"ميدان" يحاور طبيبة بجامعة "كينجز لندن" حول التعامل مع الصحة النفسية في ظل العزل الاجتماعي

"لم أستطع النوم بشكل طبيعي لمدة 14 يوما بعدة عودتي من ألمانيا إلى تركيا، ورغم إلغاء المؤتمر الذي توجّهت لحضوره واتباعي لقواعد السلامة فإنني كنت أعد الأيام وأراقب حالتي خوفا من ظهور أعراض إصابتي بالعدوى، وحتى بعد مرور هذه الفترة أشعر بأنني لا أستطيع ممارسة حياتي كما كنت قبل سفري".

(ر. ش، طالبة بكالوريوس في تركيا، متحدثة لـ "ميدان")

    

"لم أرَ أطفالي منذ ثلاثة أسابيع، ولم أعد أستطيع النوم، لأنني أحاول باستمرار استيعاب كل هذا".

(د. نيلام فون في حديثها لجريدة "يو إس تودي" (USA Today) حول عملها في رعاية المصابين بفيروس كورونا المستجد (COVID-19)) (1)

   

سيل من الأخبار والأحداث والوقائع والتحليلات والتنبؤات والشائعات رافق جائحة فيروس كورونا المستجد (Covid-19) مذ بدأت الانتشار في دول العالم، وبتصاعد أعداد الإصابات والوفيات وفي ظل التوصيات المُقدَّمة بواسطة المؤسسات الدولية الرائدة في مجال الصحة، والقوانين والإجراءات الرسمية التي طالت كل فئات المجتمع، وما تبع هذا الوضع الطارئ عالميا من آثار على قطاعات الدول كافة، فإن هذه الجائحة لا تُمثِّل خطرا على صحة الجسد فحسب، بل على الصحة النفسية أيضا، ولا يقتصر هذا الخطر على من أُصيب بالمرض أو مَن يتعالج منه أو مَن تعافى منه، بل يشمل كل السكان دون استثناء، مع تفاوت في درجة هذا الخطر تبعا لعوامل عدة. 

     

  

لفهم الآثار السلبية التي يُخلِّفها الوضع الحالي الناتج عن الجائحة على الصحة النفسية للأشخاص في مجتمعاتهم، ولمعرفة كيفية التعامل معها، ولتسليط الضوء على أبرز النصائح والتوصيات التي يُقدِّمها المتخصصون في الطب النفسي لحماية الصحة النفسية في هذا الظرف، أجرى "ميدان" مقابلة مع د. مروة حمدان، طبيبة متخصصة في بحوث الطب النفسي وطب النفس للأطفال والمراهقين بجامعة "كينجز لندن" (King's College London)، وطرحنا هذه الأسئلة.

  

ميدان: إذا أردنا أن نتحدث عن أن الأشخاص في أي دولة انقسموا إلى عاملين في القطاع الصحي، وأشخاص داخل الحجر الصحي، وأشخاص ملزمين بالبقاء في منازلهم، فما الآثار السلبية التي يُخلِّفها انتشار الجائحة على الصحة النفسية لهذه الفئات؟ 

يشهد العالم حاليا وباء متفشيا صُنِّفَ من قِبل منظمة الصحة العالمية على أنه "جائحة"، ولهذه الجائحة آثار سلبية على الصحة النفسية تكاد تطول كل فئات المجتمع، يتمثّل بعض هذه الآثار في زيادة معدلات القلق والخوف، ونوبات الهلع، وقد يتطور الأمر لدى البعض إلى ظهور أعراض شبيهة بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وقد سُجِّل أيضا حدوث حالات من الإحباط والاكتئاب لدى العامة، كما أظهر عدد من الدراسات ازديادا في معدلات محاولات الانتحار، وزيادة في ظهور الأعراض الجسدية ذات الأصل النفسي أو ما يُعرف باسم "اضطراب العرض الجسدي" (Somatoform Symptoms). 

  

يُعزى ظهور هذه الأعراض إلى عوامل أبرزها عدم وضوح الرؤية بخصوص مسار هذه الجائحة، فضبابية المشهد تخلق نوعا من التخوُّف من المستقبل، خصوصا في ظل انفتاح الأمر على احتمالات واسعة من الأحداث التي يمكن وقوعها، وهذه عوامل بيئية تلعب دورا رئيسيا في تكوُّن الخوف أو الاضطرابات النفسية عموما. 

    

   

إذا أردنا تقسيم المجتمع إلى الفئات التي ذكرتها فإنه يمكن لأي شخص من هذه الفئات أن يتعرّض للآثار السلبية التي تحدثنا عنها كالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، لكن هناك فئات محددة أكثر عُرضة من غيرها للإصابة بأنواع معينة من الاضطرابات النفسية، كفئة العاملين في القطاع الصحي، فهم خطّ المواجهة الأول للتعامل مع الحالات المصابة، ويتعرّضون يوميا لرؤية هذه الحالات، ما يجعلهم مُعرّضين أكثر من غيرهم لاضطراب ما بعد الصدمة، فتعرُّضهم لصدمات متكررة ليس ناتجا فقط عن التعامل مع الحالات الجديدة أو عند مشاهدة زملائهم يصابون بالعدوى، وإنما أيضا نتيجة عوامل أخرى مرتبطة ببيئة العمل نفسها، وفي هذه الأوضاع تزداد -بحسب بعض البحوث- معدلات الاحتراق الوظيفي بين العاملين في المجال الصحي بسبب العمل لساعات طويلة أو لنقص معدات الحماية الشخصية التي تُقلِّل احتمالية انتقال العدوى إليهم، كما أن نقص الإمدادات يُضيف حملا إضافيا عليهم، وهذا أيضا يرفع لديهم معدلات القلق والخوف على أنفسهم والخوف من تعريض حياة أحبّتهم وأفراد أسرتهم للخطر إذا كانوا سببا في نقل العدوى إليهم.

   

أما فيما يتعلّق بالفئة العامة ممّن هم ملزمون بالمكوث في منازلهم، فإن هذا الوضع يزيد انتشار الملل بينهم بشكل واضح، ويكفي أن نتصفح قليلا بعض مواقع التواصل الاجتماعي لنشاهد انتشار حالة من التذمر الكبير الناتج عن المكوث في المنازل، وهذا بالطبع يؤثر سلبا على الصحة النفسية، ولا يمكن التقليل من شأنه، فهو يعكس حالة من العزلة والفراغ التي تؤدي بدورها إلى ظهور الأعراض النفسية التي أشرنا إليها كالقلق والتوتر والاكتئاب، وحتى نوبات الغضب التي يمكن أيضا أن تتكرّر دون وجود حافز واضح لها. 

  

إضافة إلى ذلك فإن التنبيه المستمر والتنويه لأهمية الوقاية من نشر العدوى عبر غسل الأيدي بصورة متكررة وتعقيمها بشكل مستمر يُنتج نوعا من الوساوس لدى البعض، وتُعرِّضهم لأفكار متكررة تُعرف بـ "الأفكار الإقحامية"، وهي تحوُّل الأفكار المتعلقة بالنظافة إلى وسواس حول مدى نظافة الأسطح مثلا، وبالتالي التعرّض المستمر للقلق والإفراط في تكرار هذه الأفعال. 

    

    

أما بخصوص الأشخاص المجبرين على دخول مراكز الحجر الصحي فيمكننا القول إنهم الأكثر عُرضة للشعور بالعزلة وآثارها السلبية على الاتزان النفسي، فالانفصال عن الجو العائلي أو الدعم الاجتماعي المعتاد يُعرِّض الفرد لضغط نفسي قد يتسبّب في ظهور أعراض كالهلع والقلق، إضافة إلى أن هذه الفئة تتعرّض أيضا للوصمة المصاحبة لهذا الوباء وما ينتج عنها من الشعور بالخزي أو الذنب، ويؤدي ذلك إلى زيادة احتمالية تعرُّضهم للخوف والاكتئاب أكثر من غيرهم من أفراد المجتمع، ورغم أن هذه الجائحة في طبيعتها مرض كغيره من الأمراض فإن الأشخاص المقيمين في الحجر الصحي هم أكثر الفئات خوفا من تعرُّضهم وعائلاتهم للوصمة.

  

ميدان: هل من المحتمل أن يتطور أيٌّ من هذه الآثار السلبية إلى مرض نفسي لدى هؤلاء الأشخاص؟ 

لا يمكن إيعاز حدوث الأمراض النفسية إلى سبب واحد، فالأمراض النفسية في طبيعتها تنتج عن عوامل بيئية وجينية متعددة، لكن يمكننا التأكيد أن حالة الخوف العام السائدة أدّت إلى تسجيل زيادة في نسب اضطراب القلق -رغم أنها لم تُصنَّف كمرض نفسي-، كما أدّت إلى تدهور حالة الأشخاص الذين يعانون سابقا من أمراض نفسية، هذا يعني أن الأشخاص المصابين حاليا باضطرابات نفسية هم معرّضون بشكل أكبر من غيرهم لتطور هذه الاضطرابات لديهم، فالحالة المصاحبة للجائحة يمكن أن تكون محفزا كفيلا لزيادة شدة الأعراض الموجودة أو حتى ظهورها في ظل هذه الظروف.

   
لكن ازدياد معدلات الانتحار يُعتَبر مؤشر الخطر الحقيقي الذي يُنبّه لوجود وضع طارئ يستدعي تدخُّلا عاجلا ويُنبئ أيضا بوجود اضطراب نفسي حقيقي سواء أكان موجودا أو غير مُكتَشف، ورغم أن هناك دولا لم تُسجِّل هذه الزيادة كفلسطين مثلا، فإن مصادر بحثية وإخبارية تحدثت عن تسجيل هذه الزيادة وارتباطها بجائحة فيروس كورونا المستجد (COVID-19)، ورغم أننا نتعامل مع كل حالة على أن لها خصوصيتها وتاريخها المرضي، فإن ظروف العزلة التي قد يعيشها هؤلاء الأشخاص حاليا، أو تعرُّضهم لفقد أحبتهم نتيجة هذه الجائحة قد يتسبّب في ظهور أعراض شديدة تستدعي التدخل الطبي وتقديم الدعم النفسي لهم. 

      

هناك حدًّا فاصلا بين الممارسة الطبيعية لغسل الأيدي وتعقيم الأسطح وبين الممارسات المرضية والتي تظهر على أصحابها
   

تجدر الإشارة هنا أيضا إلى ما يُعرف باسم "اضطراب الوسواس القهري" (Obsessive Compulsive Disorder) المعروف اختصارا بـ "OCD"، ويعاني المصابون به من وساوس قهرية تلاحقهم باستمرار وتُجبرهم على أداء أفعال معينة بُغية التخلُّص من هذه الوساوس، وأحد أشهر الأمثلة على هذه الوساوس بين مَن يعانون من هذا الاضطراب تلك المتعلّقة بالنظافة، والتي تُجبر الفرد على غسل يديه أو تنظيف المكان حوله وتعقيمه بصورة مبالغ فيها ومَرَضية. قد يتبادر للقرّاء الآن أسئلة مثل: إنني أحرص على تنظيف يدي نتيجة خوفي من الوباء وشكّي بأن الأسطح حولي غير معقمة بما يكفي، فهل هذا يعني أن لدي هذا الاضطراب؟

  

لكن ورغم أن هذا الرابط منطقي، فإن هناك حدًّا فاصلا بين الممارسة الطبيعية لغسل الأيدي وتعقيم الأسطح وبين الممارسات المرضية والتي تظهر على أصحابها، فمثلا يُكرِّر المصابون بهذا الاضطراب ممارسات التنظيف المستمرة وباستخدام مواد معقمة لدرجة تتسبّب في إحداث تسلخات أو مشكلات مَرَضية في الجلد، يُضاف إلى ذلك أن تلك الممارسات يمكن وصفها واعتبارها مَرَضية إذا تسبّبت في إعاقة صاحبها من ممارسة حياته ووظائفه بصورة طبيعية وسليمة، أي إن مقدار تأثير هذه السلوكيات على حياة الشخص وأدائه لوظائفه اليومية هو المعيار المُستخدَم في تمييز السلوكيات الطبيعية عن الاضطرابات النفسية التي تستدعي تدخُّلا من طبيب أو مرشد نفسي سواء تعلّق الأمر بأعراض الوسواس من الجراثيم أو حتى القلق أو الإحباط أو حتى بالاكتئاب. 

  

أنوّه هنا أيضا إلى أن أي فرد يتعرّض لفقد أحد أحبّته نتيجة لهذه الجائحة سيكون عُرضة لخطر الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، وفي حال زادت مدة حزنه لفترة طويلة وتحوّلت إلى أعراض اكتئاب مَرَضي فهنا يجب التوجُّه للحصول على الاستشارة الطبية. 

     

    

ميدان: ما العوامل التي يمكن أن تُسبِّب زيادة حِدَّة الآثار السلبية المذكورة؟ 

هناك عدة عوامل تتحكّم في المشهد الآن ويمكنها أن تُسبِّب زيادة حِدَّة الآثار السلبية المذكورة، أبرز هذه العوامل:

* الحالة الطارئة التي يواجهها العالم اليوم وضبابية مشهدها والتوقُّعات المستقبلية حولها، وما ينتج عنها من ازدياد معدلات القلق والخوف بين الناس، فالعالم يُواجه جائحة تحصد المزيد من الأرواح يوميا ولا يوجد علاج ناجع مُثبَت حتى الآن، وما يتوارد من أخبار حول الحاجة إلى سنة على الأقل حتى تصنيع لقاح فعّال، وكونه يصعب حتى اللحظة توقُّع موعد انتهاء هذه الجائحة وقدرتنا على احتواء المرض، وما إذا كانت الجائحة عدوى موسمية ستنتهي بحلول الصيف أم أن هناك موجة أخرى تنتظرنا، كل هذا يصبّ في خانة ضبابية المشهد الكفيلة بزيادة حالات الهلع ومعدلات القلق العام.

 

* إذا تناولنا القطاع الصحي، وتحديدا فئة العاملين فيه، فإن مناطق كغزة مثلا تفتقر إلى كمية كافية من المعدات الطبية، بدءا من وسائل الوقاية البسيطة كالكمامات والأنواع الخاصة منها المُوصَى باستخدامها أو ألبسة الوقاية للأطباء وحتى أجهزة التنفس الصناعي وأَسِرَّة المرضى في أقسام العناية المكثفة القادرة على استيعاب أعداد المصابين الكبيرة في حال تفشي الوباء، إن النقص الحاد في هذه المعدات والأدوات يضع العاملين في القطاع الصحي تحت ضغط نفسي مضاعف ليس بسبب الخوف من الإصابة بالعدوى أو نقلها إلى عائلاتهم، بل أيضا بسبب الخوف من السيناريوهات التي يمكن أن تحدث فيما لو زاد الضغط على المشافي وما سيصاحب ذلك من توتر نفسي واحتراق وظيفي بين صفوف العاملين في القطاع الصحي.

  

* عامل آخر يُسهم في زيادة حِدَّة الآثار المذكورة وهو غياب الوعي المجتمعي وتحديدا فيما يتعلّق بممارسة الوصمة المجتمعية أو بعدم الالتزام بقوانين الحجر الصحي الصحيحة لما في ذلك من دور مساعد في تفشي الوباء، وبالتالي مفاقمة الآثار النفسية المرتبطة به نتيجة حدوث حالات وفيات أو ازدياد عدد حالات الوفاة.

    

   

* أيضا فقدان الدعم النفسي والتواصل مع الأسرة والذي يساهم في تدهور الجانب النفسي للمصابين أو الأشخاص في الحجر الصحي، وقد سمعنا عن أشخاص توفوا بسبب المرض ولم تسنح لهم الفرصة بالحصول على لقاء أخير مع أحبّتهم. إن الدعم النفسي المُقدَّم من المحيط سواء في مكان العمل أو حتى في المنزل أمر مهم جدا، ليس فقط للأشخاص الموجودين في الحجر الصحي، بل أيضا للعاملين في مجال الصحة، فقد لُوحِظ ارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية بين هذه الفئات وتحديدا بين مَن لم يتلقّوا دعما نفسيا في مجال عملهم، وربما سمع بعضكم عن القصة التي انتشرت مؤخرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمروية على لسان أحد الأطباء ممن شهد الكثير من الوفيات وقال إنه شعر كما لم يسبق له من قبل أنه بحاجة إلى رؤية طبيب نفسي. 

   

     

ميدان: خلال حديثها لـ "ميدان" قالت م. ح، طالبة دكتوراه في تركيا: "ليست المرة الأولى التي أختبئ فيها من الموت، لقد قضيت خمس سنوات في وضع مماثل للانعزال في المنزل عندما كنت في سوريا، إن مخاوفي الآن تتركّز في فقدان مصدر دخلي وليس الإصابة بالعدوى"، لقد أمضى عدد كبير من سكان المنطقة العربية سنوات طويلة في مناطق تعرّضت للعنف والقتل والتشريد، وهناك مَن لا يزالون يعيشون هذه الظروف، فهل يمكننا القول إن فقدان مصدر الدخل المادي هو أكبر مخاوف هؤلاء الأشخاص في هذه الفترة مقارنة بغيرهم ممن لم يختبروا ظروفا مشابهة؟ ولماذا؟

في البداية سأوضِّح شيئا يتعلّق بنظرية "ماسلو" للحاجات، وهي نظرية نفسية قدّمها العالم "أبراهام ماسلو" لشرح تراتبية حاجات الإنسان التحفيزية في الحياة وفق تسلسل هرمي، تأتي فيه الحاجات الفسيولوجية الأساسية كالمأكل والمشرب في قاعدة هذا الهرم، تليها الحاجة إلى الأمن والسلامة ويشمل ذلك الأمن الصحي.

  

تبعا لهذه النظرية سنجد أنه من البديهي لشخص لا يملك المال اللازم لتوفير حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب، أو لشخص سيمنعه المكوث في المنزل أو الحجر الصحي من كسب قوت يومه، أن يصبح تأمين هذا القوت حاجة ماسة ربما تتجاوز في أهميتها لدى هؤلاء الأشخاص خوفهم من العدوى أو الوباء ذاته، ورغم أن هناك بعض الانتقادات التي طالت هذه النظرية في تموضع الأشياء في الهرم، فإنني أشير إليها هنا لتوضيح نقطة مهمة، وهي أنه في الوقت الذي تستدعي فيه إجراءات السلامة المكوث في المنزل فإن على المسؤولين توفير حلول لأولئك الذين سيتضرّرون بفقدان قوت يومهم، قبل تنفيذ الحجر الصحي أو المطالبة بالبقاء في المنازل، لذلك رأينا في بداية الأزمة عندما نُشرت دعوات رسمية للبقاء في المنازل أن هناك أصواتا انطلقت للإشارة إلى هذه المشكلة، وللحديث عن الأثر السلبي الذي يُخلِّفه فقدان مصدر الدخل على الصحة النفسية لهؤلاء الأشخاص، وهو أثر قد يفوق في خطورته احتمالية التقاط أو نقل العدوى، فلدينا أمر محتمل مقابل أمر حتمي. 

  

أُشير هنا أيضا إلى أنه حتى في الحالات الطبيعية فقد لُوحِظ منطقيا عند الحديث عن العوامل البيئية المساهمة في إصابة شخص ما بمرض نفسي كالاكتئاب مثلا فإن التاريخ المَرَضي لهذا الشخص بدأ بتعرُّضه لحادثة أليمة أو بفقدان وظيفته، ونحن حاليا نعيش حالة وباء عالمي، تفرض ضرورة تأمين مصدر دخل أو دعم مادي للمتضرّرين من البقاء في المنازل بلا عمل، فإهمال هذا الجانب سيتسبّب في تدهور الاضطرابات والأعراض النفسية الناتجة عن فقدان مصدر الدخل. 

  

ميدان: لا تملك أنظمة الرعاية الصحية في دول عدة في المنطقة العربية القدرة على تقديم الدعم اللازم في مجال الصحة النفسية حاليا نظرا لعدة عوامل أبرزها محدودية الموارد، فكيف يمكن للأشخاص ضمن الفئات المذكورة سابقا مواجهة الآثار السلبية للوضع الحالي الذي خلّفته الجائحة على صحتهم النفسية؟ هل هناك إستراتيجيات محدّدة، مصادر معرفية موثوقة، مشاريع أو برامج خدمات استشارية في مجال الصحة النفسية، وما الأمثلة على ذلك؟ 

بالطبع إذا ما ذكرنا أن هناك آثارا سلبية فلا بد لنا من ذكر الإستراتيجيات المُوصَى بها للتعامل مع هذه الآثار، وهنا سأُشير إلى ما نشره حديثا قسم الطب النفسي بجامعة "ييل" (Yale university)، إذ قدّم متخصصوها عدة توصيات لمواجهة هذه الآثار، وأبرزها: 

         

* ضرورة الحفاظ على درجة صحية من التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء والأهل، خصوصا لدى الأشخاص الذين يمكثون في الحجر الصحي، ففي الوقت الذي يُوصَى فيه بالتزام نوع من التباعد الاجتماعي والبقاء بالمنزل فإن المختصين بالجامعة أكّدوا أهمية وجود دائرة من التواصل الاجتماعي والتي بدورها تُشكِّل داعما أساسيا وعاملا مهما في الحفاظ على الصحة النفسية للأشخاص بشكل عام.

  

لنتحدث عن هذه الزاوية بشيء من التفصيل، بالنظر إلى قواعد الحجر المنزلي فهي تُركِّز على عدم الخروج من المنزل إلا لشراء حاجيات أساسية أو لتنفيذ أنشطة رياضية مسموح بها يوميا أو للعمل إذا كان لا يمكن إتمامه من المنزل، أي إنها تهدف إلى تقليل وجود التجمعات قدر الإمكان لوقف انتشار الفيروس، وحتى إن استلزم الأمر الخروج من المنزل فيجب الحفاظ على ترك مسافة مترين تفصل بين الأشخاص خارج منازلهم وهو ما يُعرف بالتباعد الاجتماعي، أي إن التواصل الضروري مسموح كوننا كائنات اجتماعية يستحيل منع التواصل بينها بشكل مطلق، ويُنصَح أيضا بعمل لقاءات دورية عن بُعد (عبر الإنترنت) من فترة إلى أخرى بين أفراد العائلة الذين لا يتشاركون المنزل نفسه للحفاظ على المستوى الصحي من التواصل الاجتماعي الذي أشرنا إليه، وهذا يصبّ في دائرة الالتزام بقواعد الحجر المنزلي ويحمي في الوقت نفسه من الوقوع في عزلة مطلقة تؤثّر سلبا على صحة الأشخاص النفسية.

   

أما الأشخاص الذين ظهرت عليهم أعراض العدوى كارتفاع درجة الحرارة مثلا فهم مجبرون على الالتزام بحجر أكثر صرامة، وهم ممنوعون من الخروج من أماكن الحجر مطلقا لحين انقضاء مدة محددة بناء على استمرار الأعراض أو زوالها أو وجود شخص آخر في محيطهم، في المنزل مثلا، يعاني من أعراض العدوى أيضا، لذا يُنصَح هؤلاء الأشخاص بالحفاظ على تواصلهم مع عائلاتهم وأصدقائهم عن بُعد، وعلى المسؤولين عنهم توفير الحاجات الأساسية لهم لضمان عدم اختلاطهم بالآخرين.

      

الحفاظ على روتين يومي يتصف بشيء من الثبات والمرونة أيضا يُكسِب الشخص شعورا بالسيطرة والقدرة على الإمساك بزمام الأمور
     

* حذّر المختصون أيضا من كثرة تداول أخبار الجائحة، فكثرة التعاطي مع الأخبار المقلقة يتسبّب في ازدياد كبير لمعدلات التوتر ولحِدَّة الآثار السلبية الناتجة على الصحة النفسية للأشخاص، ونوَّهوا لإمكانية الاكتفاء بالاطلاع على أخبار الجائحة مرة أو مرتين فقط يوميا، مع تحرّي دقة المصادر التي يحصل الأشخاص منها على هذه الأخبار، وهنا أود أن أُشير إلى مصادر رسمية يمكن الاعتماد عليها كمنظمة الصحة العالمية، أو المجلات البحثية المعتمدة، والمتخصصين في المجال الطبي، وأؤكّد أهمية الابتعاد نهائيا عن الشائعات أو المصادر غير الموثوقة خاصة تلك التي تنشر معلوماتها على مواقع التواصل الاجتماعي دون توضيح مصادرها، وأُحذِّر من مروّجي الشائعات المتعلّقة بنظرية المؤامرة، ولها أوجه كثيرة جدا مثل أن الفيروس المُسبِّب للوباء هو فيروس مُصنَّع بيولوجيا وأن الأمر برمّته هو حرب بيولوجية، أو ارتباط انتشار الفيروس بالخاصية التكنولوجية "5G". 

 

* الحفاظ على روتين يومي يتصف بشيء من الثبات والمرونة أيضا، فتوفُّر هاتين الخاصيتين يُكسِب الشخص شعورا بالسيطرة والقدرة على الإمساك بزمام الأمور في ظل حالة عدم الاستقرار وانعدام الوضوح في هذه الجائحة، فجزء مهم من أصل التأثيرات النفسية الناتجة سببه حدوث تغيير مفاجئ في روتين الحياة لدى الشخص قبل انتشار الجائحة وبعد انتشارها وفرض الحجر المنزلي.

  

* يُوصَى أيضا باتباع روتين لممارسة الرياضة يوميا في المنزل، فذلك يساعد في تحسين الحالة المزاجية للأشخاص ويُقلِّل لديهم معدلات التوتر والقلق، وبالحفاظ على روتين يومي للاستيقاظ صباحا، ومواعيد نوم منتظمة، فذلك يُحسِّن المزاج بشكل عام، مع أهمية تعريض مكان النوم لأشعة الشمس لتساعد الشخص في الاستيقاظ بانتظام، فضلا عن الفوائد الصحية للأمر.

    

  

* أمر آخر مهم وهو أن الحجر الصحي أو الالتزام بالبقاء في المنازل لا يعني عدم الحصول على فترة منتظمة للخروج من المنزل، لكن عند الضرورة، فقد خصّصت دول عدة ساعات يومية سمحت فيها للأشخاص في الحجر بالخروج لممارسة الرياضة وشراء اللوازم الضرورية أو الدواء وكذلك الذهاب للعمل الذي لا يمكن أداؤه عن بُعد، فالخروج ولو لفترات قصيرة مفيد للصحة النفسية وضروري لها، لكن في إطار الالتزام بالقواعد الصحية المُوصَى بها كالالتزام بالتباعد الاجتماعي، وتجنُّب التجمهر، وتنظيف اليدين.

  

وكما أوضحت سابقا فالسماح بالخروج من المنزل هو أمر ينطبق على مَن لم تظهر عليه أعراض الإصابة بالعدوى، أما مَن ظهرت عليهم الأعراض فهم ملزمون بالبقاء في الحجر الصحي وعدم المغادرة مطلقا. 

 

* وأخيرا يُنصَح الأشخاص بطلب الاستشارة النفسية عند الشعور بأي آثار تستدعي القلق، ورغم أن الإمكانات المتوفرة في عدة دول عربية لا تُلبّي حاجات السكان في هذا الجانب، فإن هناك مبادرات وخدمات تسعى لتلبية هذه الحاجة قدر المستطاع، نذكر منها مثلا في فلسطين، وتحديدا في غزة، الخطوط الإرشادية المجانية التي يُقدِّم من خلالها "برنامج غزة للصحة النفسية" خدمات استشارات نفسية مجانية عبر الهاتف، وفي الأردن مبادرة "إنت مش لحالك، إحنا معك" التي تُنفِّذها "الهيئة الطبية الدولية" بالتعاون مع تجمُّع للأطباء النفسيين لتقديم جلسات دعم نفسي عن بُعد خلال فترة الجائحة، أما دوليا ففي بريطانيا مثلا فقد توفّر خط مجاني للإرشاد النفسي مخصص لدعم العاملين في القطاع الصحي، وعلى الإنترنت تتوفّر مواقع إلكترونية تُقدِّم نصائح للحفاظ على الصحة النفسية كموقع "ينغ مايندز" (youngminds). 

  

وإضافة إلى النصائح السابقة أودّ أن أنوّه إلى أهمية رفع الوعي في مجتمعاتنا حول الوصمة المجتمعية التي يتعرّض لها الأشخاص الذين يبحثون عن أو يتلقّون الدعم النفسي، أو حتى يتحدثون في هذا الجانب، فـ "ليس من العيب" الحصول على الاستشارة النفسية، وعلينا أن نحمي أنفسنا من الضغوط الكبيرة، فمن الطبيعي الشعور بالاضطراب في مثل هذه الأوضاع غير العادية، من الطبيعي أن تشعر أحيانا بالملل أو الكسل أو حتى تغيرات المزاج، من الطبيعي أن تشعر بالخوف من العدوى، ما يُطلب منك هنا هو محاولة اتباع النصائح التي أشرنا إليها، والتوجُّه للحصول على الاستشارة الطبية إذا كانت الأعراض شديدة.

    

     

ميدان: هل ستُعزِّز الجائحة انتشار ظاهرة الخوف من الغرباء (Xenphobia)، أو ستتسبّب في إحداث سلوكيات مُعادية للأشخاص من أقليات عِرقية أو دينية أو حتى ممّن أُصيبوا بالمرض أو تعافوا منه؟ 

لا يخفى على أحد أنه قد رُصِدت مثل هذه الممارسات في عدد من الدول من بينها دول عربية، فمتابعة بسيطة لمواقع التواصل الاجتماعي ستُظهِر جوانب التنمر على الصينيين مثلا، وهذه بالتأكيد ظاهرة غير صحية، بل إنها مُعادية لمبدأ الانفتاح على الآخر وتقبُّله، لذا يُنصَح باستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة، والتروّي قبل نشر المنشورات التي تُظهِر محتوى يتنمر على ثقافة معينة، فالعنصرية صفة مذمومة دوما، حتى إن بعض الدراسات أثبتت أن الأثر النفسي السلبي الناتج عن مثل هذه الممارسات لا يقتصر على المُتنمَّر عليه فقط، بل يطول المُتنمِّر أيضا. 

   

ميدان: في منشور له على موقع "فيسبوك" يقول الشاب عمر، حفيد أحد الأشخاص الذين أُعلن عن إصابتهم بفيروس كورونا المستجد (COVID-19) في غزة: "ذهب جدي إلى الحجر الصحي كما هو مُوصى، عرفنا أول أمس أن نتيجة فحصه إيجابية، شعرنا بقلق كبير عليه، لكن القلق الأكبر لما رأينا الطريقة التي تداول فيها الناس خبر إصابة جدي. نشروا صورته في كل مكان على فيسبوك، استهزؤوا به، تنمروا عليه طوال الليل والنهار"2. هل يواجه الأشخاص المُصنَّفون كـ "أشخاص مصابين بمرض "كوفيد-19″" أو "أشخاص يُعالَجون من "كوفيد-19″" أو "أشخاص يتعافون من "كوفيد-19″" الوصمةَ أو التنمر حتى بعد التأكد من عدم إصابتهم أو شفائهم من المرض؟ كيف يمكنهم وعائلاتهم مواجهة هذا الوضع؟ 

شخصيا تابعت كل هذا، وقرأت المنشورات التي تحدثت عن أول حالتين شُخِّصتا في غزة، لقد ساءني جدا التنمر عليهما والذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وساءني أكثر نشر المعلومات الشخصية الخاصة بالمصابين للعامة، وبالطريقة الفجّة التي تناقلتها بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فتداول المعلومات الخاصة بالمرضى مسموح به وفق أُطر خاصة ومحددة كوجود خطر انتقال العدوى للطاقم الطبي الذي تعامل مع الحالة قبل أن تُكتشف، وهنا يُبَلَّغ الطاقم الطبي بطريقة مهنية، لكن نشر معلومات المرضى الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو أمر مخالف للأخلاقيات المهنية، وما حدث من تنمر فهو للأسف نتيجة لقلة الوعي المجتمعي، ويُعزِّز الفكرة المغلوطة التي تتعامل مع المرض على أنه وصمة عار، من الجيد أن هناك مبادرات فردية قامت بها شخصيات عامة حين نشرت خبر إصابتها بالفيروس لتعزيز فكرة مضادة وهي أنه من الطبيعي جدا أن تنتقل العدوى لأي شخص ولا حاجة إلى التعامل مع المرض كوصمة، إضافة إلى كونها توضيحا للتجربة والأعراض المَرَضية التي عايشوها. 

    

  

أما بالنسبة للسؤال حول كيفية تعامل عائلات المصابين مع هذا الأمر، فهو سؤال مهم، فالمسؤولية هنا لا تقع على عاتق أهالي المصابين فحسب، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله، لذا أنصح في مثل هذه الحالات بعدم التعاطي مع المتنمرين بشكل عام، وبوجه أولى عدم ممارسة التنمر، وأرى أن مثل هذا المنشور له دور في التعامل مع التنمر الحادث، فقد سلّط الضوء على الظاهرة، وكسب التعاطف مع جدّ الشاب، ونشر شيئا من الوعي تجاه المسألة، وبخصوص الأشخاص الذين تعرّضوا أو يتعرّضون للتنمر فهناك خاصيات تُتيحها مواقع التواصل الاجتماعي للإبلاغ عن المتنمرين باعتبار المحتوى الذي ينشرونه محتوى مسيئا، وبالنسبة لما يتسبّب لهم تعرُّض هؤلاء الأشخاص للتنمر فهو يؤثّر سلبا على صحتهم النفسية، ويظهر هذا الأثر في صورة نوبات هلع مثلا، أو أعراض مستمرة تشمل الشعور بالإحباط واليأس وتوارد أفكار حول الموت والانتحار، أو القلق المستمر الذي يعوقهم من إنجاز أعمالهم اليومية بالشكل المطلوب، ويُنصَحون في هذه الحالة بالتوجُّه لطلب الاستشارات النفسية، وهذا لا يقتصر على مَن تعرّضوا للتنمر في هذا الظرف، بل حتى في ظروف أخرى مختلفة، فالحصول على الدعم والاستشارة النفسية في هذه الحالات يساعدها في تعزيز صحتها النفسية وحمايتها من تبعات التنمر ويُمكِّنها من التعامل مع مواقف أخرى مشابهة. 

  

ميدان: لُوحِظ في الدول التي فُرِضَ فيها حظر التجول ردود فعل عنيفة من بعض الأشخاص، مثل إثارة الفوضى والشغب عند أماكن بيع الخبز والمواد الغذائية. هل يمكن لإجراء كمنع التجول أن يتسبّب في إحداث تأثير سلبي على الصحة النفسية بمقدار أكبر مما قد تُحدثه الدعوات الرسمية للالتزام بالبقاء في المنازل؟

هذا الأمر صحيح نظريا، فعبارة "حظر التجول" تُثير في النفس قدرا من الهلع يُفسِّر وقوع مثل هذه الأفعال والحوادث، ويدفع المواطنين إلى شراء كميات مهولة من المؤونات الغذائية أو الحاجيات الاستهلاكية تحسُّبا لعدم إمكانية الخروج لشراء هذه الحاجيات في مثل هذا الوضع، وبالتالي فهم يسعون لحماية أنفسهم من التعرُّض لذلك، كما أن حظر التجول يتضمّن إجراءات مشدّدة وقد يتعرّض خلاله الأشخاص لظروف استثنائية تتسبّب في ارتفاع معدل القلق والتوتر بينهم الناتجين أصلا عن الوضع الحالي، وتحديدا بين الأشخاص الذين لديهم قابلية للتعرُّض لاضطراب نفسي محتمل. 

  

ميدان: هل من نصائح عامة توجهينها للأشخاص الذين يراقبون عن كثب مستجدات الوضع الحالي للجائحة؟

أنصح الجميع باستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة، والتوقُّف عن نشر الشائعات أو المنشورات المؤيدة لنظرية المؤامرة، من المؤسف رؤية أصحاب المستوى التعليمي المرتفع يفعلون ذلك، فالمعلومات الخاطئة تزيد من معدلات القلق والتوتر، وأتمنى من الجميع تحرّي الدقة في اختيار مصادر المعلومة، وعدم التعامل مع جميع ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي على أنها معلومات مؤكدة وصحيحة ما لم يُتَأكَّد من مصدر المعلومات، وأؤكّد مرة أخرى أنه ليس هناك علاج فاعل للقضاء على الفيروس، وكل ما يُنشر لا يزال قيد البحث والدراسة. 


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة