غير المتأني أو لعب القمار، أو الدخول في علاقات حميمة بسرعة شديدة دون تأنٍّ، أو إساءة استعمال المواد المسكنة أو المخدرة، أو القيادة المتهورة، أو حتّى نوبات من الأكل المفرط، بل وقد يتطور الأمر إلى أفكار أو محاولات للانتحار.

في تلك النقطة يمكن أن نُعمّق قليلا من فهمنا لطبيعة هذا الاضطراب، فالأفكار أو المحاولات الانتحارية تأتي -في حالة اضطراب الشخصية الحدية- في سياق عدم الاستقرار الداخلي والخارجي في المشاعر (Emotional dysregulation)، بمعنى أنه قد ييأس من فشله المتكرر في الحفاظ على العلاقات، أو قد تقول إحداهن لحبيبها الذي هجرها إنها ردا على ذلك ستقوم بإيذاء أو قتل نفسها، في تلك الحالة فإن الاندفاعية هي رد فعل على عَرَض آخر، والذي هو بدوره تمظهر واضح لتردد عواطف هذا الشخص بشكل مستمر.

 

من جهة أخرى فإن هذا التراقص المحموم لعواطف الشخصية الحدية يظهر مع عَرَض آخر غاية في القسوة، وهو إحساس الشخص المزمن بالفراغ، باللا شيء، يحدث ذلك من حين لآخر لكل شخص طبيعي، ربما بسببه قد يأكل أو يخرج للأصدقاء أو يفعل شيئا ما يزيح الشعور، لكن بالنسبة للمصاب باضطراب الشخصية الحدية فإنه لا شيء سيملأ هذا الفراغ أبدا، في الواقع قد يكون ذلك هو ما يُوجِّه المصابين بهذا الاضطراب لأفعال اندفاعية بطبعها، ويستمر ذلك في التكرار لأنه لا شيء يسد الفجوة، بل هي أشبه ما تكون بثقب أسود في الروح يستمر في سحب كل شيء إليه، ولا يشبع أبدا.

 

العائلات التي تحوي مصابا بهذا الاضطراب عادة ما تتكيّف معه عبر محاولات مضنية للمشي على قشر البيض، أي محاولة تجنب أي شيء قد يُثير المصاب بهذا الاضطراب، لكنهم غالبا ما يفشلون في ذلك لأن الأمر لا يتعلق بهم أو بتلك الأحداث، بل بعدم استقرار عواطف المصاب بالاضطراب، لكن هناك شيء واحد فقط قد يُهدِّئ الأوضاع التي عادة ما تتطور لتصورات سيئة عن الشخص المصاب بالمرض، وهو التشخيص المناسب.

 

في الحقيقة، إن تشخيص اضطراب الشخصية الحدية قد يكون صعبا للغاية، ليس فقط لتداخله مع الاضطرابات الأخرى في بعض الأعراض كما تحدّثنا في حالة اضطراب الهوية التفارقي أو الاضطراب ثنائي القطب، ولكن كذلك لأننا نُفرِّق بصعوبة بين ما يعنيه الاضطراب المزاجي (Mood Disorder) واضطراب الشخصية (Personality Disorder)، لكن على الرغم من ذلك يبقى الفارق الأكثر تأثيرا هو أن اضطرابات الشخصية هي نمط للسلوك يظهر بشكل أساسي في العلاقات مع الآخرين.

 

لكن للأسف كونها تظهر بوضوح في العلاقات مع الآخرين يجعلها الأكثر عُرضة لوصم المريض. على سبيل المثال، يظن البعض أن اضطراب الشخصية الحدية هو أسلوب حياة اختياري، وأن أصحابه يتعمّدون التلاعب أو إثارة الانتباه، ولذلك فالحل هو تجاهلهم. لكن ذلك غير صحيح، بل هو مرض حقيقي، لذلك لا تتجاهل المصاب به ولكن وجِّهه لطريق العلاج.

وعلى الرغم من أن اضطرابات الشخصية ليست مفهومة بالكامل إلى الآن، ولا توجد بعد حدود بين كلٍّ منها داخل نطاق اضطرابات الشخصية نفسه، فإن اضطراب الشخصية الحدية هو واحد من أكثر الأمراض التي يعمل العلماء على فهمها حاليا، خاصة أنها تُصيب ما بين 1.5-6% من الناس بحسب اختلاف المجتمعات (يعني ذلك أنه ليس نادرا كما يظن البعض)، وذلك بالتبعية يُحسّن فهمنا لما تعنيه تلك الفئة من الاضطرابات النفسية، نقصد اضطرابات الشخصية.

حاليا، أصبحنا نعرف أن العلاج يؤثر بقوة في حالات اضطراب الشخصية الحدية، وهو أمر ظن البعض يوما ما أنه لن يحدث وأن هذا الاضطراب بلا علاج، ومع تطور العلاج النفسي بجانب بعض الأدوية التي تُستخدم للسيطرة على الأعراض، خاصة العلاج السلوكي الجدلي وغيره من الآليات الفعالة في العلاج المعرفي السلوكي، أصبحت نِسَب التكيُّف مع المرض والتخلُّص من أعراضه كبيرة.

 

في الواقع، فإننا يوما بعد يوم نعرف أن نِسَب الشفاء من اضطراب الشخصية الحدية قد تصل إلى أكثر من 50%، وكانت بعض أكبر الدراسات في هذا النطاق قد أشارت إلى أن أكثر من 80% من المرضى يُحقِّقون درجة تحسُّن كبيرة بعد أربع سنوات، بحيث أصبحت أعراضهم خارج نطاق معايير التشخيص المَرَضي، ما يعني أنهم على حافة الشفاء، لذلك فالقول إنه لا يُعالج هو خرافة كبيرة.

لكن الأهم من ذلك كله هو أن العائلات التي تحوي مصابين بهذا الاضطراب تعلّمت من أساليب العلاج النفسي كيف تتكيّف معه، على الأقل يجب أن نفهم أن هناك دائما فارقا بين هذا الشخص، سواء كان صديقا أو حبيبا أو فردا من أفراد العائلة، وبين مرضه، يساعد تطوير ذلك الفهم على تحسين أوضاع المصابين باضطراب الشخصية الحدية.

 

يأتي ذلك أيضا في سياق آخر له علاقة بسوء الفهم، حيث تظن بعض العائلات -الأب أو الأم- أنها السبب المباشر في إصابة ابنها بهذا المرض بسبب خطأ ما في التربية، لكن ذلك غير صحيح، نعرف أن هناك أسبابا بيئية ووراثية لهذا المرض، لكن لا يوجد دليل على أن سوء التربية هو سبب مباشر فيه، من المهم أن يفهم الآباء ذلك خلال فترة العلاج، ليتخلّصوا من تلك الحالة من تأنيب الضمير، ويركِّزوا على الخطة العلاجية لابنهم أو ابنتهم، والتي تكون طويلة تتطلّب الصبر، لكنها فعّالة.

 

في كل الأحوال، إذا كنت من المصابين باضطراب الشخصية الحدية فاعلم أن هناك تطورا كبيرا في النطاق البحثي الخاص بهذا الاضطراب، الأمر الذي يُنبئ بمستقبل قريب واعد للتخلُّص من أعراضه والعيش بسلام، ومع الاستمرار في علاجك ومتابعة طبيبك فإن درجات التحسُّن ستتزايد يوما بعد يوم، قد يكون الأمر مرهقا في البداية لكن مع الوقت ستتحسّن حياتك بشكل كبير جدا.

—————————————————————————

هامش:

*بشكل أساسي، اعتمد كاتب التقرير على الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5) وشروحاته المرجعية من أجل كتابة هذا التقرير.

المصادر

  1. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders

حول هذه القصة

يقول العديد من الباحثين إن المرضى الذين يعانون من الحساسية والقلق على حدٍّ سواء يمكن أن يستفيدوا من إدراك وجود رابط بين الأمرين.. فما هو الرابط بينهما؟.. الإجابة بهذا التقرير.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة