هل دخلت الشمس في سبات عميق حقا؟!

في أجواء وبائية مرعبة كتلك التي نمر بها حاليا، كل شيء مُرشَّح ليصبح نهاية العالم. مذنّب يمر على مسافة آمنة من الأرض لكنه يصبح بدون سابق إنذار خبرا فيسبوكيا يتحدث عن اقتراب "هرمجدون"، مجموعة أقمار صناعية تمر في السماء يحوّلها البعض إلى رسالة من كائنات فضائية قادمة لاحتلالنا، بركان ضعيف النشاط ينفجر في منطقة أناك كراكاتوا الإندونيسية يصبح إشارة إلى غروب أحمر يُنهي الحياة قريبا على الأرض، أما كوكب نيبيرو فهو قادم لإهلاكنا خلال أشهر قليلة، فجهّز نفسك!

 

لكن الأكثر انتشارا مؤخرا، ضمن هذه النوعية من الأخبار، كان حديثا عن دخول الشمس في سبات عميق قد يتسبّب في حدوث تغيّر واضح في الطقس إلى جانب مجموعة من الزلازل والبراكين. سبب هذا الانتشار الواسع لأخبار "سبات الشمس" و"نوم الشمس العميق" تحديدا هو مشاركة عدد من المنصات المعروفة في الترويج له، حيث بدأت مجلة "ذا صن"(1) واسعة الشهرة في حديث غير مفصّل عن اقتراب ممكن لحالة السبات العظيم للشمس، وفي الوطن العربي أخذت مؤسسات مثل "سكاي نيوز" و"ناشونال جيوجرافيك"(2) هذا الخبر ونقلته مع الإشارة إلى "ذا صن"، لكن هل يمكن حقا أن يكون الأمر كذلك؟ هل نقترب من كارثة شمسية تُدخلنا في أعوام بلا صيف كما تقول تلك الأخبار؟

مقدمة قصيرة للشمس

 

حسنا، لفهم هذا الأمر يجب أن نضعه جانبا لفترة قصيرة ونبدأ بتعلّم بعض الفيزياء الشمسية البسيطة. على سطح الشمس، درجة الحرارة نحو 6000 مئوية. بسبب هذه الحرارة الشديدة، فإن الشمس تتكوّن من "البلازما"، ليست البلازما غازا بالمعنى المفهوم، فالغاز يتكوّن من ذرات العناصر أو جزيئاتها السابحة في الفضاء، أما البلازما فهي أشبه ما يكون بحساء يمزج الأنوية مع الإلكترونات الخاصة بها لكنهما لا يرتبطان، لهذا السبب فإن البلازما لها صفات خاصة جدا، تتعلّق بقدراتها الواسعة على توصيل الكهرباء، كما أنها تُنتج المجالات المغناطيسية وتتفاعل معها بسهولة أكبر.

 

أحد الأشكال التي تتخذها البلازما على سطح الشمس هي تلك الحلقات الهائلة ذات المنظر الآسر والتي تُسمى بالوهج الشمسي(3) (Solar prominence)، وهي ضخمة لدرجة أن الواحدة منها قد تسع أكثر من ثلاث إلى خمس كرات بحجم كوكب الأرض، لفهم كيفية تكوّن تلك الحلقات دعنا نتأمل حركة الماء أثناء غليانه، حيث تكون الأجزاء الداخلية للماء أقرب لمصدر الحرارة وبالتالي أسخن من السطح، لذلك تصعد للأعلى وفي المقابل تنزل أجزاء الماء الأكثر برودة للأسفل، فتصبح الأخيرة أسخن بينما تبرد الأجزاء التي صعدت قبل قليل، هنا تتكرر العملية نفسها من جديد، ويستمر تقلب الماء المغلي في الإناء.

 

أحد التوهجات الشمسية مقارنة بحجم الأرض (مواقع التواصل)

 

في الشمس يحدث شيء شبيه، تتنقل البلازما بين طبقات النجم العليا في حركة مستمرة، حينما تصعد تيارات البلازما للأعلى تبرد، فتصبح أثقل من التيارات السفلى، بالتالي تعود من جديد للأسفل وتصعد مكانها تيارات أسخن.

 

كل تيار من تيارات البلازما المنتقلة بين طبقات الشمس العليا يشبه مغناطيسا له قطب شمالي وآخر جنوبي وبينهما حلقات مغناطيسية تشبه تلك التي تنشأ عند وضع مغناطيس على ورقة بيضاء مليئة ببرادة الحديد.

 

قد يحدث في بعض الأحيان أن تتشابك تلك الحلقات المغناطيسية الخاصة بتيارات البلازما معا، هنا تكون قوية كفاية بحيث تمنع البلازما من النزول للأسفل، بالتالي ستبرد البلازما مقارنة بسطح الشمس المحيط صانعة ما نسميه "بقعا شمسية"(4) (Sun Spots) (مناطق درجات حرارتها أقل من بقية سطح الشمس فتبدو لنا سوداء لكنها ليست كذلك).

 

في تلك الحالة تسير البلازما بين القطبين المغناطيسيين في شكل قوس، بالضبط كما يسير القطار على القضبان لا يحيد عنها، يحدث ذلك فقط في المناطق النشطة على سطح الشمس. في بعض الأحيان قد تنفجر واحدة من تلك الحلقات الخاصة بالوهج الشمسي مطلقة كمًّا هائلا من الطاقة والمادة إلى الفضاء بسرعات كبيرة جدا،  يحدث ذلك في صورة نسميها "انفجارا شمسيا"(5) (Solar flare)، في بعض الأحيان يكون الانفجار أقوى بفارق شاسع فيُسمى "انبعاثا كتليا إكليليا"(6) (coronal mass ejection)، ورغم الاختلافات بين الحالتين فإن كلًّا منهما يصنع ما نعرفه باسم الرياح الشمسية (Solar Wind)، والتي تصل إلى كواكب المجموعة الشمسية وتتفاعل مع أقطابها المغناطيسية لتصنع إحدى أجمل الظواهر التي يمكن أن نراها، وهي "الشفق القطبي"(7) (Aurora).

 

الشفق القطبي، سبب هذه الظاهرة هو الرياح الشمسية (مواقع التواصل)

 

الآن حان الوقت لنتعرف إلى الدورة الشمسية(8) (Solar cycle)، وهي تغيُّر النشاط الشمسي مع الزمن، إذ يبدأ ضعيفا، ثم يرتفع شيئا فشيئا حتى يصل إلى قمته، ثم ينخفض مرة أخرى، وهكذا دواليك. يعرف العلماء عن تلك الدورة بتتبع البقع الشمسية، حينما تكون البقع الشمسية كثيرة وقريبة الأقطاب فإن هذا يعني نشاطا شمسيا كبيرا (Solar Maxima)؛ أما حينما تكون قليلة وقريبة من المنتصف فإن ذلك يعني نشاطا شمسيا ضعيفا (Solar Minima)، هذا أمر يمكن لك -بشكل شخصي- أن ترصده من تلسكوبك مع الالتزام بقواعد الأمان الخاصة برصد الشمس.

 

مدة الدورة الشمسية نحو 11 سنة، لا نعرف بعد سبب حدوث تلك الدورة، ولِمَ تحدث في تلك المدة تحديدا وليس أقصر أو أقل، يتصور فريق من العلماء أن السبب يشبه حركات المد والجزر على الأرض، فكما أن القمر يؤثر في مياه الأرض بالشد والجذب بشكل منتظم، يمكن للكواكب أن تفعل الشيء ذاته مع بلازما الشمس، خاصة أن اصطفاف الكواكب معا، كالمشتري وزحل والمريخ والأرض، يحدث في الوقت نفسه مع ذروة الدورة الشمسية كل إحدى عشرة سنة، لكن على الرغم من ذلك لا توجد تأكيدات بعد في هذا النطاق الآن.

نشاط مضطرب

صورة من تلسكوب كاتب التقرير، التقطها لقمة النشاط الشمسي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2013، لاحظ كثافة البقع الشمسية

 

حاليا، فإن نشاط الشمس في أدناه(9)، وهو أمر متوقّع، فقد بدأت الدورة الأخيرة للشمس في 2008، وكانت قمتها بين عامي 2013 و2014 حيث شهدت الشمس أقصى نشاط لها، وكان من المتوقع بحلول عام 2019 و2020 أن تشهد الشمس هذا الانخفاض، خلال العامين الفائتين كانت الشمس بلا بقع شمسية نحو ثلاثة أرباع الوقت، لكن هناك ملاحظة مهمة هي ما أثارت انتباه الباحثين للوضع الحالي في الشمس، فعلى الرغم من تسجيلها لأقصى نشاط قبل ست سنوات، فإن هذا النشاط الشمسي -في أقصاه- كان ضعيفا مقارنة بالدورات الشمسية السابقة، في الواقع لقد كان الانخفاض الأدنى(10) في مئة سنة مضت.

 

في تلك النقطة تردد اصطلاحا(11) "منخفض دالتون" (Dalton Minimum) و"منخفض موندر"(12) (Maunder Minimum) في الأوساط العلمية والعامة على حدٍّ سواء، ويُشير إلى فترتين من تاريخ رصدنا للشمس كان فيها عدد البقع الشمسية قليلا جدا في حالة النشاط الشمسي الأعلى، الأولى كانت نحو عام 1800 والثانية استمرت بين 1645 و1715، تزامن الانخفاضان مع ما نسميه بالعصر الجليدي الصغير (The Little Ice Age)، ويعني فترة من تاريخنا المعاصر واجهت انخفاضا ملحوظا في درجات الحرارة، كانت هناك ثلاث فترات باردة بشكل خاص: واحدة بدأت نحو عام 1650، وأخرى نحو عام 1770، والأخيرة في عام 1850 فصلت بينها فترات من الاحترار.

 

لكن ما حدث في تلك الفترة هو ارتباط لا يعني السببية، بمعنى أن هناك بالفعل افتراضات(13) تقول إن انخفاض النشاط الشمسي إلى هذا المستوى كان مرتبطا بانخفاض في متوسط حرارة الأرض، لكن الفرضية الأكثر قبولا حاليا هي أن سبب هذا الانخفاض كان متعلقا بكثافة النشاط البركاني في تلك الفترات، خاصة حينما نعرف أن الطقس البارد في أوروبا كان قد بدأ بالفعل قبل وصولنا لمنخفض موندر بنحو 50 سنة. من جهة أخرى، فإن الصيف بين موجات البرودة القاسية في العصر الجليدي الصغير، وهو اصطلاح أدبي أكثر من كونه علميا، كان في بعض الأحيان لا يختلف كثيرا عن سابقيه.

 

بالطبع هناك توقعات تقول إن التغير في كمِّ الإشعاع الشمسي أثناء الدورة الشمسية لا بد أن له تأثيرا على مناخ الأرض، لكن التأثير المتوقع لانخفاض النشاط الشمسي -الشديد- على حرارة الأرض، إن كان موجودا، سيكون فقط(14) في حدود 0.2-0.3 درجة مئوية في المتوسط، الأمر الذي اجتازته بالفعل المتوسطات العالمية الحالية، لأننا بالفعل نمر بأكثر فترة احترار في تاريخ كوكبنا منذ الثورة الصناعية، ما يعني أن هذا التأثير -إن وجد- فإن أقصى ما سيفعله هو إبطاء الاحترار قليلا، أي أنه سيكون مفيدا وليس ضارا.

وكانت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية(15) قد أوضحت بالتعاون مع وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا)، قبل عدة سنوات على خلفية ادعاءات شبيهة، أن النسبة المئوية لقدرة التغير في الإشعاع الشمسي خلال الدورة الشمسية على إحداث تغير في المناخ طفيفة للغاية مقارنة بتأثير انبعاثات غازات مثل ثاني أكسيد الكربون أو النشاط الإنساني في العموم، وإن كان لها تأثير ما -وهو أمر ما زال موضع دراسة- فلا بد أنه سيكون مترافقا مع تأثيرات أخرى أقوى.

 

الأمر إذن، بعيدا عن الجدل العلمي حول تأثير الشمس في مناخ الأرض، لا يرتبط أصلا بما تُروِّج له وسائل التواصل الاجتماعي عما يحدث للشمس، في الواقع لو حدث ذلك الآن فقد يكون ذا تأثير إيجابي وليس العكس، إن استحضار "العام الذي كان بلا صيف"(16) (Year Without a Summer)، ويقصد به سنة 1816 حيث كان الشتاء في أوروبا قارس البرودة تلاه صيف بارد وهو ما أثّر على الزراعة، ليس فقط غير دقيق، ولكنه أيضا لا يتناسب مع الوضع المعاصر الذي نشهد فيه احترارا عالميا.

مجرد وباء آخر

في كل الأحوال، فإننا لا نفهم الشمس بعد بشكل كامل، مدة الدورة الشمسية هي 11 سنة، تنقلب بعدها أقطاب الشمس وتستمر دورة كاملة، ثم تنقلب مرة أخرى، يعني ذلك دورة مغناطيسية كبرى للشمس مدتها 22 سنة، إنها فترة طويلة، خمس دورات كل قرن، لا تسمح لنا بسهولة بتحقيق فهم دقيق لهذا الأمر، لذلك ما زلنا بحاجة إلى المزيد من البحث، خاصة أن الأمر يزداد غرابة يوما بعد يوم، على سبيل المثال كانت دراسة قد صدرت بدورية "ساينس" قبل عدة أيام تُشير إلى أن نشاط الشمس المغناطيسي ولمعانها أقل من المتوسط مقارنة بشبيهاتها في الفضاء.

ربما يساعدنا المسبار باركر، الذي يقترب من الشمس الآن، على تحقيق فهم أفضل للكثير من الأسرار الشمسية، مثل طبيعة دورتها، وهالتها التي تُعَدُّ إلى الآن إحدى أهم مناطق الجدل البحثي، وطريقة عمل الدينامو الشمسي.

 

لكن في النهاية، فإن أخبار كاذبة أبوكاليبسية كتلك التي تتحدث عن نهاية العالم تُشير إلى المدى الذي بلغناه من الضعف في مواجهة جائحة "كوفيد-19″، لا يتمكّن البعض من هضم أن الأوبئة هي جزء أصيل من تاريخنا، تتكرر من حين لآخر وتفعل ما تفعله بنا ثم تمضي لحالها، لقد قتلت سابقا ملايين البشر، إلا أننا حوّلنا ما يحدث -بسبب قسوته الشديدة علينا- من "وباء آخر" إلى "نهاية العالم".

 

لا، للأسف الأمر ليس كذلك، تلك فقط هي طبيعة الأشياء، وكل ما يحدث الآن هو أن خط سيرنا تقاطع مع خط سير أحد تلك الأوبئة، فأصبحنا الجيل الذي يعيش مرحلة قاسية كتلك، مثل الجيل الذي عاش وباء الإنفلونزا الإسبانية قبل مئة عام أو ذلك الذي عاش الحرب العالمية الثانية، لسنا محظوظين للأسف، سيتركنا الوباء لكن تلك التجربة القاسية الممتدة لن تذهب بعيدا، ستستمر كجزء رئيس حزين من تركيبتنا يدفعنا من حين لآخر كي نتأمل سؤالا بسيطا: مَن نحن، وما الذي نريده حقا؟

المصادر

  1. SUN DOWN The sun has gone into a period of ‘lockdown’ which could cause freezing weather, earthquakes and famine, say scientists
  2. ماذا يحدث داخل الشمس؟.. ظاهرة تهدد الحياة على الأرض
  3. What is a solar prominence?
  4. What Are Sunspots?
  5. What is a Solar Flare?
  6. CORONAL MASS EJECTIONS
  7. What causes the aurora borealis?
  8. Solar cycle
  9. SOLAR CYCLE 25 FORECAST UPDATE
  10. Tiny Solar Activity Changes Affect Earth’s Climate
  11. Solar Minimum is Coming
  12. Is a Mini Ice Age Coming? ‘Maunder Minimum’ Spurs Controversy
  13. Chilly Temperatures During the Maunder Minimum
  14. What Is the Sun’s Role in Climate Change?
  15. المصدر السابق
  16. 200 years ago, we endured a ‘year without a summer’

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة