هل كانت الصين قادرة على منع تفشي (كوفيد – 19) منذ البداية؟

اضغط للاستماع

  

بينما تُكتب هذه الكلمات، فإن العالم على بُعد أقل من أسبوع واحد فقط من تسجيل مليون إصابة(1) مؤكدة بفيروس كورونا المستجد، والذي يتسبّب في مرض بات الآن يُعرف باسم "كوفيد-19″، أما إذا قرّرنا أن نتأمل عدد حالات الإصابة اليومي فلا بد أننا سنُصاب بخيبة أمل، لأنه يبدو لنا أنها ستتصاعد بلا توقف خلال فترة ليست بقصيرة. بشكل أو بآخر، ينتظر الجميع معجزة ما لكي يخرج من هذا الكابوس الفظيع.

    

في المقابل من ذلك كله، بدأت المستشفيات الخاصة بكورونا المستجد في الصين بإغلاق(2) أبوابها مع الانخفاض اليومي المطّرد للحالات الجديدة من "كوفيد-19". في الواقع، فإن عدد الحالات التي لا تزال مصابة بالمرض هناك يقل عن ثلاثة آلاف شخص مع نحو ألف حالة فقط تحتاج إلى عناية مركزة. لكن ألا يدفع ذلك للتساؤل؟ إذا تمكّنت الصين من السيطرة على المرض بهذا الشكل الاحترافي، فلِمَ لم تفعل ذلك منذ البداية بحيث تصاعد الأمر لأكثر من 80 ألف حالة وانطلق لكل دول العالم؟

      

      

أميرة الأمراض

هذا ليس مجرد سؤال بسيط، لكن البعض يُصدِّره كنموذج لمؤامرة ما متعلقة بأداء الحكومة الصينية المريب -بالنسبة له- منذ البداية، فقد أخذ الأمر نحو الشهر منذ أول إصابة في ووهان حتّى تُعلن الصين عن المرض، كذلك فإن هناك درجة واسعة من عدم الثقة في البيانات الصينية الرسمية. لكن في الحقيقة، فإن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ في الصين، بل قبالة السواحل اليابانية، حيث كانت السفينة البريطانية الراقية هائلة الحجم "أميرة الألماس" تتجهز لإنزال بعض ركابها هناك.

  

في تلك الأثناء أبلغت السلطات في هونغ كونغ عن حالة لعجوز يبلغ من العمر 80 عاما كان قد ترك السفينة في أواخر يناير/كانون الثاني وشُخِّص بـ "كوفيد-19″، هنا فرضت الحكومة اليابانية حجرا صحيا(3) فوريا على تلك السفينة، والتي ظهر خلال الأسبوع الأول من فبراير/شباط أنها بالفعل تحمل المرض على متنها، ومع الوقت تبيّن أن الحالات المُصابة أعلى مما توقع الجميع في البداية.

    

بالنسبة للمنصات الإعلامية العالمية، كانت "أميرة الألماس" فرصة جيدة للمزيد من الأخبار المشوّقة عن تفشي الوباء بين السياح الأثرياء، لكن بالنسبة لعدة فِرَق بحثية في نطاق علم الوبائيات، فإن السفينة كانت تجربة مثالية، عيّنة تجريبية متنوعة الجنسيات ظلّت منغلقة تماما على ذاتها، وتفشّى المرض فيها لفترة دون علم أيٍّ من ركابها، ثم بعد ذلك بدأت في تطبيق إجراءات الحجر الصحي، فانحصر كلٌّ في كابينته، يعني ذلك أن البيانات منها ستكون أدق من المجتمعات المفتوحة.

  

خذ مثلا نِسَب الوفاة، لو تأمّلت الأمر قليلا لوجدت أنها غير مستقرة بالمرة على مستوى العالم(4)، في ألمانيا على سبيل المثال فإن النسبة هي 0.6% فقط، أما في إيطاليا فقد بلغت نسبة الوفيات 10% من المصابين! لكن بالنسبة لـ "أميرة الألماس"، السفينة التي حملت نحو 3700 راكب، فإن عدد الإصابات كان 717 شخصا، وعدد الوفيات(5) كان فقط 10 أشخاص، ما يُمثِّل 1.1% من المصابين، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي (3.8% وفيات من المجموعة الكلي للمصابين).

    

قاتل صامت

   

يطرح ذلك سؤالا إضافيا غاية في الأهمية هدف فريق بحثي من جامعة كويوتو اليابانية للحصول على إجابة له، فنحن الآن نعرف أن هناك بالفعل عددا من المصابين بمرض "كوفيد-19" لا يُطوِّر أعراضا واضحة معروفة كالحمى التي تزيد على 38 درجة أو السعال الجاف المستمر أو ضيق التنفس البسيط أو الحاد، لكن كم نسبة هؤلاء تحديدا من الناس جميعا؟ 

  

اعتمد الفريق على البيانات الصادرة من تحليلات أكثر من ثلاثة آلاف شخص في "أميرة الألماس"، وجاءت النتائج لتقول(6) إن 17.9% ممن أُصيبوا بالفيروس كانوا بلا أعراض، ويتصوّر الفريق البحثي أن هذا ربما يكون -بصورة ما- الحد الأدنى لتلك النسبة، لأن غالبية ركاب "أميرة الألماس" كانوا من كبار السن، من 60-80 سنة، وهؤلاء عادة ما يُطوِّرون أعراضا واضحة بسبب العمر أو المشكلات الطبية كارتفاع ضغط الدم أو السكري أو الأمراض القلبية الوعائية.

  

نتائج شبيهة حصل عليها فحص ياباني(7) سابق للمواطنين اليابانيين العائدين من مدينة ووهان الصينية بعد الإعلان عن الجائحة، حيث كان ثلث المصابين بالمرض تقريبا بلا أعراض، ويرى فريق جامعة كويوتو البحثي أن تلك النسبة، سواء التي توصّلوا إليها أو تلك التي توصّل إليها اليابانيون، كبيرة كفاية لإعلان أن الخطر سيظل قائما لفترة طويلة، حتّى مع عدم وجود تأكيدات حالية أن كورونا المستجد يمكن أن ينتقل بلا أعراض، لأننا نعرف أنها طبيعة هذا النوع من الفيروسات أن ينتقل بلا أعراض.

  

لفهم الفكرة دعنا نتأمل نِسَب الذين لا يحملون أعراضا في مجموعة أخرى من الإصابات الفيروسية الخطيرة المعروفة(8)، في حالة الحصبة على سبيل المثال فإن تلك النسبة هي فقط 8%، وفي حالة النوروفيروس فهي نحو 32%، وتصل إلى 90-95% في حالة شلل الأطفال، وكلها أمراض قاسية جدا ذات درجة انتشار فظيعة، والأهم من ذلك، بالنسبة للعدوى الخاصة بالحصبة والنوروفيروس تحديدا، فإنه من الثابت أن الأفراد عديمي الأعراض غالبا ما يكونون قادرين على نقل الفيروس إلى الآخرين.

     

     

في الحقيقة، نحن نعرف الآن أن أحد الأسباب الرئيسية في تفشي إنفلونزا الخنازير(9) في العام 2009 كان أن نسبة من المرضى طوّروا أعراضا طفيفة، بالتالي فإن تلك الأعراض لم تكن قوية كفاية لإبقائهم في المنزل، سمح ذلك لهم بالتنقل ونشر المرض بصورة أكبر، تسبّبت هذه الجائحة في قتل 150-500 ألف شخص حول العالم بحسب المركز الأميركي لمكافحة الأمراض واتقائها (CDC).

  

أضف إلى ذلك أن هناك أربعة أنواع أخرى من فيروسات كورونا (الفيروسات التاجية) تظهر كل عام في المواسم الباردة ولم تنتهِ أبدا، أحد الأسباب هو أن كثيرا من المرضى بها لا يطورون أعراضا أو يطورون أعراضا خفيفة لا تُبقيهم في المنزل، ثم يستمرون في نشر المرض أثناء ذلك، يطرح ذلك فكرة أن يستمر كورونا المستجد في الوجود بموسم محدد كل عام أيضا، ولذلك تقرير خاص قريبا، لكن دعنا الآن نرجع إلى الصين مرة أخرى. 

  

سباق الفحص

في الواقع، كانت دراسة أخيرة في دورية "ساينس"(10) واسعة الشهرة قد اهتمت بشكل رئيسي بسبب تفشي كورونا المستجد في الصين، واستخدمت الدراسة نماذج حاسوبية تعتمد على الإحصاء البايزي، وهو نظام إحصائي يُعبِّر الاحتمال فيه عن درجة معينة من الاعتقاد في حدث ما، وهو اعتقاد يمكن أن يتغير مع ورود معلومات جديدة. في تلك الحالة استخدمت الدراسة بيانات التنقل في المنطقة من 10 إلى 23 يناير/كانون الثاني ومن 24 يناير/كانون الثاني إلى 8 فبراير/شباط.

      

   

هنا جاءت النتائج(11) لتقول إن 86% من الحالات المصابة بـ "كوفيد-19" في مدينة ووهان الصينية، بحلول يوم الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني موعد غلق ووهان، وبينما كان عدد الحالات ما زال تحت الألف، لم تخضع للفحص. السبب في ذلك هو أن السلطات الصينية -أول دولة تتعرض للفيروس- اهتمت بشكل أساسي بفحص الحالات التي طوّرت أعراضا واضحة للمرض، وبالتالي احتاجت إلى الذهاب إلى المستشفى أو البقاء في المنزل، لكن هؤلاء الذين طوّروا أعراضا بسيطة أو لم يُطوّروا أي أعراض على الإطلاق تعاملوا على أنهم ليسوا من مرضى "كوفيد-19″، وبالتالي استمروا في نشر المرض، في الصين أو خارجها، دون علم.

   

يتوقَّع النموذج الإحصائي الخاص بالدراسة(12) أن الحالات التي لم تُوثَّق في 23 يناير/كانون الثاني كانت السبب في 79% من كل الحالات المعلن عنها -أو غير المعلن عنها- في الصين حتى الآن، وعلى الرغم من أن قدرة الفيروس على التفشي من الحالات التي لم تُظهِر أعراضا كانت النصف تقريبا من تلك التي أظهرت الأعراض، بحسب هذه الدراسة، فإن عدد هؤلاء الذين لم يُطوِّروا أعراضا أو طوّروا أعراضا بسيطة كان كبيرا كفاية بحيث ساعد على تفشي المرض في البلاد ولم تُدرك السلطات الصينية الأمر إلا في وقت متأخر.

  

يُشير ذلك إلى أن الدول التي تتبنّى سياسات فحص أو عزل الحالات الجديدة بناء على تطوير الأعراض الشديدة فقط أو مجرد مخالطة الحالات السابقة ربما لن تكون قادرة على فرض سيطرة كافية على مرض "كوفيد-19″، وبالتالي -لكي لا تتكرّر الكارثة نفسها- فإنه على كل دول العالم التي تود تجنُّب الوصول إلى مستوى قاسٍ من الوباء أن تبدأ بإجراء عدد أكبر من الفحوص اليومية لا يعتمد على المخالطة أو الأعراض فقط.

    

   

لكن الأهم من ذلك هو توعية المواطنين في هذه الدول لهذه النقطة المهمة، وهي أن العزل الاجتماعي يشمل الجميع سواء طوّر الأعراض أم لا، ولأن هؤلاء الذين يبدؤون في تطوير الأعراض أكثر قدرة على نقل الفيروس للآخرين فلا بد لوسائل الإعلام ومُطبّقي القانون، في كل دولة، أن يعملا بصورة أكثر حزما على حثّ هؤلاء على البقاء في منازلهم لحين اختفاء الأعراض.

  

بعض التجارب الناجحة للسيطرة على "كوفيد-19" كانت تطبيقا مباشرا لتلك الفكرة (العزل الكامل والفحص للجميع قدر الإمكان)، ونتحدّث هنا بشكل أساسي عن كوريا الجنوبية(13)، حيث عملت على تتبُّع احترافي للحالات بالإضافة إلى رفع عدد الفحوص بالنسبة لعدد السكان. على سبيل المثال، بينما كانت الولايات المتحدة، في أول مارس/آذار، تُقدِّم 5 فحوصات فقط لكل مليون شخص، كانت كوريا الجنوبية تُنفِّذ 3700 فحص لكل مليون شخص، سواء كانت الأعراض ظاهرة أم لا.

  

هؤلاء الأكثر مرونة

يعني ذلك أن تطوير أدوات فحص أدق وأسرع لـ "كوفيد-19" قد يكون عاملا حاسما في حرب البشر ضد كورونا الجديد، وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالفعل قد أعلن(14) هذا مؤخرا بينما كان يتحدث عن حصول بريطانيا على 3.5 مليون جهاز فحص جديد بسيط لكورونا المستجد، تعتمد تلك الأجهزة الجديدة على البحث عن الأجسام المضادة التي يُطوِّرها الجسم ضد كورونا المستجد، وعلى عكس الفحص المتعارف عليه الذي يتطلّب بحثا دقيقا عن أجزاء من الحمض النووي الخاص بالفيروس، فإن الفحص الجديد أسرع -دقائق فقط مقارنة بساعات أو أيام للفحص الآخر- وأرخص بفارق هائل، ويشبه فحص الحمل الشهير.

        

كون المرض يأتي بأعراض طفيفة في الكثيرين قد يكون شيئا جيدا للوهلة الأولى، لكن الطبيعة طالما علّمتنا أن الرابح الأكبر ليس الأقوى وإنما الأكثر مرونة
   

يمكن لهذا الفحص أن يساعد في كشف مبدئي للحالات الجديدة، كذلك يساعد هؤلاء الذين طوّروا أعراضا طفيفة أو كانوا بلا أعراض على التعرّف إلى أوضاعهم، وهنا يمكن لهؤلاء الذين تأكّدوا من إصابتهم بالمرض وانتهائه أن ينزلوا إلى الشوارع للعمل، فالفيروس في الغالب لا يمكن أن يُصيبك مرتين متتاليتين، على الأقل خلال فترة زمنية طويلة (قد تمتد إلى سنة أو سنتين لكن ذلك غير واضح بعد). قد يساعد ذلك على إنقاذ الاقتصاد في الدول التي تمارس عزلا اجتماعيا شديدا، كذلك سيُخفِّف عن المنظومة الصحية. في كل الأحوال، ما زلنا إلى اللحظة غير متأكدين من مدى دقة تلك الفحوص الجديدة، لكن عسى أن تساعدنا -في كل العالم- على تخطّي تلك المحنة. 

  

للأسف، كون المرض يأتي بأعراض طفيفة في الكثيرين قد يكون شيئا جيدا للوهلة الأولى، لكن الطبيعة طالما علّمتنا أن الرابح الأكبر ليس الأقوى وإنما الأكثر مرونة، فيروس الإيبولا -على سبيل المثال- قتل نحو 50-90% من ضحاياه، فيروس ماربورغ الشيء نفسه تقريبا، هذه الفيروسات اختفت سريعا لأنها تُضعِف عائليها من البشر، فلا تترك لهم المجال للتحرك، يتطلب الأمر أن يكون الفيروس -بتعبير أدبي لا علمي- ذكيا كفاية لترك بعض الحالات تمضي بلا أعراض لتنشره بين ملايين البشر، بكل سلاسة!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بظل التأثيرات الواسعة لفيروس "كورونا" تُطرح الكثير من الأسئلة، والاستفسارات حول طبيعة الفيروس، وقدرتنا على التعامل معه، وعن مستقبل المرض.. إليكم أبرز هذه التساؤلات والتي يجيب عنها الدكتور ليث العملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة