هل العالم الذي ندركه من حولنا مجرد وهم؟!

بما أننا نود التحدث عن طبيعة عالمنا إن كان حقيقيا أو وهما عميقا، فدعنا نبدأ بتجربة بسيطة؛ تأمَّلْ الشكل المرفق، تبدو تلك الخطوط مائلة بوضوح لا لبس فيه، لكن ماذا لو عرفت أنها -في الحقيقة- متوازية تماما؟ هل تُشكِّك في تلك المعلومة؟ حسنا، يمكن لك أن تستخدم مسطرة للتأكد من أنها متوازية تماما بلا خطأ واحد، يمكن لك كذلك أن تحاول تغطية الفواصل بين الخطوط المتوازية بأي برنامج لتحرير الصور.   

      

    

العالم كما هو

هذا هو أحد أشكال ما نسميه بـ "وهم جدار المقهى(1)"، لكن الأكثر إثارة للانتباه لا شك هو "وهم رقعة الشطرنج(2)"، صمّمه إدوارد أديسون أستاذ علم البصريات بمعهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا في التسعينيات، وفيه يمكن أن يكتسب أحد مربعات رقعة الشطرنج لونا مختلفا فقط بحسب موضعه على الرقعة، بمعنى أن هناك مربعين باللون نفسه، عينك ستراهما بلونين مختلفين بسبب موضعيهما المختلفين! (تأمل الفيديو والتصميم المرفقين).

      

  

يستخدم الفلاسفة الأوهام البصرية لأغراض عدة. على سبيل المثال، لتبرير الفارق بين أن يرى الإنسان شيئا ما وأن "يراه كـ"، بمعنى أن نتبيّن أن هناك فارقا بين رؤية الشيء والتعرف عليه، لكن الأكثر إثارة للانتباه لا شك هو حينما نتأمل السبب الذي يدفعنا لرؤية الأشياء على غير حقيقتها، في تلك النقطة يمكن أن نبدأ بسؤال بسيط: هل يمكن لك أن تلاحظ حركة عينيك حينما تتنقل بين الأشياء أمامك؟

       

وهم رقعة الشطرنج: المربعات a وb لها اللون نفسه (إلى اليمين ترى أن الخط الواصل بينهما يحمل اللون نفسه، ويمكن لك استخدام أي أداة لتحرير الصور كي تتأكد من ذلك) 

        

تتحرّك أعيننا في المتوسط أربع مرات في الثانية الواحدة، لو تخيّلنا أن أعيننا عبارة عن كاميرا تلتقط أربع صور في كل ثانية، وهي كذلك فعلا، فإن هناك مسافة زمنية صغيرة جدا بين كل صورة تلتقطها، نقصد خلال تلك الحركة من اليمين إلى اليسار مثلا، أين تذهب تلك المسافة؟ ولِمَ يبدو العالم واضحا بالنسبة لنا لا يتحرك ولا نلاحظ أي فواصل بين حركات أعيننا بين مكوّناته؟

  

الكرات الطائرة

دعنا في تلك النقطة نتأمل ما نسميه بـ "وهم الساعة المتوقفة"(3)(Stopped clock illusion)، بالتأكيد حدث ذات مرة أن نقلت عينيك لتلاحظ تلك الساعة المعلّقة على الحائط، وربما كنت تستغرب دائما أنه في اللحظة التي تنظر فيها إلى عقرب الثواني، فقط في تلك اللحظة، يبدو الأمر وكأن عقرب الثواني قد توقّف عن العمل لوهلة قصيرة. 

  

السبب هو أن دماغك، في أثناء نقل عينيك إلى عقرب الثواني، يمسك بخيط خاص جدا ويربط بين قطعتَيْ الواقع -السابقة والقادمة- فيصبح المشهد أمامك كاملا، يحدث ذلك بشكل غير واعٍ، ولكن لأن هناك بالفعل فترة زمنية مضت أثناء نقل عينيك إلى عقرب الثواني، وهي فترة صغيرة جدا لا يتلقّى الدماغ خلالها أي بيانات، فإنه يقوم بإضافتها إلى المشهد القادم مباشرة، فيبدو الأمر وكأن عقرب الثواني قد توقّف لوهلة.

  

وهم بصري على أحد المباني، هذه الخطوط متوازية (مواقع التواصل)

   

لفهم تلك النقطة بشكل أفضل دعنا نذهب إلى مدينة بوزان الكورية الجنوبية، نحن الآن في شهر مايو/أيار من العام 2012، على مسافة قريبة جدا من تلك اللحظة التاريخية التي سجّل فيها اللاعب الأسترالي الشهير صامويل جروث رقما قياسيا جديدا لم يستطع أحد كسره إلى اليوم، حيث أطلق إرساله في إحدى الضربات في دورة بوزان للمحترفين في كرة التنس الأرضي بسرعة 263 كيلومترا في الساعة(4)، ما يعني أنه في ثُلث ثانية فقط يمكن لكرة جروث تلك أن تقطع ملعب كرة التنس الأرضي كاملا، وهي سرعة هائلة بالنسبة لسيارة على الطريق السريع مثلا، وكذلك بالنسبة للدماغ البشري.

    

نحن نعرف أن السرعة التي تجري بها الإشارات الكهروكيميائية في أجسامنا(5) هي نحو 430 كيلومترا في الساعة، يترك ذلك لنا نحو عُشر الثانية لإتمام عملية إدراكية كالرؤية، بمعنى أنه لكي تُدرك وجود شيء ما أمامك، تلك الجملة التي تقرؤها الآن مثلا، يحتاج الأمر على الأقل إلى عُشر ثانية كي تتمكّن الخلايا العصبية المستقبلة للإشارات الضوئية أن تُكوّن صورة للجملة وتنقلها إلى مناطق إدراكها بالدماغ. 

  

المشكلة التي يواجهها خصم جروث في تلك المباراة هي أنه -لكي يدرك أن هناك كرة إرسال قادمة تجاهه- يحتاج إلى مدة عُشر ثانية، لكن في تلك المدة القصيرة، بحسبة بسيطة، نجد أن الكرة ستكون قد قطعت مسافة 7 أمتار كاملة، ما يعني أنها ستكون قد وصلت إليه قبل أن يُدرك وجودها، كيف إذن يستطيع صدها؟!

    

صامويل جروث (رويترز)

  

بالطريقة نفسها التي استخدمها الدماغ قبل قليل في حالة عقرب الثواني، في كتابه "الدماغ: أسطورة التكوين" (The Brain: The Story of You)، يشرح ديفيد إيجلمان، عالم الأعصاب الأميركي من جامعة ستانفورد، تلك الفكرة قائلا إن دماغنا البشري يعرف أن هناك فاصلا بين الحدث وإدراكه، لذلك فإن هذا اللاعب في الجهة المقابلة من ملعب التنس سوف يقفز، فعليا، قبل وصول الكرة إليه ليضربها، لكنه لن يضربها في موقعها، بل في الموقع المتوقّع أن تصل إليه بعد عُشر ثانية، يحدث ذلك بشكل غير واعٍ، خصم جروث لن يُدرك ذلك، فدماغنا لا يعرف "الحاضر" بالمعنى المفهوم، لكنه يدفعك للتعامل مع توقعاته على أنها الحاضر. 

  

الدماغ البايزي

أدمغتنا محبوسة داخل جمجمة أشبه ما تكون بكهف مظلم، تتواصل مع العالم الخارجي عبر أدوات الحس، كاللمس والسمع والبصر، لكنك تظن بالخطأ أن وظيفة الدماغ هي قراءة هذا الواقع فقط كما هو بدقة تصل إلى عدد من الفوتونات أو موجات الصوت، كأنه يطبع ورقة ملف "وورد" أو فقط يلتقط صورة ويطبعها بالداخل كما هي، إلا أن الدماغ وظيفته ليست تقديم الواقع، بل تفسيره في صورة يسهل هضمها.

   

لفهم تلك الفكرة بشكل أعمق يمكن أن نتأمل تلك الفرضية التي طورها هيرمان فون هيلمهولتز(6)، الطبيب والفيزيائي والرياضي الألماني، قبل نحو قرنين من الزمان حينما قال إن الدماغ هو آلة "تخمين"، بمعنى أوضح، ما ندركه عن العالم ليس العالم نفسه، بل أفضل تخمين قام به دماغنا عن هذا العالم، يُعيدنا ذلك من جديد إلى الأوهام البصرية. حينما تتطلع إلى الأوهام البصرية التي عرضناها سابقا فإن المعلومات البصرية القادمة لدماغك تؤكد أن المربعين "A" و"B" لهما اللون نفسه، وتؤكد أن الخطين متوازيان، لكن دماغك لا يحاول الاعتماد على تلك البيانات بشكل منفرد، بل يستخدم خبراته ليصنع صورة متكاملة تُفسِّر الواقع، وفي بعض الأحيان فإن تخمينه يغلب البيانات القادمة من الخارج.

    

هيرمان فون هيلمهولتز (مواقع التواصل)

    

تتطور فكرة هيرمان فون هيلمهولتز بصورة معاصرة لتصبح ما يُسمى "فرضية الدماغ البايزي(7)"، لنتخيّل أن أحدهم عاش في كهف مظلم طوال حياته، والداه كانا من أتباع نظرية المؤامرة وكانا مرتعبين من حرب نووية قادمة فقرّرا الإبقاء عليه بعيدا في الغابات المجاورة للمدينة، ثم حدث لسبب ما أن انهار جزء من هذا الكهف فخرج صديقنا للعالم ورأى، لأول مرة في حياته، نهار الأرض. إنه مشهد ساحر لا يُصدّقه عقل، تمنى صديقنا أن يحدث هذا الأمر مجددا فيستمتع به قدر الإمكان.

  

مع شروق الشمس ثم غروبها في اليوم الأول، كان لدى صديقنا احتمال بنسبة 50% أن الشمس ستعاود الشروق في الغد، فهو لا يعرف أي شيء عن مستقبل أمر كهذا، ثم حدث فعلا أن أشرقت الشمس في اليوم التالي، فأكد ذلك له بدرجة ما أن الشروق هو عملية مستمرة، وكان كل يوم إضافي هو تحديث إضافي للمعلومات التي تؤكد أن الشمس ستظل تشرق كل يوم، بالطبع ذلك غير مؤكد بالكامل، لكن احتمالات حدوث العكس أقل من أن نهتم بالأمر.

   

إن الاحتمال في هذه الحالة، والتي تسمى بالإحصاء البايزي(8)، يُعبِّر عن درجة معينة من الاعتقاد في حدث ما، الاعتقاد الذي يمكن أن يتغير كلما أُضيفت معلومات جديدة، في البداية كان اعتقاد هذا الشخص أن كل شيء محتمل، لكن شيئا فشيئا تطورت لديه قناعة -مبنية على الخبرة التي اكتسبها بالتدريج- تقول إن الشمس ستُشرق غدا، هذا هو أيضا، بحسب تلك الفرضية، ما يحدث في دماغك. على سبيل المثال، حينما ترتدي ساعة جديدة يحدث الشيء نفسه، ثقلها في يديك يظل شعورا تنتبه إليه لفترة، لكن دماغك مع الوقت يضيف حِمل الساعة في يديك إلى خبرته شيئا فشيئا. 

  

فرضية الدماغ البايزي: في الدماغ، تنشأ موجتان من الاحتمالات، الأولى سببها الخبرة الدماغية السابقة، والثانية هي المعلومات القادمة من الخارج، تتفاعل الموجتان معا ليخرج أفضل تخمين للدماغ، هذا هو الواقع الذي نراه.

           

وهم مُتفق عليه

أدمغتنا هي آلات تخمين، يتم ذلك بصورة احتمالية تشارك فيها 90 مليار خلية دماغية، تلك هي آليتها الأفضل للتكيّف مع هذا العالم، في الواقع لا يمكن بسهولة أن تدرك القدرات التكيفية الهائلة لأدمغتنا، لكن لفهم قريب دعنا نتخيّل أنك ارتديت(9) نظّارات خاصة جدا، وضعت بها عدسات ضوئية تتسبّب في قَلب كل ما يقع بالأسفل ليصبح في الأعلى والعكس، في تلك الحالة ستنظر أمامك لتجد كل شيء مقلوبا، صديقك الذي يتحدث معك رأسه بالأسفل وقدماه بالأعلى، السرير بالأعلى، والمصابيح على السقف بالأسفل.

   

   

لوهلة، تظن أنه لا يمكن أبدا أن تتحمل نظارة كتلك على عينيك، ستتعثّر فورا وتقع على الأرض، هذا بالفعل هو ما سيحدث في الأيام الأولى من ارتداء النظارة، لكن بعد أسبوعين من ارتدائها ستتمكّن من ركوب الدراجة والرسم، ومع الوقت ستتمكّن من الكتابة، يحدث ذلك لأن المعلومات القادمة من الخارج ليست فقط هي ما يُحدِّد قدراتك على الإدراك، ولكن دماغك يستخدم خبراته التي طوّرها على مدى عمرك كله لتفسير تلك المعلومات بصورة كلّية يسهل هضمها. 

   

تخيّل أن الدماغ مهندس ماهر، يصنع هيكلَ مبنى ضخم يعتمد على قواعد الزمن والمكان والضغط والقوة إلخ في هذا العالم، هيكلا جاهزا متناسقا تطور بناؤه مع عمرك بالطريقة ذاتها التي طوّر بها صديقنا أفكاره عن شروق الشمس قبل قليل، مع كل حزمة من البيانات الداخلة إليه فإن دماغك يغيّر في ذلك الهيكل بناء على البيانات الداخلة إليه، لكنه يظل هيكلا كاملا تتسق أجزاؤه معا. من تلك الوجهة، فإن هدف الدماغ ليس الحصول على المعلومات، الهدف صنع واقع يسهل إدراكه وتنحية ما يتعارض مع ذلك.

   

في تلك النقطة دعنا نتأمل واحدة من أشهر -وأعجب- حالات الأوهام الإدراكية، إنها ما نسميه بـ "تأثير ماكجورك"(10)، والذي يُشير إلى أن ما نسمعه يتأثر بما نرى، قد تستغرب ذلك، فأنت غالبا ما تشعر أن هناك هذا الفاصل الواضح بين البصر والسمع، إذا قام أحدهم -كما ستلاحظ في الفيديو المرفق- بنطق كلمة "Bar" بانتظام ثم شاهدت شفاهه تتحرك كمن ينطق كلمة "Bar" فسندرك أن تلك هي كلمة "Bar"، الأمر بسيط، لكن حينما تُنطق الكلمة نفسها بينما تتغير حركة شفاه الناطق كأنما ينطق كلمة "Far" فسوف تسمعها "Far"، هل تريد التأكد من ذلك؟ أغلق عينيك بينما تظهر شفاه المتحدث وكأنها تنطق "Far".

   

  

يحدث ذلك لأن أدمغتنا، كما تحدّثنا منذ قليل في حالة الأوهام البصرية، تحاول دائما أن تخمّن أفضل صورة كاملة ممكنة للمشهد، إذا حدث تعارض، وكان هذا التعارض ضمن مجموعة أقل من الاحتمالات، فإنها قد تزيحه مباشرة، وعلى الرغم من أن الكلمة المنطوقة هي حتما "Bar"، وقد دخلت عبر أُذنك إلى دماغك بهذا الشكل، فإنها ستُدرَك "Far"، رغما عن البيانات الحقيقية!

  

حسنا، لا بد أن ذلك مثير حقا للانتباه والتساؤل، ما نراه من حولنا -ببساطة- ليس إلا طريقة أدمغتنا في تفسير ما هو موجود بالفعل من حولنا في صورة يمكن لنا هضمها بسهولة، لكن على الرغم من أن ما ندركه ليس هو الواقع، ولا يمكن أبدا أن ندرك هذا الواقع الموجود هناك في الخارج بصورة كاملة، فإن ما ندركه أقرب ما يكون لواقع مشوّه نتفق عليه جميعا!


حول هذه القصة

حينما تتفاعل تلك الخلايا معا بآليات غير مركزية تتعلق بدرجات مختلفة من التعقد وظهور بعض الصفات الجديدة الطارئة على النظام المخي، تتكون لدينا صورة جديدة تماما عن عمل المخ.

تُرى كيف سيكون شكل المستقبل؟ هل سوف نتمكن من حفز أمخاخنا لقدرات غاية في الحدّة يوما ما؟أم سوف نخلق كائنات جديدة؟صورة مختلفة منّا! وإذا كنّا سنخلق شيئًا جديدا، فمن نحن؟!

بالواقع قد يكون بمحيطك، هذا الشاب، أو تلك الفتاة فاقدة البصر التي تصنع أشياء تبدو للوهلة الأولى غير ممكنة لشخص عادي، لكن ماذا لو أصيب جميع مَن في الأرض بالعمى؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة