كم عدد الوفيات الحقيقي بسبب كوفيد- 19 في دولتك؟!

قبل أيام قليلة، تخطّى حاجز وفيات كوفيد-19 المعلنة على مستوى العالم 300 ألف شخص(1)، إنه رقم هائل لم يكن أحد قبل هذا الموعد بشهرين ليتصور أن نصل له أبدًا، تتصدر الولايات المتحدة عالميا بحوالي ثلث هذا الرقم، وتتوزع البقية بشكل رئيسي بين دول أوروبا، وتأتي البرازيل خلال الأسابيع الأخيرة لتتصدر قارتها، ثم تلتقي بقية أنحاء العالم في رحلتك بين الموتى. لكن هل تعرف ما هو أكثر قسوة من ذلك؟ هذا ليس هو العدد الحقيقي للوفيات!

 

كلما اقتربنا من فهم أعداد الوفيات الحقيقية بسبب أي وباء كان ذلك أكثر فائدة للعلماء أثناء بنائهم لتصورات دقيقة عن كورونا المستجد ومستقبله، فنحن نعرف الآن أن هذا الفيروس يصيب البعض ولا تظهر معه أية أعراض، ويظهر بأعراض خفيفة مع البعض الآخر، وفي هاتان المجموعتان عادة ما يقرر الناس أنه لا حاجة للفحص، سواء لأنهم يظنون أنه ليس كوفيد-19 أو أنهم لا يهتمون طالما أن الأعراض طفيفة أو ربما يخشون من وصمة العار، يعني ذلك أن الأعداد المعلنة للمصابين عالميًا بهذا المرض أقل بفارق واضح من الحقيقية، لكن كم هي الأعداد الحقيقية؟

أعداد حائرة

لا أحد يعرف بالضبط، وهذه هي إحدى المشكلات الكبيرة التي تواجه متخصصي علم الوبائيات، ما يعيدنا من جديد إلى أعداد الوفيات لأنها قد تكون دلالة أكثر دقة على أعداد الإصابات الحقيقية، لكن في تلك النقطة فإن هناك تفاوتًا كبيرًا(2) في نسب الوفاة على مستوى العالم، فهي تتخطّى 10% في دولة كإيطاليا، وتصل إلى 6% في الولايات المتحدة، وتنزل إلى 0.08% في سنغافورة، على الجانب الآخر فإن هذه النسبة تظهر تفاوتًا كبيرًا في الوطن العربي، في السعودية مثلًا فإن نسب الوفاة تصل إلى 0.6% فقط، وفي قطر فهي أقل من ذلك، أما في دول شمال أفريقيا فهي ترتفع وصولًا إلى 9% بالمغرب.

هناك عدة أسباب في هذا التفاوت، لكن أهمها دائمًا هو عدد الفحوص اليومي الذي تجريه الدولة، ألمانيا(3) -على سبيل المثال- تعد نموذجًا لانخفاض عدد الوفيات مقارنة بجيرانها مثل بريطانيا أو أسبانيا أو ايطاليا، لكن السبب الرئيسي  في ذلك هو ارتفاع الفحوص، لذلك فإن نسب الوفاة في أثناء ارتفاع موجة الوباء هناك كانت الأقل في أوروبا، ولازالت تحتفظ بنسبة منخفضة مقارنة برفاقها. (للمزيد يمكن أن تراجع تقرير مفصّل للكاتب بعنوان: "الخطة الألمانية".. لماذا أعلنت ميركل تخفيف إجراءات العزل الاجتماعي؟).

 

بالطبع هناك أسباب أخرى قد تشارك في اختلاف نسب الوفيات من دولة لأخرى، أعداد الفئات المعرضة للخطر على سبيل المثال. في ايطاليا(4) كان أحد أسباب ارتفاع أعداد الوفيات اليومية هو أنها الدولة صاحبة النسبة الأكبر من أصحاب السن فوق 65 في أوروبا كلها، لكن على الرغم من كل تلك المتغيرات يبقى عدد الفحوص هو المتحكم الرئيسي في نسب الوفيات الحقيقية، لكن كم هي تلك النسبة حقًا؟

 

مع انطلاق الجائحة عالميًا كانت الأرقام الصينية هي الأهم، أشارت الدراسات الأولى(5) أن 81% من الحالات المؤكدة بكوفيد-19 تمر متوسطة، أما الحالات الباقية فإن 14% منها تكون في حاجة إلى تدخل طبّي، وتبقى 5% من الحالات في حالة حرجة تتطلب عناية مركزة ومنها تخرج الوفيات التي تقدر بـ 2-3%، لكن ما نعرفه الآن هو أن الصين لم تحسب العدد الصحيح للحالات المصابة.

في الواقع، كانت دراسة(6) أخيرة في دورية "ساينس" واسعة الشهرة قد اهتمت بشكل رئيسي بسبب تفشي كورونا المستجد في الصين، جاءت النتائج لتقول إن 86% من الحالات المصابة بـ "كوفيد-19" في مدينة ووهان الصينية، بحلول يوم الثالث والعشرين من يناير موعد غلق ووهان، لم تخضع للفحص. السبب في ذلك هو أن السلطات الصينية – أول دولة تتعرض للفيروس – اهتمت بشكل أساسي بفحص الحالات التي طوّرت أعراضا واضحة للمرض، وبالتالي احتاجت إلى الذهاب إلى المستشفى أو البقاء في المنزل، لكن هؤلاء الذين طوّروا أعراضا بسيطة أو لم يُطوّروا أي أعراض على الإطلاق تعاملوا على أنهم ليسوا من مرضى "كوفيد-19″، وبالتالي استمروا في نشر المرض، في الصين أو خارجها، دون علم.

أميرة الألماس

يعني ذلك أن نسبة الوفيات أقل مما هو مُعتقد، في تلك النقطة يمكن لنا أن نتأمل حالة خاصة اهتم بها فريق بحثي من مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة(7)، إنها سفينة أميرة الألماس السياحية، وهي تجربة مثالية لأنها عيّنة تجريبية متنوعة الجنسيات ظلّت منغلقة تماما على ذاتها وتفشّى المرض فيها لفترة من الزمن دون علم أيٍّ من ركابها، يعني ذلك أن البيانات منها ستكون أدق من المجتمعات المفتوحة.

 

دخلت السفينة في حجر صحي قبالة السواحل اليابانية فبراير الماضي، ومع رفع الحجر الصحي عنها كانت نسبة الوفيات في السفينة حوالي 1% فقط بين حوالي 700حالة إصابة، ولأن معظم سكان هذه السفينة كانوا من الفئات المعرضة لخطر تطوير حالات حرجة (كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة)، فإن نسبة الوفيات بسبب كوفيد-19 قد تكون أقل من ذلك.

لكن دعنا نفترض أنها حوالي 1% من جموع السكان بشكل عام، مع وجود افتراضات أخرى أن هذه النسبة قد تنزل وصولًا إلى 0.5%، إذا كان عدد الوفيات -على سبيل المثال- هو ألف شخص في دولة ما، يمكن إذن أن نفترض أن عدد المصابين بالمرض في تلك الدولة هو رقم ما حول 100 ألف شخص، حتّى وان أعلنت تلك الدولة نسب أقل من الإصابات المؤكدة، لا يتعلق الأمر بمدى صدق تلك الدولة مع مواطنيها. الفكرة أن الأمر يتعلق بعدد الفحوص. لكن هل نعرف أصلا عدد الوفيات الحقيقي؟

قتلى في المنازل

لوهلة تظن أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، لكن هناك معيارا إضافيا يعقّد الأمر، إنه ذلك المتعلق بالوفيات التي لم تسجل على أنها حالة كوفيد-19. في الكثير من البلاد، مثل ألمانيا وبريطانيا، لا تُجرى اختبارات لهؤلاء الذين ماتوا خارج المستشفيات، سواء في منازلهم أو في دور الرعاية المتوسطة ولم تحدد حالاتهم إن كانت إيجابية بالفيروس أم لا.

مع ملاحظة أن بعض الدول سجلت حالات وفاة في الفئة 0-9 سنوات

لفهم تلك الفكرة يمكن أن نبدأ من بريطانيا، حيث كان عدد الوفيات بحلول يوم الخميس 30 أبريل هو حوالي 4000 حالة، انتشر الرقم في كل جوانب وسائل التواصل الاجتماعي العالمية وظن الكثيرون أن ذلك هو عدد وفيات هذا اليوم فقط، لكن في الواقع هناك حوالي 3800 حالة أضيفت في هذا اليوم كتعديل(8) إحصائي بعد ضجة إعلامية في بريطانيا حول الوفيات قبل الذهاب للمستشفى، تلك التي لم تسجل على أنها حالات وفاة بكورونا المستجد. الصين فعلت نفس الشيء حينما أضافت حوالي 1300 حالة وفاة بسبب كوفيد-19 في منتصف أبريل الماضي.

 

في تلك النقطة يلجأ الباحثون إلى متوسط معدل الوفيات المعتاد في السنوات السابقة، على سبيل المثال فإن دول الإتحاد الأوروبي عادة ما تسجل 50 ألف وفاة أسبوعيًا في تلك الفترة من العام، لكن حينما نبحث(9) نفس العدد في 2020 نجد أنه قفز إلى 90 ألف حالة وفاة! وكانت دراسة(10) من جامعة كاليفورنيا قد فحصت بالفعل تلك الحالة بشكل خاص في إيطاليا، بحلول يوم 18 أبريل كانت البلاد قد سجلت 23 ألف وفاة تقريبًا، لكن الدراسة -بعد فحص معدلات  الوفيات لهذه الفترة من العام- قد وجدت أن عدد الوفيات المتوقع بحلول هذا التاريخ كان 50 ألف حالة، أكثر من ضعف المعلن.

 

لكن عدد الوفيات الزائدة عن المعدل السنوي لا يمكن -بالطبع-  إرجاعه بالكامل إلى كورونا المستجد، وكان مكتب الإحصاء الوطني البريطاني(11) قد أعلن، بعد فحص موسع للوفيات أن ثلثي هذه الأرقام الإضافية فقط هو ما يمكن إرجاعه بشكل مباشر إلى كوفيد-19، أما البقية فربما كانت بسبب امتناع الناس عن الذهاب إلى أقسام الطوارئ بسبب خوفهم من الإصابة، ما طور حالاتهم سريعًا، كانت مثلا جلطة أو نوبة قلبية، وتسبب ذلك في الوفاة.

وكان فحصًا إحصائيًا آخر قد أجرته الفاينانشيال تايمز(12) بالتعاون مع مجموعة من الباحثين قبل عدة أسابيع قد أشار إلى نفس النتيجة، من بين 14 دولة كانت معدلات الوفيات مرتفعة بمقدار الضعف خلال الفترة التي تصاعدت وتيرة الجائحة، ومع استخلاص الأسباب الإضافية للوفاة انتهت التقديرات إلى أن هناك 60% إضافية من أعداد الوفيات الغير مسجلة بسبب كورونا المستجد، على مستوى العالم، في المتوسط. مع حالات خاصة لكل دولة بالطبع تتعلق بمعايير عدة بداية من مرحلة الانتشار (في بدايته أم في الذرزة) وطبيعة البلاد.

الرسوم البيانية خاطئة

بحلول الثامن عشر من مايو كان عدد الوفيات المسجلة بسبب كوفيد-19 على مستوى العالم هو 317 ألف شخص، يعني ذلك أن عدد الوفيات الحقيقي هو أكثر من نصف مليون إنسان، ولو حاولنا أن نحسب عدد الإصابات حول العالم -بتطبيق قاعدة نسبة الوفيات التي تعلمناها قبل عدة فقرات- لوجدنا أن هناك 50 مليون إصابة، بفارق عشر أضعاف الرقم المعلن، وهو أمر تتفق عليه عدة دراسات، وترى مجموعة أخرى أنه قد يصل إلى أكثر 100 مليون إصابة حول العالم مع نسبة وفيات حوالي 0.5%!

 

دعنا في تلك النقطة نوضح أن تلك هي محاولات إحصائية للإجابة عن واحد من ثلاثة أسئلة ضرورية للغاية أثناء محاولاتنا لفهم مستقبل هذا المرض معنا، الأول هو عدد الحالات الحقيقي، والثاني هو مقدار استجابتنا المناعية للمرض، والثالث هو طبيعة تأثر انتشاره بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.

قد تكون تلك المحاولات صحيحة، وربما يكون هناك معيار ما لا نعرفه بعد سيؤثر بالسلب أو الإيجاب على هذه الأرقام، على سبيل المثال، كان عدد حالات الإصابة المسجل عالميا بإنفلوانزا الخنازير في عام 2009 هو حوالي مليون ونصف شخص مع 18 ألف وفاة معلنة، لكن دراسة(13) شاملة أجراها المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض واتقائها قد أوضحت أن عدد الإصابات الحقيقي تراوح بين 0.7 – 1.4 مليار شخص مع وفيات تراوحت بين 152-575 وفاة! (كورونا المستجد أخطر وأكثر انتشارا)

 

لكن في تلك النقطة، فإنه من الضروري  أن تدرك أن ما تراه من أرقام أو نسب أو أشكال بيانية تتعلق بكوفيد-19، سواء على مستوى عالمي أو على مستوى دولتك تحديدًا، هو الحد الأدنى الممكن للحقيقة، أعداد الوفيات والإصابات أكبر بفارق واضح من تلك الأرقام، وبالتالي فإن انتشار الفيروس أكبر مما تظن، فاستمر في الالتزام بإجراءات السلامة.

___________________________________________________________

المصادر

  1. Coronavirus Cases worldwide
  2. المصدر السابق
  3. "الخطة الألمانية".. لماذا أعلنت ميركل تخفيف إجراءات العزل الاجتماعي؟
  4. Italy Demographics
  5. Vital Surveillances: The Epidemiological Characteristics-of-an-Outbreak-of-2019-Novel-Coronavirus-Diseases (COVID-19) — China, 2020
  6. Substantial undocumented infection facilitates the rapid dissemination of novel coronavirus (SARS-CoV-2)
  7. Estimating the infection and case fatality ratio for coronavirus disease (COVID-19) using age-adjusted data from the outbreak on the Diamond Princess cruise ship, February 2020 separator commenting unavailable
  8. UK coronavirus death toll skyrockets by almost 4,000 after including those not in hospitals
  9.  COVID-19 Cases and Case Fatality Rate by age
  10.  How deadly is COVID-19? A rigorous analysis of excess mortality and age-dependent fatality rates in Italy
  11. How many people have really died from covid-19 so far?
  12.  Global coronavirus death toll could be 60% higher than reported
  13.  2009 H1N1 Pandemic (H1N1pdm09 virus)

حول هذه القصة

بظل التأثيرات الواسعة لفيروس "كورونا" تُطرح الكثير من الأسئلة، والاستفسارات حول طبيعة الفيروس، وقدرتنا على التعامل معه، وعن مستقبل المرض.. إليكم أبرز هذه التساؤلات والتي يجيب عنها الدكتور ليث العملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة