عقاقير وأدوية.. كيف تدمرنا صناعة الطب النفسي؟

اضغط للاستماع

    

حتّى في ظل اعتراف مزيد من المشاهير والرياضيين بتحديات الصحة النفسية التي تواجههم وتراجع الوصم الاجتماعي للمرض النفسي، فهناك أزمة جديدة تواجه الصحّة النفسية، لا سيما في الولايات المتحدّة، حيث يخوض أكثر من 45 مليون شخص بالغ -أي واحد من بين كل خمسة أشخاص- تجربة المرض النفسي، ويُشخَّص واحد من بين كل 25 شخصا باضطراب نفسي حاد. لم يحدث أن كانت الصحة النفسية للأطفال الأميركيين أسوأ حالا مما هي عليه اليوم، كما أن معدلات الانتحار والوفاة جراء الجرعات المفرطة في ارتفاع، مما يضيف إلى أطول مدة من التراجع الثابت في معدلات الأعمار المتوقعة منذ أكثر من قرن من الزمن في الولايات المتحدة الأميركية، حتى وإن كان النقيض هو السائد في كثير من مناطق العالم الأخرى. 

   

تأتي أزمة الصحة النفسية هذه مصحوبة بأنباء وعناوين إعلاميّة تُشيد بفوائد العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يُنصح به جِهارا بوصفه علاجا "مُسندا بدليل" ويقال إن نتائجه تظهر بسرعة، لا سيما إن ترافق مع عقاقير مثل مضادات الاكتئاب أو مُثبّتات المزاج. هناك عدة أنواع من العلاجات المعرفية السلوكية المصممة لأجل باقة من التشخيصات المختلفة: العلاج السلوكي الجدلي (DBT) لاضطرابات الشخصية، وعلاج المعالجة المعرفية (CPT)لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والعلاج النفسي التفاعلي لاضطرابات المزاج (IPT)، والقائمة تطول وتطول. يُعرّف 50% من المعالجين النفسيين أنفسهم حاليا على أنهم ينتمون إلى مدرسة العلاج المعرفي السلوكي، مقارنة بـ 0% قبل خمسين سنة. ويبدو أن الناس يتشرّبون هذه المعلومات بما أن المزيد منهم يستخدمون العقاقير أكثر من أي وقت مضى، حيث ارتفع استخدام مضادات الاكتئاب وحدها بنسبة 64% بين عامَيْ 1999 و2014، وهذه زيادة مرتفعة جدا، إذ يتناول 13% من سكان الولايات المتحدة العقاقير في الوقت الحالي. 

    

ما خطب هذه الصورة؟ ولماذا تفشل العلاجات العصرية "المسندة بدليل" في توليد نتائج أفضل؟ والأهم، لماذا يبدو بأن الأمور تزداد سوءا فحسب، مع ازدياد مزيد من أشكال المعاناة، بما فيها الانتحار؟ 

        

  

استنتاجي الخاص: إن النموذج الطبي البيولوجيّ، الذي يُفضّله الأطباء النفسيّون، ونموذج العلاج البنيوي قصير المدة، الذي يُفضِّله علماء النفس، لا يعملان بالقدر الجيد المفترض. تبدو هذه العلاجات سهلة الإعداد، لكن هل "الحلول السريعة" هي ما نريده عند علاج مشكلات حياتية عميقة ومتأصّلة؟ هل من الممكن لنوع واحد من العلاج، ألا وهو العلاج المعرفي السلوكي، وما شاكله من علاجات أخرى، أن يكون علاجا ناجحا لكل شخص وكل حالة تقريبا؟ 

  

مع أن هذه الثقافة الأحادية للعلاج النفسي تستتر في عباءة العلم، فإن الزمن يكشف عيوبا تتعلق بعملية البحث نفسها. في البداية، تبدو الأدلة جارفة: بأكثر من 1,165 دراسة لنتائج العلاج المعرفي السلوكي، إلى جانب 270 تحليلا تلويا (دراسات تتفحص الدراسات). لكن هذا الانثيال البحثي يطمر تحته نقاط ضعفه الخاصّة. على سبيل المثال، اتضح أن العلاجات المعرفية السلوكية قصيرة المدة "غير فعالة" لمعظم المصابين بالاكتئاب في "أغلب الأحيان"، وفقا لعالم النفس الأميركي جوناثان شيدلر. وأيًّا كانت الفوائد الموجودة في هذه العلاجات، فمدّة العلاج قصيرة ونتائجها غير مستدامة، كما أن غالبية المرضى الذين يتلقّون العلاج المعرفي السلوكي يلجؤون إلى العلاج مرة أخرى، خلال مدة 6 إلى 12 شهرا من انتهاء العلاج السابق، من أجل التشخيص نفسه.

     

   

وتُفيد دراسات حديثة أيضا أنَّ فعالية العلاج المعرفي السلوكي أقل بـ 50% عما كان يُعتقد في البداية، لأن "تأثيرات العلاج المعرفي السلوكي قد تراجعت بشكل خطي وثابت منذ تقديمه، بحسب تقارير المرضى الذاتية، والتقييم السريري وكما تشير معدلات التعافي"، وفقا لباحثين بجامعة ترومسو. كما أن انحياز النشر، حيث تُنشر في العادة الدراسات التي تأتي بنتائج إيجابية، في حين تُهمل تلك التي تخرج بنتائج سلبية، قد ساهم أيضا في تضخيم فوائد العلاج المعرفي السلوكي بنسبة تُقدَّر بـ 75%.

     

مزاعم تقول إن ثمة ما يشبه "معيار ذهب" في العلاج النفسي قد بات يُلقي بثقله فوق المؤسسة المتصدعة، وإنه يحمل آثار صناعات ربحية وأذرعتها في أقسام العلاقات العامة، من شركات الأدوية التي تبيع العقاقير إلى القائمين بأعمال التأمين الذين يبحثون عن أقل الحلول تكلفة. لذا فربما قد حان الوقت لبدعة جديدة: التعزيز من أهمية علاجات العمق، بما تتضمّنه من تحليل نفسي وأنظمة علاجية علاقاتية، وإنسانية، وخبراتيّة، وأسريّة، من بين أساليب أخرى. لكن السردية الرائجة للعلاج الطبي البيولوجي، المسند بدليل، تقول إنَّ علاجات العمق والاستبصار والعلاقات هي علاجات غير فعّالة، ولا حتى ملائمة، كما أنَّها بلا نهاية، إلى جانب أنها مكلفة جدا، ثم إنَّها تفتقر إلى الأساس العلمي لكي تنجح، غير أن هذه العلاجات التي ترتكز على الفرد والمطوّلة والمعمقّة مُسندة بدليل هي الأخرى. 

  

على سبيل المثال، حينما أجرت "قاعدة بيانات كوكرين للمراجعات المنهجية المستقلة" بحثا تلويّا لـ 23 تجربة منضبطة معشَّاة (RCT) شملت أكثر من 1400 مريض، كانت آثار العلاج النفسي الديناميكي جيدة على المدى القصير. أمّا عند قياسها بعد تسعة أشهر على انتهاء العلاج، فكان التحسّن لا يزال ملحوظا. وهذا مهم، لأن معظم دراسات الأبحاث حول "العلاجات المسندة بدليل" تذهب إلى تقييم نماذج قصيرة المدة تدوم عادة من 8 إلى 10 أسابيع، كما أن قياس الناتج أو الفعالية يُجرى مرة واحدة في آخر يوم من العلاج. 

       

      

"حان الوقت لكي يقبل الجميع حقيقة قاطعة مفادها أنَّ العلاج النفسي الديناميكي فعال بالدرجة نفسها".

   

بالمثل، تضمّنت دراسة من جامعة هارفارد علاجات تستمر بمعدل 150 جلسة لِباقة من التشخيصات والحالات المختلفة، وكان علاج التحليل النفسي مفيدا بشكل كبير في الأعراض البسيطة والمتوسطة والأزمات الشخصية الحادة. أما عند قياسها مرة أخرى بعد مرور 3 سنوات ومن ثم 5 سنوات على انتهاء العلاج، تحسَّن تأثير العلاج أكثر من ذي قبل. وأظهرت دراسة أخرى لـ 5000 مريض لديهم أعراض مختلفة أثرا أكبر للعلاج النفسي الديناميكي طويل المدى وعلاج التحليل النفسي طويل المدى، مع ازدياد حجم تأثير العلاج عند قياسه بعد 7 سنوات على انتهاء العلاج. 

  

إحدى أقوى الدراسات حتى الآن بحث تلويّ وضع العلاج النفسي الديناميكي ضمن مقارنة مباشرة مع المرشحين المنتصرين، ألا وهما العلاج المعرفي السلوكي والعقاقير. في عام 2017، أجرت كريستين شتينرت وزملاؤها من جامعة غيسن في ألمانيا بحثا تلويا لـ 23 تجربة منضبطة معشاة، وقارنت 21 تجربة منها بين العلاج النفسي الديناميكي والعلاج المعرفي السلوكي، في حين قارنت الاثنتان المتبقيتان بين العلاج النفسي الديناميكي والعقاقير. أرادت شتينرت أن تستخدم التجارب المنضبطة المعشاة لإجراء دراسة تكون مقبولة لجماعة "المسند بدليل" قدر الإمكان.

  

وتنوعت تشخيصات المرضى الذين تمت دراستهم بين اكتئاب، وقلق، واضطرابات طعام، واضطرابات شخصية، واضطرابات المخدرات، مما جعلها مجموعة واقعية من المبحوثين. للأهمية، فقد تحكمت شتينرت بانحياز الباحثين عبر تشكيل فريق تضمّن الموالين للعلاج المعرفي السلوكي والموالين لعلاج التحليل النفسي الديناميكي (أجل! للباحثين معسكراتهم أيضا). ولا بد من القول إن ولاء الباحث، الذي يمكن أن يؤدي بسهولة إلى انحياز النتائج، مشكلة كبيرة يعاني منها الحقل، وإحدى المشكلات المقلقة في الإسناد بدليل والتي تعوق تقدم العلاج المعرفي السلوكي الصارم. في الحقيقة، إن ولاء الباحث يمكن أن يحمل تأثيرا واضحا على النتائج، ومعظم دراسات العلاج المعرفي السلوكي تُجازف بأن تكون منحازة، بحسب مؤلفي ورقة صدرت عام 2018 عن الحاجة إلى التنوّع في حقل العلاج النفسي. 

    

على الباحثين التوقف عن التسابق على المراكز، والالتفات إلى المسائل الأكثر أهمية، كمعرفة أي العلاجات يمكن أن تناسب مريضا دون غيره وتحت أي ظرف
     

وجدت دراسة شتينرت المتميزة بما لا يدع مجالا لأي لبس أن العلاج النفسي الديناميكي ناجع بمقدار العلاج المعرفي السلوكي و/أو العقاقير. عندما قدمت دراستها، التي نالت عليها جائزة الورقة العلمية من جمعية علم النفس الأميركية عام 2017، أنهت شتينرت عرضها بالقول: "انتهى سباق الخيول!"، في إشارة إلى المنافسة الطويلة الأمد بين المعسكرات المختلفة للباحثين الذين يحاولون إثبات أن علاجهم المفضل هو الأفضل، لقد أظهرت شتينرت وزملاؤها أن هذه المنافسات عديمة الجدوى، وأن الوقت قد حان لكي يقبل الجميع حقيقة قاطعة مفادها أن العلاج النفسي الديناميكي فعال بالدرجة نفسها. 

  

على الباحثين التوقف عن التسابق على المراكز، والالتفات إلى المسائل الأكثر أهمية، كمعرفة أي العلاجات يمكن أن تناسب مريضا دون غيره وتحت أي ظرف، حيث قالت شتينرت إن باحثا مواليا للعلاج المعرفي السلوكي لم يكترث لنتائج بحثها، وإنّه أخبرها أنه لن يصدقها أبدا. وهذا كثير فيما يخص الحيادية العلمية، لكن تعليقه مثال على مقدار العاطفية والذاتية التي استشرت في حقل العلاج النفسي، وألقت بظلالها على الأبحاث، وضبطت مخارج السردية العامة. 

  

ينبغي أن تكون تلك السردية، في أدنى مستوياتها، أن العلاج النفسي الديناميكي مسند بدليل أيضا كما هو حال الأشكال الأخرى من العلاجات المسندة بدليل، وأنه إلى جانب ذلك يقدم فوائد إضافية مميزة، فهو أكثر فعالية من العلاجات الأخرى فيما يخص أزمات الشخصية والعلاقات، كما أنه العلاج الوحيد الذي أظهر نتائج مستدامة. 

  

وقد جربت هذه الفوائد بنفسي؛ فقد كنت طالبة ناجحة على الدوام، لكنني ناضلت في مرحلة النضج والاستقلالية. وبما أنني لم أعد أشعر بالحاجة إلى السير على خُطى والدي وأن أصبح طبيبة نفسية مثله، دون أن أعرف السبب في الحقيقة، اتجهت إلى عالم الأعمال. وهناك، لاقيت النجاح ونلت مسرَّة العمل في الخارج واستخدام لغة ثانية. على مدار السنوات، تنامى شعوري بالسخط من أنني لا أنتمي في الحقيقة إلى ذلك الميدان وأنني لم أحقق إمكانياتي الكاملة، وفي النهاية لم أعد أستطيع أن أتجاهل الغوص في تلك المسائل، في خياراتي، وفي ذاتي نفسها. 

    

إحدى أولى العقبات التي تواجه علاج العمق هي الأسطورة القائلة إن المرض النفسي دائما ما يكون اختلال توازن كيميائي في الدماغ
   

عملت طيلة سنوات مع معالجي النفسي، بحضوره الراسخ الحاني، وشاركته تساؤلاتي، ومخاوفي، آلامي ومسرّاتي. وخلال عملنا المشترك، تمكّنت من غزل خيوط قصة حياتي بعضها ببعض، وبدأت أشعر تدريجيا بالثقة من جديد وبأنني واثقة من نفسي. كنتيجة للعلاج، قررت أن أغير سلكي المهني، وعدت إلى الجامعة مرة أخرى في سن الأربعين، وبتُّ أجد الآن معنى عميقا في تشاركي لمهنة أبي. كما أنني قابلت شريك حياتي، وهو فنان ملهم، وعقل خلاق، ورجل محب. يقول سيغموند فرويد إن العمل والحب هما أحجار الزاوية في حياة المرء وفي المعنى الإنساني، والتغيرات التي تمكنت من تحقيقها في العمل والحب هي بالضبط ما قال فرويد إنه الغاية من علاج العمق والاستبصار والعلاقات. 

  

إحدى أولى العقبات التي تواجه علاج العمق هي الأسطورة القائلة إن المرض النفسي دائما ما يكون اختلال توازن كيميائي في الدماغ. جاءتني امرأة تدعى كاتي (ليس اسمها الحقيقي) في مقتبل العشرينيات، وكانت تتناول مجموعة مختلفة من العقاقير بدءا من سن الـ 15، لكنها لم تجد أن أي عقار يفلح معها، وكان عليها التعامل مع عدد من الآثار الجانبية. لم تكن تعرف حقا سر شعورها بالتردّي، والتأرجحات المزاجية العصية على التفسير، لكنها شعرت بأنها تعاني من اختلال توازن كيميائي هو المنبع لكل أزماتها، مع أن سنوات من التصليحات الكيميائية لم تكن ذات عون لها. 

  

في عملنا معا، تمكنت كاتي من فهم نفسها ومشاعرها، وبدلا من أن تخشى ما أسماه الآخرون "تقلبات مزاجية"، باتت الآن تقدّر مشاعرها بصفتها أحاسيس صادقة واستجابات منطقية لأشياء تجري في حياتها. في كل تلك السنوات من العلاجات الدوائية التي تستهدف الأعراض، قالت كاتي إنها اكتسبت مهارات التعامل مع الأمور -ولم يكن الأمر صعبا-، لكنها لم تعرف أبدا لماذا لم تكن تستخدمها. أما الآن، هي تعرف كيف تُحدِّد العثرات التي تقف في طريقها، وتعرف كيف تساعد نفسها على الإحساس بشعور أفضل والتعامل مع الأمور بشكل أفضل. لم تتناول حبة دواء واحدة منذ أكثر من سنة، كما أنها لم تلحظ تغييرات هائلة عندما توقفت عن تعاطي الأدوية. 

    

  

عندما يُروَّج لكبسولة "علاج مسند لدليل" بين الناس، لا يدرك أشخاص مثل كاتي ووالديها أنه، رغم عقود من الزمن في الأبحاث، لم يثبت أي شكل من أشكال العلاجات أنه خارق على غيره، وفي الحقيقة إن عددا من العوامل المشتركة يلعب دورا في تحقيق فائدة علاجية ملحوظة. تتمركز هذه العوامل في العلاقة بالمعالِج، وتتضمن عملية يمر بها المريض لكي يُعبّر عن مشاعره، ويحظى بتجربة تُصحِّح مساره وتُكسبه البصيرة. لا يدرك المرضى أن العلاج يمكن أن يكون مفيدا لا في الحد من الأعراض فحسب، ولكن أيضا في مساعدة الناس على اكتساب النضج، وتعميق علاقاتهم بالآخرين، وخلق حيوات أفضل من ذي قبل. 

    

"عادة ما تكون المشكلة محصّلة أجيال من التراكمات، والعلاج المجدي في المدى الطويل يمكن أن يتطلب الوقت".

    

عبر تعقيد هذا كله، أُفسِد مصطلح "المسند بدليل"، فالمفهومُ الأصليّ للممارسةِ المسندة بدليل، المشتق من حقل الطب، يتضمن تداخل ثلاثة مجالات في توجيه العلاج؛ البحث العلمي المتصل بالحالة، القرار الإكلينيكي للمعالجين، وتفضيلات وتقديرات المرضى. وقد تبنّى علم النفس، في خضم سعيه اللا متناهي وراء محاكاة الأطباء في حقل الطب، نموذج الممارسة المسندة بدليل. لكن لسوء الحظّ، فقد جُرّد هذا النموذج سريعا من ثلثي مكوناته الرئيسية في حين ظل الإبقاء على الثلث الأخير محدودا جدا: جرى التخلص من الحكم الإكلينيكي للمعالجين وتفضيلات وتقديرات المرضى، في حين قُلِّص المكون الثالث، البحث العلمي المتصل بالحالة، بحيث بات يعني مجرد بيانات من التجارب المنضبطة المعشاة، وأُلغيت أشكال تجريبية أخرى، مثل التجربة الطبيعية، والتجربة شبه التجريبية، والتجربة الشهودية. 

  

بدلا من تجميع قوائم بالعلاجات المسندة بدليل وتسويق تلك القوائم للناس، والمعالجين وشركات التأمين، فإن ما ينبغي إيصاله للناس هو أن العديد من المشكلات تكون مشكلات مركّبة -أي إنها عادة ما تكون محصلة أجيال من المتراكمات- والعلاج المُجدي في المدى الطويل يمكن أن يتطلب الوقت. على سبيل المثال، في دراسة مكثفة شملت 10.000 شخص، تطلب 75% من الأشخاص 40 جلسة لإظهار مؤشرات على تحسن سريري ملحوظ. بينما أشارت دراسات أخرى إلى أن المعدل الذي يحتاج إليه المريض يقع ما بين 50 إلى 75 جلسة على الأقل. وما لم يدرك الناس أن العديد من المشكلات المركبة تتطلب الوقت لحلها، فإنهم سيشعرون بالفشل إن استمرت المعاناة بعد قضاء 8 إلى 10 أسابيع في العلاج. 

     

علاج العمق والاستبصار الذي يساعد على إضفاء معنى وبنية متماسكة لحياة المريض لا يُعتبر من قِبل "صناعة" علم النفس علاجا مشروعا، مسندا بدليل
   

وأفكر بمايك (ليس اسمه الحقيقي)، والذي صادفته حينما كان في مستهل الثلاثينيات من عمره، وكنت معالجته رقم 21، أم 23؟ كان قد توقف عن عدّ المعالجين، والمؤسف أن قلة منهم اكتسبوا أهمية بالنسبة له بسبب المساعدة الضئيلة التي تلقاها. كان والداه قد استهلّا علاجه في عمر السنتين، حيث شُخّص باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) ووُصفت له العقاقير. على مدار السنوات، كانت هناك المزيد من التشخيصات والعلاجات والأدوية، التي مُنحت له دون أي نجاح يُذكر. وعلمت منه أن والديه -وهو فيما بعد- لم يُشكّكا بالتشخيص، لتبدأ رحلة البحث عن معالج مختص. جوهريا كان مايك قد كرر الأشهر الثلاث إلى الست الأولى من العلاج مرارا وتكرار، وكان عالقا في حلقة من الإعادة والتكرار من مطاردة التشخيصات والأعراض، دون أي فهم للسبب. وأدهشني أنه ما زال يتمسك بأمل العلاج وأمله بذاته في أول مرة عبر فيها إلى مكتبي. 

  

كان مايك مستاء مني عندما حاولت أن أستكشف وأتحدى تركيزه على التشخيص، وقد عانى للتخلص من تلك الحاجة إلى إيجاد معالج جديد بعد مرور ستة أشهر. وبدلا من أن يترك العلاج، وافق على الذهاب باتجاه آخر وتعيين مزيد من اللقاءات خلال الأسبوع. وبدأ يرى أن معاملته لنفسه، كتشخيص أو وسم، كانت انعكاسا لطريقة شعوره حيال نظرة والديه له، وأصبح هذا النمط متبعا في علاقاته مع الأشخاص الآخرين. فلا عجب أنه شعر بالوحدة والخواء. وللمرة الأولى، خلال أكثر من 30 سنة وأكثر من 20 معالجا نفسيا، كان مايك يفهم نفسه ويرى إمكانية تسلّق الأغوار السحيقة لليأس والعيش بأساليب جديدة.

   

إنني بالتأكيد لست المعالج الوحيد الذي كان قادرا على مساعدة مايك، لكن صادف أنني كنت المعالج الذي ساعده. لسوء الحظ، فإن علاج العمق والاستبصار والعلاقات الذي يساعد مايك على تغيير حياته وإضفاء معنى وبنية متماسكة لها لا يُعتبر من قِبل "صناعة" علم النفس علاجا مشروعا، مسندا بدليل، وبالغ الفعالية، كما تُظهِر العديد من الحالات والأبحاث التلوية. 

    

  

لا نحتاج إلى كرة بلّورية للتنبؤ بالأضرار التي يولّدها الحد من أساليب الرعاية. عندما ظهر دليل تشخيص وعلاج اضطراب ما بعد الصدمة عن جمعية علم النفس الأميركية أول مرة، احتج العديد من علماء النفس بأن علاجات مؤثرة وفعالة وأشكال أخرى من الاستدلال بخلاف التجارب المنضبطة المعشاة قد جرى تجاهلها. لكن الرابطة أشاحت بناظريها، مما أدى إلى عدد لا يحصى من العيوب الفتاكة في الوقت الذي تم فيه تجاهل أصوات أكثر من 57.000 معالج ومريض أفصحوا عن معارضتهم للدليل. حتى إن قادة لجنة الدليل أنفسهم، الذين اختيروا لخبرتهم في علاج الصدمة، كتبوا لاحقا حول تجربتهم المزعجة بالتعرض للإقصاء خدمة لعقيدة الدليل الصارمة عند تمييز أوجه قصوره وتغاضياته. 

  

وما لم تكن تدرك أن مديرا تنفيذيا في "يونايتد بيهيفيورال هيلث/أوبتوم"، وهي ذراع لمجموعة يونايتد هيلث التي تنصّبها عائداتها كأكبر شركة للرعاية الصحية في العالم، كان عضوا في اللجنة الإرشادية الاستشارية لتطوير إرشادات الممارسة الإكلينيكية، فسيكون من الصعب عليك أن تفهم السبب وراء اتخاذ جمعية علم النفس الأميركية ذلك المسار في دعم العلاجات المسندة بالتجربة المنضبطة المعشاة ذات المدة القصيرة، دع عنك أنها أنواع العلاجات التي تفضلها شركات التأمين، لكن لماذا تساهم صناعة التأمين في كتابة إرشادات علمية في المقام الأوّل؟ 

   

"إننا أكثر بكثير من مجرد موارد للأدلة أو باقة من الأعراض التي ينبغي التعامل معها".

   

حاليا، تقوم البلدان الأخرى بتفكيك عقيدة العلاج المعرفي السلوكي كليا. ففي السويد يكلف الدفع الهائل بالأساليب المسندة بدليل، بما فيها الحبوب والعقاقير، 6.7 مليار دولار أميركي سنويا، "ولم يحدث أن تمخض هذا العلاج عن النتائج المرجوة" على مدار سنواته الثماني، بحسب ما ذهبت إليه صحيفة "سفينسكا داغبلادت". ويفيد تقييم في اسكتلندا لنتائج العلاج المعرفي السلوكي وفعاليته من حيث التكلفة من 10 دراسات إيجابية سابقة أن النتائج الإيجابية للعلاج قد تآكلت على المدى الطويل. وتعمل إنجلترا على مبادرة لتوسعة نطاق العلاج المعرفي السلوكي بحيث يشمل أكبر عدد ممكن من الناس، حيث دربت الدولة 10.000 معالج نفسي، كما أن ميزانيتها للصحة النفسية تجاوزت الضعف، من 80 مليون جنيه إسترليني إلى 170 مليون جنيه إسترليني. لكن العلاجات، التي كانت تستمر في بعض الأحيان لجلسة أو اثنتين، قد شهدت نسبة 63% من انسحاب المرضى. 

     

ينبغي أن يكون سهلا للناس أن يعرفوا عن وجود العلاجات النفسية الديناميكية بقدر ما يقرؤون من عناوين حول "العلاج المعرفي السلوكي" والعقاقير
  

لا داعي لتكرار هذه التجارب مرة أخرى؛ إن ما علينا فعله هو إتمام المزيد من البحوث لإضافة المزيد إلى علاجات العمق والاستبصار والعلاقات المسندة بدليل. علينا أن ننحّي جانبا الإنكار بأن المشكلات المعقدة في الحياة تتطلب الوقت للشفاء. إننا نعلم في صميم عقولنا وأفئدتنا أن هذا حقيقي، أن الحلول السريعة تتلاشى بسرعة، ولا يمكنك أن تختصر طريقك إلى حياة أفضل، وأنَّه ليس هناك حلول مختصرة للتغيير المستدام. علينا أن نساعد مزيدا من الناس على تقبُّل تعقيدات حياتهم ومؤرّقاتهم، والتوقف عن تضليلهم بأن العلاج على مسافة أشهر بسيطة من العلاج أو بضع نقرات على تطبيق من التطبيقات، وأن نتحدى الرسائل التي تُمنح للناس أن إدارة الأعراض هي كل ما عليهم أن يتوقعوه من العلاج. 

  

لدينا علاجات بمقدورها تحسين العلاقات، وزيادة مستوى الرضا الشخصي والمهني، وتطوير المزيد من المرونة والمسؤولية، علاجات تترك الناس بصورة أقل تحت رحمة تكرار أنماطهم السلوكية القديمة التي تحول دون حصولهم على ما يرغبون به. ينبغي أن يكون سهلا للناس أن يعرفوا عن وجود هذه العلاجات بقدر ما يقرؤون من عناوين حول "العلاج المعرفي السلوكي" المسند بدليل والأدوية والعقاقير. إننا أكثر بكثير من أن نكون مجرد موارد للأدلة أو مجموعات من الأعراض التي ينبغي التعامل معها، نحن نستحق علاجات وأساليب تضع إنسانيتنا -إنسانية المريض والمعالج على حدٍّ سواء- كأولوية ومحور، علاجات تتيح لنا الخلاص من معاناتنا النفسية بأكثر الشروط إنسانية. 

—————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة