"أسابيع أم سنوات".. متى تعود الحياة لطبيعتها بعد وباء كورونا؟

اضغط للاستماع

   

قبل عدة أيام خرج رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو ليقول(1) لمواطنيه إن الحياة لن تعود إلى طبيعتها إلا بعد أن نتوصّل إلى لقاح يقي الأصحاء من البشر من كورونا المستجد، الفيروس الذي يتسبّب في مرض نعرفه الآن باسم "كوفيد-19″، يعني ذلك أن كندا -بحد تعبيره- ستستمر في إجراءاتها طوال عام كامل على الأقل قبل أن تبدأ في اتخاذ درجات من التخفيف تساعد الحياة على العودة إلى طبيعتها، لكن هل ستفعل؟! هل ستعود حقا إلى طبيعتها؟!

   

حسنا، لا بد أن ذلك هو السؤال الذي جال في خاطرك طوال الأسابيع القليلة الماضية، تستمر الحكومات في بلادنا في مد فترات العزل الاجتماعي حتى بدا أنها لن تنتهي، متى سيتوقف كل ذلك؟ متى سأتمكّن بأمان تام من النزول إلى الشارع وممارسة عملي أو شراء احتياجاتي أو لقاء الأصدقاء؟ كان ترودو صادقا في حديثه لا شك، فنحن نعرف الآن أن هذا الفيروس ذو قدرة واسعة على الانتشار، كل شخص مصاب به يمكن أن يُصيب، خلال سبعة إلى أربعة عشر يوما، شخصين إلى ثلاثة، يعني ذلك نموا أُسيا(2) للحالات، فتكون مثلا حالتان، ثم تصبح أربع إلى ست حالات بعد أسبوع، ثم تصبح ثماني إلى اثنتي عشرة حالة بعد أسبوع آخر، وهكذا.

      

    

حظر لا ينتهي

يعني ذلك بالتالي شيئا واضحا وبسيطا، وهو أن وجود شخص واحد فقط مصاب بهذا الفيروس على كوكب الأرض كله يعني خطر عودة الإصابة في كل دول العالم مرة أخرى في أي وقت، لأن كل بلاد العالم المعاصر تقريبا أصبحت شبكة واحدة متفاعلة اقتصاديا واجتماعيا، لكن تلك الفكرة النظرية إلى حدٍّ كبير تُوضِّح فقط المخاطر الممكنة من ظهور الفيروس في أية نقطة، أما بشكل أكثر عملية فإن هناك سببا رئيسيا قد يقضي على هذا الفيروس، وهو مناعة القطيع(3)، الفكرة البسيطة التي تقول إنه مع انخفاض عدد البشر المتاحين للفيروس فإنه سينتشر ببطء، ثم ربما يتوقف في مرحلة ما.

    

سيحدث ذلك لسببين رئيسيين، الأول هو أن يُصيب الفيروس ما مقداره 50-80% من الناس، فلا يجد المزيد من الناس لإصابتهم حيث اكتسب المصابون مناعة منه وأصبحت البقية على مسافات شاسعة من بعضها بعضا، والثاني هو أن نبتكر اللقاح ونعطيه للنسبة نفسها من الناس، هنا يتحقق ما يمكن أن نسميه بالأمان التام. وكما تلاحظ، فإن الخيارين ليسا بالسهولة الكافية، السماح للناس بكسر إجراءات العزل الاجتماعي يعني أعدادا هائلة في المستشفيات، ما يعني انهيارا للمنظومة الصحية، وهو ما يعني بدوره المزيد من الوفيات بصورة كارثية. ويمكن لك، على أرض الواقع، ملاحظة ذلك، حيث تبدأ أعداد الوفيات بسيطة ثم ترتفع فجأة مع إغراق المستشفيات بالمرضى.

    

أما بالنسبة للقاح، فإن التوقعات(4) تقول إنه يمكن الوصول إلى لقاح للمرض في غضون 12-18 شهرا، إنها مدة طويلة، لكن ذلك ليس الخبر السيئ، حيث يحتاج الأمر في المعتاد إلى أكثر من عشر سنوات للتوصل إلى لقاح، بالتالي فإن توقعاتنا متفائلة إلى حدٍّ كبير جدا، أضف إلى ذلك مشكلة أخرى تتعلق بطبيعة معرفتنا بكورونا المستجد، فهو -كما تلاحظ- "مستجد"، لا نعرف عنه إلا القليل، بالطبع تزداد معرفتنا عنه يوما بعد يوم، لكن ذلك التغير الدائم فيما نعرف قد يتسبّب في إبطاء خُطانا نحو اللقاح.

      

  

يُشير ذلك إلى أنه علينا أن ننتظر لفترة طويلة في إجراءات العزل الاجتماعي، تُحدِّدها الخطة الأميركية على سبيل المثال بـ 18 شهرا، وتقل إلى سنة في بعض الدول، لكن الجميع يقف عند نقطة حذرة تؤكد أنه دون مناعة القطيع فإن هذا الفيروس لن يذهب بعيدا عنا، لكن ذلك لا يعني أن الحياة ستتوقف تماما على مدى فترة طويلة كما يمكن أن تظن، في الواقع لقد بدأت بعض البلاد بالفعل في إعلان عودة جزئية إلى الشارع بعد فترة قصيرة من بدء الإصابة هناك، تقف الصين بالطبع على رأس تلك البلاد، لقد بدأ انتشار الفيروس بها في ديسمبر/كانون الأول، فقامت بإجراءات عزل اجتماعي صارمة على مدى أربعة أشهر، ومع الانخفاض الجذري للحالات اليومية تشهد الآن(5) عودة تدريجية للشارع، في الواقع فإن بعض الدول الأوروبية(6) تتجهز لخطوات شبيهة.

     

تُخطّط النمسا -على سبيل المثال- لتخفيف العزل الاجتماعي الصارم خلال أسبوع من الآن وبذلك تكون أول دولة في القارة الأوروبية تُعيد فتح المتاجر والمطاعم، أما دولة الدنمارك فسوف تبدأ بفتح المدارس خلال أقل من أسبوع، كذلك فإن التشيك كانت بالفعل قد خفّفت بقدر يسير من إجراءاتها للعزل الاجتماعي وتُخطِّط -خلال الأسبوع الحالي أيضا- للتراجع عن حظر السفر، وكان رئيس الوزراء الإسباني قد أعلن أن الدولة قد مرّت بالفعل بالمرحلة الصعبة، ويمكن أن تتجهز البلاد بحلول نهاية إبريل/نيسان لتخفيف إجراءات الحظر، إيطاليا كذلك أبدت قبولا لتلك الفكرة.

    

هذه الدول بدأت بالفعل في تجاوز أوج المرض إلى الآن، لفهم الأمر يمكن أن تتأمل عدد الحالات اليومي في إسبانيا مثلا، بحلول نهاية مارس/آذار كانت الدولة قد تخطّت حاجز سبعة آلاف حالة كل يوم، أما الآن فقد تناقص هذا العدد وصولا في بعض الأحيان إلى ثلاثة آلاف حالة يوميا، الأمر نفسه بالنسبة لأعداد الوفيات اليومية، يعني ذلك أنها تخطّت قمة المنحنى الخاص بالحالات، ذلك مطمئن إلى حدٍّ ما، ويرى مايكل ليفيت، الفيزيائي الحيوي الحاصل على جائزة نوبل في الطب في 2013، أن أرقام العالم كله تُبشِّر بالخير(7).

      

  

حيث كان الأستاذ بجامعة ستانفورد قد أشار إلى أنك لو تأملت الأرقام على مستوى العالم كله لوجدت أن الأعداد ما زالت تتزايد بالفعل، وبشكل مطّرد، لكن سرعتها في التزايد تقل شيئا فشيئا، ما يعني أننا نمر بمرحلة قمة المنحنى بالنسبة للعالم كله، وهو ما يحدث أقرب بشكل كبير مما كان متوقعا في النماذج الرياضية التي تبحث الأمر، ما يعني أن فترات العزل الاجتماعي قد لا تطول كثيرا كما يظن البعض، وأن أعداد الوفيات لن تتضاعف كثيرا (قبل أسبوع واحد كان معدل تضاعف أعداد الإصابات المؤكدة في العالم كله هو 6 أيام، الآن أصبح 12 يوما).

  

الغارقون في الضباب

لكن هذا التطور للأسف ليس مطمئنا بشكل كلي، فكما قلنا قبل قليل، الأمر دائما جاهز للتفاقم. لفهم تلك الفكرة يمكن أن نتأمل الوضع في سنغافورة، فبوصولها إلى نهاية مارس/آذار كان هناك اعتقاد لدى السلطات أن البلاد كانت قد تخطّت قمة المنحنى بالفعل، وبدأت الأعداد في الهبوط، لكن على الرغم من ذلك جاءت موجة ثانية في الأسبوع الثاني من شهر إبريل/نيسان، ووصلت قمّتها إلى نحو ثلاثمئة إصابة في يوم واحد، وهو رقم يساوي أكثر من ثلاثة أضعاف قمة المنحنى السابق قبل أسبوعين من هذا التاريخ.

     

  

في الواقع، فإن المخاوف من الموجة الثانية من فيروسات كهذه موجودة من لحظة ظهوره، حيث أعاد كورونا المستجد أذهان العلماء إلى الإنفلونزا الإسبانية(8) عام 1918، حيث بدأت بموجة قصيرة في شهور الصيف، لكنها اجتاحت العالم بداية من سبتمبر/أيلول في موجة هي الأعنف خلال قرن كامل، ثم بعد ذلك جاءت موجة ثالثة في الربيع التالي، قتلت الإنفلونزا الإسبانية نحو 50 مليون شخص حول العالم، يقول ذلك إن موجة أخرى من هذا النوع من الفيروسات هو أمر ممكن لسبب أو لآخر. 

    

على سبيل المثال، عادة ما تنحسر الفيروسات التاجية مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في الصيف، لأسباب تتعلق بخصائص الفيروس نفسه وقدراته على الانتشار والعدوى، لكنها تعاود الظهور بكثافة أكبر مع الشتاء البارد في موجة ثانية، هذا متوقع بالنسبة لكورونا المستجد، لكنه للأسف لا يزال مجرد احتمال قائم مُرجَّح، فنحن ما زلنا لا نعرف الكثير عن الفيروس.

    

    

لكن في كل الأحوال، فإن إجراءات العزل الاجتماعي الصارمة لن تستمر طويلا، لكنها أيضا لن تكون عودة للوضع الطبيعي، كل الدول التي ستسمح جزئيا بعودة النشاط سترفق ذلك بحزمة من الإجراءات الوقائية والتي تبدأ، على سبيل المثال لا الحصر، بإجبار الناس على ارتداء الكمامات الواقية في مناطق بعينها، وتفريقهم بحيث تكون المسافات أكبر من 1-2 متر في نطاق المكان، أضف إلى ذلك أن هناك نقطة أخرى قد تكون فارقة في هذا الأمر. 

  

فمع تطوير اختبارات تفحص الأجسام المضادة الخاصة بالفيروس، والتي عادة ما تكون رخيصة وسريعة، سيسمح ذلك للأشخاص الذين أُصيبوا بـ "كوفيد-19" ولم يعرفوا بالنزول إلى أعمالهم في أمان لأنهم اكتسبوا مناعة ضد المرض، حيث عادة ما يتسبّب هذا النوع من الفيروسات في مناعة تستمر من عام إلى عامين، بالنسبة لكورونا المستجد فإن مدى المناعة ليس واضحا بعد.

  

أضف إلى ذلك أنه قد توجد أسباب إضافية لعودة الكثير من البلاد للانفتاح من جديد، فعلى الرغم من أن اللقاح قد يأخذ الكثير من الوقت للوصول إلينا، فإن هناك أكثر من برنامج علاجي مقترح(9) بالفعل يمكن أن يسمح للفِرَق الطبية بالسيطرة على المرض، لو نجح أحد تلك البرامج وعُمِّم عالميا وتوفّرت مكوناته فإن نسب الوفيات قد تنخفض بشكل جذري، وهو ما سيعطي المواطن درجة من الشعور بالأمان تجاه "كوفيد-19″، فحتى مع الإصابة به هناك فرصة أفضل للتخلص منه، لكن إلى الآن ما زالت تلك البرامج غير متاحة، إلا أننا متأكدون أنها ستصل إلينا قبل اللقاح على الأقل.

      

 

  

لكن المشكلة الواضحة -كما تلاحظ- هي أننا، جميعا، سواء كنّا علماء أو مواطنين عاديين أو رجال حكومات، غارقون في محيط شاسع من الضبابية، نحن لا نعرف الكثير عن هذا الفيروس، لا نعرف حتّى عدد المصابين الحقيقي أو سلوك الفيروس في الصيف أو استجابة البشر المناعية له، وهي معايير تؤثر جذريا على ردود أفعالنا، وبالتالي قد تكون خططنا للمواجهة خاطئة بشكل أو بآخر، قد يكتشف العلماء في مرحلة ما أنه لم تكن هناك فائدة أصلا من أحد تكتيكات العزل الاجتماعي، وقد نكتشف أن أحدها أهم من الآخر، أو قد تظهر نوعيات جديدة من أساليب العزل لحين وصول اللقاح، يقترح بعض العلماء مثلا أن تتم إجراءات العزل بشكل متقطع وبحسب عدد الحالات الجديدة في كل دولة بحيث لا يُرهق النظام الصحي، فتُجرى لمدة أسبوعين أو أربعة كل شهرين أو أكثر.

  

عالم جديد متوجس

لكن على الرغم من كل تلك الضبابية، فإن هناك شيئا واحدا نحن متأكدون منه، وهو أن الحياة لن تعود إلى طبيعتها كما تظن، أو دعنا نقل إن شيئا جديدا سيصبح خلال الشهور ثم السنوات القادمة هو "الطبيعي الجديد". لفهم الأمر دعنا نتأمل ما حدث بعد ظهور الإيدز في الثمانينيات من القرن الفائت(10)، قتل هذا المرض 30 مليون إنسان تقريبا حتى الآن، معظمهم في أفريقيا جنوب الصحراء، لكنه انتشر أيضا في الولايات المتحدة وأوروبا، في بداية ظهوره كانت هناك تشديدات على إجراءات وقائية مهمة جدا بالنسبة للأشخاص في عمر الشباب تحديدا، مثل استخدام الواقيات الجنسية، الآن بعد أربعين سنة أصبحت هذه الإجراءات شيئا طبيعيا يحرص الشخص عليه في هذه الدول، وليس مجرد استثناء.

  

نحن الآن نتعامل مع إجراءات مثل منع المصافحة وغسل اليدين بالماء والصابون مدة 20 ثانية والحفاظ على مسافات ثابتة عن الآخرين خاصة في الأماكن المغلقة على أنها استثناء له علاقة بوباء كورونا المستجد، لكن حتّى مع درجات متفاوتة من الأمان بعد أن تبدأ الدول في تخفيف العزل الاجتماعي سيظل الناس لفترة طويلة جدا يعتبرون هذه الأشياء أساسية في حياتهم، لأنه حتى لو انتهى المرض بشكل ظاهر، فإنه قد يعاود الظهور في أية لحظة، نحن نعرف أنه يمكن أن ينتشر في سرية تامة وبلا أعراض واضحة لفترة ثم فجأة ينهار كل شيء، لذلك علينا أن نستمر لسنوات عدة في الحذر قبل أن نطمئن تماما.

     

  

يتوسع ذلك ليشمل كل شيء في حياتك، يبدأ من طوابير المصالح الحكومية أو توزيع كراسي السينما أو طريقة التعامل في الصالة الرياضية ويصل إلى الكيفية التي ستحصل بها على تأشيرة لزيارة دولة ما، لن يكون الأمر سهلا على الإطلاق، وإجراءات فحص درجات الحرارة في المطارات واستخراج شهادات تؤكد أن نتائجك سلبية ستكون شيئا أساسيا، سيبطئ ذلك من إجراءات السفر(11) في كل العالم، ويقطع بعضا من شرايينه، لكن الأهم هو أنه سيقطعها تماما مع الدول الفقيرة، والتي قد لا تتمكّن بسهولة من السيطرة على المرض مثل الدول الغنية، سيقطع هذا بالتبعية الطريق على مئات الآلاف من المتنقلين بين الدول كعمّال.

  

لو تأملت قليلا، فستجد أن هذا النوع من التغيير سيطول كل شيء تقريبا في المجتمع، ولا نتحدث هنا فقط عن توابع الأزمة الاقتصادية التي بدأت في الظهور بالفعل، لكن نقصد -على سبيل المثال- نسب الاضطرابات النفسية التي سترتفع حد السماء خلال وبعد أجواء العزل الاجتماعي الضاغطة بطبيعتها والساكنة في أجواء من التوتر الشديد والمستمر، وقد لوحظ ذلك بالفعل في حالة الصين خلال شهور الحظر، أضف إلى ذلك أن مصابي القلق والوسواس القهري حول العالم -بشكل خاص- يواجهون بالفعل أسوأ مخاوفهم الآن، وقد لا يمر الأمر بسلام.

    

من جهة أخرى، فإننا لا شك سنُعيد النظر في طبيعة العمل واجتماعاته ومؤتمراته وآليات التسليم والاستلام، سيتدخل الإنترنت بقوة في كل ذلك بالطبع، سنُعيد النظر في التعليم وتنظيم المدارس وكيفية التعامل بين المدرس والطالب في إطار إنترنتي، لكن ذلك في المقابل قد يؤسس لشقاق أو فجوة رقمية يسقط فيها هؤلاء الذين يتعاملون مع الإنترنت بصعوبة، والذين عادة ما يكونون من الدول أو الطبقات الفقيرة. 

    

  

أما في الخلفية من كل ما سنتّخذه من إجراءات فإن شيئا آخر مهما وعميقا جدا سيؤثر في حياتنا الاجتماعية، إنه الشرخ الهائل الذي ضرب أواصر المجتمع، فأصبح الواحد منّا يميل إلى تفضيل الجلوس في المنزل على الخروج للمقهى، أو يميل إلى التوجس خوفا تجاه زميل عمل أو صديق يسعل أو يعطس فقط، وهي أشياء كانت طبيعية جدا قبل فترة قصيرة، أضف إلى ذلك حالة العنصرية التي لن تغادرنا سريعا تجاه المصابين بالمرض. 

  

الطبيعي الجديد

قبل يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2020 كنا نتعامل جميعا مع نزلة البرد التي تُصيبنا، أو تُصيب آخرين حولنا، وهي شيء شائع جدا عادة ما تختبره مرة أو أكثر كل سنة، على أنها شيء عادي سنتجاوزه بسهولة أو ربما عبر حساء دافئ أو قرصَيْ صداع، اليوم نتعامل على أنها حالة اقتراب من الموت، هذا النوع من الهلع لن يتوقف بين يوم وليلة، وسيفتح ذلك بدوره، ليس فقط بابا للتوتر، وإنما أيضا بابا آخر للاهتمام بالمعارف الطبية في حياتنا، وعلاقاتنا بممارسيها بالتبعية.

  

الطب بالطبع سيكون مركز اهتمام الناس والدول على حدٍّ سواء، بالطبع سيرتفع الإنفاق الحكومي على المنظومات الصحية بشكل عام، سيصبح الاهتمام الأكبر بفرع الطب الوقائي، وستضع الحكومات المختلفة خطط عمل جديدة للتجهز لمواجهة أشياء كتلك، في أثناء ذلك كله ستتغير وجهة نظر الناس تجاه حجم تدخل الدولة في أمور كتلك، فقد بات واضحا أن الدول التي تدخلت بقوة في هذه الجوانب أنقذت الموقف، أما تلك التي تركت الأمر في إمرة السوق الحر فقد شهدت الكثير من الوفيات.

    

  

لكن الأكثر لفتا للانتباه من بين كل التغيرات المتوقع حدوثها مستقبلا هو حالة الفصل بين البشر على أساس إمكاناتهم الوقائية، لفهم تلك الفكرة دعنا نتأمل اتفاقا أخيرا(12) بين شركتَيْ "غوغل" و"أبل" لإنشاء تطبيق جديد مشترك يعمل على توعية الناس بالمناطق والأشخاص المصابين، ما يُخفّف من الاختلاط بالمرضى، لكن على فائدته الظاهرة، فإن تطبيقات كتلك أشبه ما تكون بأدوات تجسس يمكن أن تُستخدم لوصم منطقة ما بالعار، ومع مدّ الخطوط على استقامتها ستجد أن مستقبلنا مع هذا الوباء، دون حذر شديد من قِبل الحكومات، سيكون مستقبلا لتزايد مستويات التفاوت الاجتماعي بين الناس، وهو بدوره ما يمكن أن يُغذّي أنواعا مختلفة من الانتفاضات الاجتماعية.

    

بل ولا يقف الأمر عند هذا الحد، خذ مثلا إجراءات التتبع والتقصي للمصابين في كل دول العالم، ففي بعض الدول تقرّر استخدام برامج تعقب استخباراتية(13) على المواطنين العاديين، قد يتطور ذلك، خاصة أن الاستخبارات بطبيعتها نهمة للمعلومات، لبرامج مراقبة إنترنتية دائمة بحجة الوقاية الصحية، في الواقع، لو تأملت قليلا لوجدت أن الصحة هي أفضل ما يمكن أن تستخدمه لمساومة الناس على حرياتهم، سيوافقون على أي شيء طالما سيُبقيهم في أمان.

  

حسنا، ما قدّمناه قبل قليل هو مجموعة من الأمثلة فقط لا أكثر، موجة الوباء هي الموجة الأولى من تسونامي مستمر سيُغيّر شمل حياتنا مستقبلا وعلى مدى سنوات طوال، لن تعود الحياة لطبيعتها كما كانت قبل يناير/كانون الثاني 2020، كُتب علينا أن نكون نحن مركز هذا التغير وهو حمل ثقيل جدا للأسف، لكن المشكلة تبدأ من حالة الإنكار، ظنّنا أن كل شيء سيعود إلى طبيعته خلال أسبوع أو اثنين أو ثلاثة، بينما الأَوْلى أن نُجهِّز أنفسنا لأوضاع جديدة تماما ستكون هي "الطبيعي الجديد".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة