"الخطة الألمانية".. لماذا أعلنت ميركل تخفيف إجراءات العزل الاجتماعي؟

ميدان – "الخطة الألمانية".. لماذا أعلنت ميركل تخفيف إجراءات العزل الاجتماعي؟

إنه الثاني والعشرين من (يناير/كانون الثاني)، ليلة باردة حقا. كعادتهم، يتجمع بعض العاملين بأحد المصانع الصغيرة في مدينة ستوكدورف الألمانية على مائدة العشاء، الأجواء ما زالت هادئة ولا أحد يشعر بالخوف بينما يتسامرون عن كورونا المستجد، الأخبار تتواتر من الصين عن اقتراب الحالات من حاجز الألف. لا أحد متأكد بالضبط من مدى دقة أرقام الصينين، لكن على ما يبدو فنحن بأمان هنا، وربما خلال شهر أو أكثر قليلا ينتهي كل شيء هناك.

  

المريضة صفر

في تلك الأثناء، كانت إحدى العاملات الصينيات في المصنع نفسه تعاني من حمّى طفيفة تتصاعد شيئا فشيئا، بحلول السابع والعشرين من (يناير/كانون الثاني) بات معروفا أنها مصابة بكورونا المستجد، في تلك اللحظة تضرب أجراس الطوارئ في المركز الصحي القريب، فيبدأ متخصصو الرعاية الصحية بالبحث خلف المريضة الصينية (المريضة صفر التي حملت المرض للبلاد) لنكتشف أنها جلست إلى جوار موظف بالمصنع نفسه يوم 20 (يناير/كانون الثاني)، الموظف الذي ذهب للعشاء يوم 22 (يناير/كانون الثاني) مع رفاقه وناول أحدهم المملحة، لكنه أعطاه معها فيروسا خطيرا.

    

   

عنقود ميونخ(1) كان الأول في ألمانيا، خلال أيام قليلة بعد ظهور أول حالة أُعلن غلق المنطقة بالكامل، وبحلول منتصف مارس/آذار كانت ألمانيا قد أغلقت المدارس والمحال التجارية والمطاعم والملاعب والمنشآت الرياضية ومجموعة من الشركات، في بداية الأمر كان هناك قدر من البلبلة، ألمانيا دولة فيدرالية، يعني ذلك -بشكل مبسط- أن هناك نوعا من تشارك السلطة بين الحكومة المركزية والأقاليم السياسية بها، حينما نادت أنجيلا ميركل بغلق البلاد جزئيا كان من الممكن لأيٍّ من حكّام الأقاليم أن يستمع للكلام ولا يُنفّذه، ما سمح للفيروس بالتوغل في ألمانيا لفترة.

  

لكن في المقابل من ذلك، كان هناك جانب إيجابي لذلك(2)، هناك أكثر من 400 مكتب صحي في ألمانيا لا تخضع لسلطة واحدة، ولكلٍّ منها معامل خاصة للفحوص الخاصة بالفيروسات في جوانب البلاد المختلفة مع مساهمات إضافية غير حكومية، سمح ذلك لها بإجراء أكبر قدر ممكن من الفحوص مباشرة دون الحاجة إلى اتصال من الوزارات المعنية، هذه السلطات اللا مركزية سرّعت إجراءات الفحص بحيث وصلت ألمانيا إلى معدل أسبوعي هائل وهو 350-500 ألف فحص في الأسبوع الواحد.

      

     

خطة السلامة

كان ما سبق هو مركز الإجابة عن سؤال مهم يجول في أروقة المباني الحكومية حول العالم وفي صفحات وسائل التواصل الاجتماعي على حدٍّ سواء، كيف تمكّنت ألمانيا من تخفيض عدد الوفيات إلى هذا الحد؟ لو تأملنا أعداد الوفيات في دول مجاورة لوجدنا فارقا واضحا قدره أربعة أضعاف. في الواقع، فإنه لا توجد نسبة محددة إلى الآن تصف وفيات كورونا المستجد (كوفيد-19)، لكن دراسة فحصت نسب الوفيات في عينة مغلقة -سفينة أميرة الألماس على الحدود اليابانية(3)– أشارت إلى أنه رقم ما حول 1%، يعني ذلك أن أي رقم أعلى من ذلك هو إشارة إلى أن هناك عددا من المرضى لم يُفْحَصوا بعد. لكن عدد الفحوص المرتفع لا يكفي للسيطرة على المرض، عدد سكّان ألمانيا هو 83 مليون شخص، وإذا انطلقت عشوائيا في الفحص فإنك ستكون أشبه بمَن يبحث عن إبرة في كومة قش، هنا يجيء دور التتبُّع.

  

في الواقع، لم تكن قصة المملحة الخاصة بعنقود ميونخ -والتي اشتهرت عالميا- مجرد "قصة"، لقد تم تتبُّع تواصل الحالات بالفعل إلى ذلك الحد من الدقة، بجانب بيانات المصابين اعتمد فريق العلماء الألماني على دراسة تغيُّر الحمض النووي الخاص بالفيروس من حالة إلى حالة لربط الإصابات ببعضها، كان الهدف دائما هو إرجاع كل حالة جديدة إلى شجرة واحدة لها فروع واضحة، يفيد ذلك بقوة في توجيه الفحص بكثافة ناحية مجموعات محددة من الناس، هذا الثنائي -الفحص والتتبُّع- هو الخطة الأنجح إلى الآن في العالم كله (كوريا الجنوبية وهونغ كونغ هي أمثلة واضحة، ويمكن أن تُراجع تقريرا سابقا للكاتب بعنوان(4) "خطة السلامة.. كيف تمكّنت كوريا الجنوبية من السيطرة على "كوفيد -19؟"").

  

  

لكن على الرغم من ذلك، فإن تلك الخطة لم تمنع تفشي المرض، لقد تأخرت الاستجابة، ولذلك كان ما فعلته هو أنها خفّفت من تفشيه -وما زالت- لحين جهّزت البلاد نفسها لتلقّي الموجة الأولى، والتي كانت قاسية حقا ووضعت منظومة البلاد الصحية في اختبار غاية في القسوة، عنقود ميونخ ظهر في يناير/كانون الثاني، أما قمة المنحنى فكانت في مارس/آذار(5) حيث تخطت البلاد حاجز 6 آلاف إصابة مؤكدة يوميا، في أثناء ذلك كانت الأقاليم الألمانية الأساسية قد جهزت نفسها بأَسِرَّة العناية المركزة(6) (621 سريرا لكل مئة ألف مواطن، وهو رقم كبير مقارنة بدول أوروبية أخرى)، ما ساعد على تقليل أعداد الوفيات لأن المنظومة الصحية لم تتخطَّ حدودها مثلما حدث في إيطاليا وإسبانيا على سبيل المثال.

   

بوصول كورونا المستجد إلى مرحلة الجائحة، ومع تخطي الأمر حاجز مئة ألف إصابة مؤكدة عالميا (الآن أكثر من أربعة ملايين)، بدا واضحا أن الهدف الأساسي للحكومات حول العالم هو(7) "تسطيح المنحنى"، المفهوم الذي يعني تقليل عدد الحالات اليومي قدر الإمكان بحيث لا تتجاوز قدرات المنظومة الصحية فيضطر الأطباء إلى اتخاذ قرارات قاسية قد تتضمن ترك بعض المرضى في سبيل علاج آخرين، حدث ذلك في إيطاليا وإسبانيا، ويحدث الآن في البرازيل.

     

  

على الجانب الآخر، خرجت أنجيلا ميركل قبل عدة أيام لتقول إن بلادها تتجهز لتخفيف إجراءات العزل الاجتماعي بالتدرُّج البطيء وصولا إلى فتح المدارس خلال أيام. بحد تعبير ميركل، فإن ذلك نتيجة لتخطي البلاد قمة المنحنى الخاص بها، لفهم تلك النقطة دعنا نبدأ بفهم ما يعنيه اصطلاح "عدد التكاثر" (Basic Reproduction Number)، ويعني عدد الأفراد الممكن أن تنتقل لهم العدوى من شخص واحد مصاب خلال فترة إصابته.

  

في بداية دخول كورونا المستجد إلى ألمانيا، كان هذا الرقم R0 هو 3، إنه رقم كبير يسمح بصعود الأعداد بشكل أُسّي، وهو ما رأيناه واضحا خلال شهر مارس/آذار، لكن هذا الرقم غير ثابت(8)، يتأثر بأشياء كثيرة ومتنوعة منها إجراءات العزل الاجتماعي حيث تقل فرص الفيروس للانتشار، وبحسب معهد روبرت كوخ(9)، وهو وكالة اتحادية مستقلة ذات ثقل في ألمانيا تهتم بالأمراض المعدية وغير المعروفة، فإن هذا الرقم قد أصبح 1.3 في الثامن من إبريل/نيسان، وبحلول نهاية إبريل/نيسان كان قد أصبح 0.9.

     

  

حينما ينزل عدد التكاثر عن الرقم 1، فإن ذلك يعني أن أعداد المصابين تبدأ في التناقص، وحينما يكون 1 فإن هناك استقرارا نسبيا في أعداد الحالات، دفع ذلك بالبلاد لموازنة قراراتها من جديد، في مرحلة ما كان تصاعد أعداد الحالات يُمثِّل عبئا ثقيلا على المنظومة الصحية مقارنة بالآثار الاجتماعية والاقتصادية للعزل الاجتماعي، لكن مع بقاء الأعداد الجديدة تحت الحد الأقصى لقدرات المنظومة الصحية، فإن هناك فرصة لتخفيف الحمل قليلا وبالتدريج، فمع عدد تكاثر يساوي 1 سيستقر الأمر بهدوء حتّى أكتوبر/تشرين الأول القادم.

  

هدوء ما قبل العاصفة؟!

وكانت دراسة قد صدرت(10) مؤخرا في دورية "ساينس" (Science) المرموقة تُشير بالفعل إلى أن عامل النجاح الأساسي في التعامل مع كورونا المستجد هو عدد الواردين إلى أقسام العناية المركزة، وعلى الدولة أن تتخذ كل الإجراءات الممكنة لمنع تخطي النقطة التي يحتاج فيها مريض إلى سرير عناية مركزة ولا يجده، تبدأ الإجراءات بعزل المصابين وحظر المخالطين، وتمر بغلق المدارس والأنشطة غير الضرورية، ثم تصل إلى الغلق الكامل في بعض الأحيان.

  

لكن الدراسة نفسها قد أشارت أيضا إلى أن ذلك لا يعني أن موجات كورونا المستجد ستتوقف عن القدوم، وبحسب استجابة البشر المناعية للفيروس وتأثير حرارة الصيف عليه -الأمران اللذان نجهلهما إلى الآن- فإن ذلك سيُحدِّد مستقبله وصولا إلى العام 2025، سواء كموجات صغيرة أو عاتية تكون الأخيرة أصغرها، في أثناء ذلك على كل دولة تخفيف أو تشديد إجراءات العزل الاجتماعي بحسب تفشي الوباء لديها ومناسبة منظومتها الصحية. لحين وصول لقاح، فإن كل شيء ممكن للأسف.

  

أما الأكاديمية الألمانية الوطنية للعلوم فقد شدّدت، في بيان صادر(11) قبل نحو أسبوعين، على أن عملية عودة الحياة إلى طبيعتها يجب أن تتضمن العمل على دعم إجراءات حماية الفم والأنف في أماكن المخالطة، وكذلك دعم جاهزية المنظومة الصحية بحيث تكون قادرة دائما على استقبال أكبر عدد ممكن من حالات العناية المركزة الخاصة بـ "كوفيد-19″، وأن تستمر في زيادة القدرة التشخيصية بشكل كبير للكشف عن الفيروس عن طريق زيادة نوعين من التشخيص، الكشف عن الفيروس والكشف عن الأجسام المضادة، وأن تدعم -بالتكنولوجيا والأشخاص والإجراءات- عملية تتبُّع المرض والكشف عن المصابين الجدد.

    

عملية التخفيف من إجراءات العزل الاجتماعي نفسها، مهما كانت بطيئة ومدروسة، هي مغامرة نأمل أن تنتهي بخير
   
التزم بالإجراء

ليست ألمانيا وحدها هي مَن يفعل ذلك، الكثير من الدول الأوروبية مثل إسبانيا والتشيك والنمسا وبريطانيا وسويسرا والدنمارك وإيطاليا تتجهز لرفع إجراءات الحظر بشكل تدريجي خلال الأيام القادمة، أما بالنسبة للدول العربية فإن هناك إشارات من عدة دول مثل مصر والسعودية إلى أن تخفيف إجراءات العزل الاجتماعي بات قريبا.

   

لكن ذلك لا يعني زوال الخطر، أعداد المصابين ستعود للزيادة مع إجراءات التخفيف، وحجم الزيادة هو ما سيُحدِّد القرار القادم. في الواقع، فإن عملية التخفيف نفسها، مهما كانت بطيئة ومدروسة، هي مغامرة نأمل أن تنتهي بخير. لفهم تلك الفكرة يمكن أن نتأمل بيان منظمة الصحة العالمية الأخير حول إجراءات التخفيف التي اتخذها عدد من الدول، حيث قال(12) المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن الطريق إلى الأسفل أبطأ بكثير من الطريق إلى الأعلى، كورونا المستجد يتصاعد بسرعة، لكنه ينخفض ببطء شديد بعد الوصول للقمة، وهذا يعني أنه يجب رفع إجراءات العزل ببطء، وبدرجة كبيرة من السيطرة، لأنه من الممكن أن يعود كل شيء للانفجار في أسابيع قليلة، وسيكلف ذلك المزيد من الوقت والأرواح.

      

  

من جهة أخرى فإن هناك الكثير من العوامل المهمة لكنها غير معروفة بعد. على سبيل المثال، فإن المتغير الرئيسي(13) الذي سيحدد القرار السياسي النهائي في جائحة "كوفيد-19" هو فهم استجابة البشر المناعية تجاه الإصابة بالمرض، وهو أمر ما زلنا نجهله، كذلك فإننا من الأساس لا نعرف بعد أعداد المصابين الحقيقية، خاصة أن نسبة أكبر من الثلث لا تُظهر أعراضا واضحة، كما أن هناك نسبة إضافية تعاني من أعراض طفيفة، الأمر الذي قد يساعد على تفشٍّ خفي للمرض ثم نتفاجأ بانفجار بؤرة خطيرة تُعيد الأمور إلى خط البداية.

    

في كل الأحوال، فإن الأمر سيتضح بشكل أكبر خلال الشهور القليلة القادمة، وفي أثناء ذلك -عزيزنا القارئ- استمر في حذرك ولا تتصور أن إجراءات الفتح هي نهاية الفيروس، ما يحدث هو أن الحياة قد تغيرت، لا عودة للطبيعي قبل ديسمبر/كانون الأول 2019، لكن هناك ما يمكن أن نسميه بـ "الطبيعي الجديد"، لو كنت مضطرا للنزول فالتزم بإجراءات الوقاية، ونعني هنا تغطية الأنف والفم بالكمامات الطبية أو المصنوعة منزليا (نصيحة مركز السيطرة على الأمراض واتقائها CDC)، مع عادات غسل اليدين ووضع مسافة 1-2 متر بينك وبين الآخرين، وتجنب لمس الوجه. الخطر ما زال قائما.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة